تأكيده على فاعلية الحياة (اللاشعورية). ويقول مؤرِّخو هذا الاتجاه ، بأن الفنانين قد استثمروا ـ فنياً وفكرياً ـ ظهور هذه المدرسة ، بعد أن كانت الحرب العالمية الأولى قد تركت في نفوسهم استجابات مريرة ، تتمثّل في خيبة أملهم بالحضارة التي أفرزت مثل هذه الحروب.
وبدلاً من أن يتَّجه الفنَّانون ـ كما هو شأن الشخصية السوية ـ إلى رفض القيم المادية التي أفرزت أمثلة ذلك الدمار ، بدلاً من ذلك اتجهوا ـ كما يقول المؤرّخون ـ إلى سلوك مرضي ، هو التمرّد على بقايا الحياة الخُلقية التي احتفظ بها المنعزلون عن مبادئ السماء ، فجنحوا إلى الفوضى والتهكُّم والسخرية في ضوء وقوفهم على فوضوية الحياة اللاشعورية ومشروعية رغباتها ، وإنْ كانت ممنوعة اجتماعياً .. حسب زعم رائد هذه المدرسة النفسية.
إنَّ ما يعنينا ـ إسلامياً ـ من هذا الاتجاه ، هو انعكاس المكتشفات اللاشعورية على الصياغة الفنية لروّاده ، وهو انعكاس لا ينحصر في هذا الاتجاه ، بل يتجاوزه إلى مطلق الفنانين الذين أفادوا من مكتشفات اللاشعور في العمل الفني ، حيث ركنوا إلى ظواهر مثل (الحُلْم) و (التداعي الذهني) ونحوهما من الأدوات الفنيّة.
طبيعياً ، لا غبار على استخدام أمثلة هذه الأدوات (الحلم ، التداعي الذهني ، ...) في العمل الفني ، مادامت مجرد أداة فنية ، بخاصة أنَّ المشرع الإسلامي نفسه قد أشار إلى الحياة اللاشعورية للإنسان ، عبر نصوص وردت عن الإمام علي عليهالسلام والإمام السجاد عليهالسلام والإمام الصادق عليهالسلام تتصل بظواهر هفوات اللسان ، والمزاح ، والتكبر ، من حيث صلتها باللاشعور الذي اكتشفه الأرضيون في زمن متأخر.
أمَّا فكرياً ، فبالرغم من أنَّ الإسلام أقرّ بفاعلية الحياة اللاشعورية ، إلاَّ أنَّه يرفض طبيعة التفسير الأرضي ، بخاصة التفسير الجنسي والعدواني الذي تقوم عليه أُسس هذه المدرسة. مع ملاحظة أنَّ تلامذة هذا التيار نفسه ، قد شكّكوا بقيمة التفسير المشار إليه ، كما أنّ الاتجاه المعاصر لمدرسة التحليل النفسي يرفض بدوره أمثلة هذا التأكيد على ظاهرتي (الجنس والعدوان) ، بل إنّ الاتجاه التحليلي الأحداث بدأ يشدّد على (الأنا) أو (الشعور) بدلاً من المبالغة في فاعلية اللاشعور ، وهو أمر يفسِّر لنا مدى تهافت هذه النظرية وإفلاسها علمياً حتى في نطاق البحث الأرضي لها.
* * *
اتجاهات فكرية
التيارات التي أشرنا إليها (الكلاسيكية ، الرومانسية ، الرمزية ، السريالية) ، بالرغم من كونها منشطرة إلى ما هو (فني) صرف ، وإلى ما هو مزيج بين الفن والفلسفة الفكرية التي ترفده ، تظل متميزة عن اتجاهات أخرى يغلب عليها الطابع الفكري ، وهي اتجاهات بدأت مع القرن الماضي ، مثل :
