بالمستوى ذاته من النسبية التي أشرنا إليها.
ومنها : الاتجاه الرمزي
هذا الاتجاه نشأ بدوره في القرن الماضي ، منطلقاً من الحقائق النفسية التي تذهب ـ كما يقول مؤرّخو هذا الاتجاه ـ إلى أنّ استجاباتنا ، أو وعينا للشيء ، هو الذي يخلع على الظواهر هذه الدلالة أو تلك ، وإلى أنَّ (اللغة) بصفتها محدودة ـ من حيث مفرداتها ـ ترتطم بالحقائق النفسية التي لا حدود لها ؛ مما يستتلي ذلك اللجوء إلى (الرمز) ، بصفته تعبيراً مكثَّفاً ومليئاً بالإيحاءات المتنوّعة التي تشي بمختلف الدلالات : حسب خبرات الكاتب أو القارئ. وهذا يعني أنّ (الرمز) تعبير محدود عن معانٍ لا محدودة.
ويضيف مؤرّخو هذا الاتجاه إلى أن حواس الشخصية (سمع ، بصر ، ذوق ...) تتبادل التأثيرات فيما بينها ؛ نظراً للغة النفسية التي توحّد بينها ، مما يعني أنّها تثرى الإمكانات الإيحائية للرمز.
إسلامياً : لا غبار على هذا النمط من استخدام اللغة ، شريطة أن تظل (الرموز) محتفظة بوسيلتها ، أي بكونها مجرد (وسيلة) للإفصاح عن كثافة الدلالة ، لا أن يتحوّل إلى غابة كثيفة ، مضببَّة ، فيما نلحظ ذلك من نتاج الكثير من أصحاب هذا الاتجاه. إنّ التعبير القرآني الكريم تتخلَّله (رموز) متنوّعة ـ أشرنا إلى جانب منها في الدراسة المتصلة بالفن التشريعي ـ إلاَّ أنّها تتسم بطابع (الوضوح) ، بحيث يمكن استحضار أطرافها دون إرهاق. وإذا كانت مبادئ الفنّ ـ إسلامياً ـ تتمثّل في الاقتصاد والعمق والوضوح (كما ألمح أئمة التشريع (ع) إلى ذلك) ، فإن (الرمز) ـ في نصوص القرآن والحديث ـ يجسد المبادئ المذكورة تماماً ؛ بصفة أنَّ (الرمز) نفسه عملية (اقتصاد لُغوي) ، كما أنَّ سعة الدلالة التي يعبّر عنها الرمز تمثِّل المبدأ الآخر للفن ، وهو (العمق). فإذا تمّ انتخاب الرمز بنحو غير مضبَّب ، حينئذٍ فإن المبدأ الثالث ، وهو (الوضوح) ، يتحقق في ذلك أيضاً.
إذاً من حيث التصور الإسلامي للغة الفن ، يظل (الرمز) حاملاً مسوِّغاته بالنحو الذي أشرنا إليه. وأمَّا أرضياً ، فإن هذا الاتجاه ـ بصفته تياراً مستقلاً بذاته ـ لا يحتفظ بحدوده المستقلة في خارطة الأدب المعاصر ، لكنه يحتفظ بفاعلية كبيرة ، لعلها لا تضارعها أيَّة فاعلية أخرى : من حيث جوهر (الرمز) وإمكاناته الإيحائية التي لا حدود لها ، وليس من حيث كونه اتجاهاً له خطوطه التي تميّزه ـ تاريخياً ـ عن غيره من الاتجاهات.
ومنها : الاتجاه السريالي
وهو اتجاه أفاد من مكتشفات علم النفس التحليلي الذي ظهر مع بدايات هذا القرن ، و
