إسلامياً : تظل عملية (وحدة العمل الفني) و (التطهير) أمراً لا غبار عليه ، على أنّ يفصل ذلك من السياق الأرضي له. مع ملاحظة أن القصة القرآنية الكريمة ، أو السورة من حيث هيكلها العماري العام ، تفرز خطوطاً في ميدان (وحدة النص) والإثارة العاطفية ما يغنينا عن ذلك ، بخاصة إذا أخذنا الاعتبار أن وحدة العمل الفني في تجارب الأرض ، بدأت منحصرة في انتقاء (موضوع) محدَّد ترتبط مفرداته بقانون السببية ، ثمَّ تطوّرت بعد ذلك إلى تعدّد (الموضوعات) ، مع ارتباطها بوحدة (فكرية) تجمع بينها ، ثمَّ تطورت ـ ثالثاً ـ حتى شملت التلاحم بين مختلف العناصر (موضوعيَّاً وفنّياً) ، أي تلاحم الموضوع مع أدوات الفن من لغة وصورة وصوت ... إلخ. وكل أولئك يمكننا ملاحظته في النص القرآني الكريم ـ سورة أم قصة ـ بنحو يتجاوز مراحل التطور الأرضي المشار إليه ، ممّا يقصر عنه التصور الفني المحدود بطبيعة الحال.
ومنها : الاتجاه الرومانسي
يقول مؤرّخو الفن بأن هذا الاتجاه يمثّل استجابة عاطفية لمنطقية الاتجاه السابق ، حيث برز في القرن الماضي ، وهو قرن شهد تغييراً في أوضاعه العلمية والاجتماعية سحب آثاره على الفنانين ، ولابد أن يتم ذلك على نحو (انفعالي) يتناسب مع عمليات التغيير.
وقد صحب هذا الاتجاه أكثر من مبدأ فني ، حيث طوّر مفهوم عضوية العمل الأدبي وجعله متسعاً ، تتعدد الموضوعات بدلاً من قصرها على واحد ، مع ربطها بخيط فكرى يوحّد بينها ... كما أنه جنح إلى بساطة اللغة بدلاً من الفخامة التي طبعت الاتجاه الأسبق.
إسلامياً : لا غبار على هذا الجانب الفني من الاتجاه المذكور ، مادمنا قد أشرنا إلى أنّ وحدة العمل الفني ، بجميع مستوياتها ، قد أغنانا القرآن الكريم عن استثمار معطياتها. كما أن بساطة اللغة تظل واحداً من أهم المبادئ الفنية التي يشدّد الإسلام عليها ، عبر مطالبته ب ـ (الوضوح) في التعبير.
إلاّ أنّ (البعد العاطفي) لدى هذا الاتجاه يظل على الضدّ تماماً من التصوّر الإسلامي ، حيث سبق أن أوضحنا بأن الإسلام ينظّم استجابة الشخص وفق طابع سوّى ، موسوم بالنضج وبالرصانة وبالتعامل الواقعي مع الظواهر ، في حين يظل الاتجاه الرومانسي موسوماً ليس ببعده الانفعالي فحسب ، بل يتضخّم درجة هذا الانفعال بنحو فَصَلَ بعض ممارسيه عن أرض (الواقع) تماماً ، وجنح به إلى عوالم الوهم والتخيّل اللذين يثيران الإشفاق ، فضلاً عن سمة (الابتذال) التي طبعت هذا الاتجاه (عقلياً) مثل ما طبعته في لغته الفنية أيضاً.
المهم أنّ هذا الاتجاه لا فاعلية له في الحياة الأدبية المعاصرة ، إلاّ أنّ طابعه (الذاتي) يظل محتفظاً ببعض خطوطه ، مع تلوّنها بطابع هذا العصر بكل تعقيداته التي لا فائدة من التحدّث عنها الآن. كما أنّ خطوطه الفنية (وحدة العمل الأدبي وبساطة لغته) ، تظل ذات فاعلية موسومة
