الشخصية الإسلامية مدركة تماماً بأن (السماء) أبدعتنا لهدف خاص هو (الخلافة في الأرض) ، بمعنى أننا نمارس هذا السلوك أو ذاك ، تبعاً لإحساسنا بمسئولية (الخلافة) ، بما في ذلك السلوك الحيوي الذي لا مناص من إشباعه ، مثل : الطعام والنوم ونحوهما. وقد وردت التوصيات الإسلامية بضرورة أن تضع الشخصية الإسلامية في اعتبارها (هدفاً) عبادياً بالنسبة لكل تصرف يصدر عنها بما في ذلك الأكل والنوم ، مطالبة إيانا أن تكون لنا (نية) حيالهما ، وحيال سائر أنماط سلوكنا.
وإذا كان الأمر كذلك ، فإن السلوك العلمي يجيء في مقدمة الوظائف الخلافية التي أوكلتها (السماء) إلينا ، مما يعني أن (المنهج العقائدي) في دراسة النصوص ، يظل (هدفاً أوحد) بالنسبة للباحث ؛ إذ بدون وضع الهدف المذكور في حسبانها ، يظل البحث عقيماً لا جدوى فيه ، وهو أمر تطالبنا السماء بالتنزّه عنه.
لذلك ، لا نجد أي معنى لطرح التساؤلات عن مشروعية دراسة النص في ضوء (العقيدة) أو عدمها ، مادام هدفنا أساساً هو (العقيدة) ذاتها ، من حيث إشاعتها في النفوس ونشرها بين الجمهور.
بَيْد أن الباحث الإسلامي عبر ممارسته لهذه المهمة (العقائدية) ، ينبغي ـ كما أشرنا سابقاً ـ ألاَّ يغيب عن ذهنه بأن البحث العلمي لابد أن يتسم بطابع (الموضوعية) أو (الحياء) من حيث دراسته للظواهر التي يتناولها ، ليس بمعنى عدم تصوير (هدفه العقائدي) ، بل بمعنى أن الدراسة ينبغي ألاّ تتأثر (عاطفياً) بالموقف الفلسفي ، بحيث يخرجها من دائرة المعالجة الموضوعية ، بل تتناول النص بروح خالية من آثار العاطفة وانفعالاتها ، ملتزمة بالحياد العلمي ، مجادلة بالتي هي أحسن.
بكلمة جديدة : الكاتب الإسلامي مدعو إلى أن يدرس الموضوع بشكل (محايد) أولاً ، ثم يتجه إلى تقويمه (عقائدياً). فإذا افترضنا أن الكاتب كان في صدد دراسة قصيدة مثلاً ، حينئذٍ يتعيّن عليه أن يعالج القصيدة المذكورة من حيث قيمتها الفنية ، بما تنطوي عليه من صياغة الصورة والإيقاع واللغة ونحوها ، ثم يتّجه إلى تقويها (عقائدياً). فإذا كانت القصيدة ـ على سبيل المثال ـ رديئة الصياغة ، بالرغم من كونها (إسلامية) المنحى ، ينبغي ألاّ يتعصّب لها فيحكم بجودتها (فنياً) مع أنها رديئة ، بل يتعيّن عليه أن يقر بكونها غير جيدة ، من الزاوية الفنية.
بالمقابل ، ينبغي على الباحث أيضاً إذا كان في صدد دراسة إحدى القصائد (غير الإسلامية) مثلاً ، ألاَّ يتعصب ضدها من الزاوية الفنية ، إذا كانت مستجمعة لشروط (الفن) ، بل يقوّمها بنحو (موضوعي) ، ثم يتجه إلى إسقاط قيمتها (عقائدياً). وهذا ما نلحظه لدى أئمة أهل البيت (ع) فيما كانوا يصدرون في أحكامهم عن هذا التناول الموضوعي للظواهر ، حيث يطالبون الشاعر (العقائدي) مثلاً ، بإسقاط أو تعديل العبارة أو البيت الشعري (من الزاوية الفنية) ، كما يقرّون الشاعر (غير العقائدي) بجودته فنياً ، إلاّ أنهم يحكمون بضلالة أفكاره.
