بتصوير الإنسان والحيوان وبين غيرهما. ثمَّ بين عملية الصنع للتماثيل وبين مجرد اقتنائها ، وإنْ كان الاقتناء نفسه محكوماً بدرجة أقل من الحظر في تصوّر آخر للظاهرة. ثمَّ إمكانية وجود فارق بين (النحت) وبين (الرسم) مثلاً. وإمكانية الفارق ـ من جانب رابع ـ بين مجرد (الرسم) وبين (حياكته) ـ مثلاً ـ إذا كانت الصورة قماشاً ، أو بين (تجسيمها) من خلال (التطريز) على سبيل المثال كما يتّضح ذلك من خلال النصوص التشريعية الواردة في هذا الحقل.
إنَّ أمثلة هذه الفوارق قد تُلقي بعض الإنارة على محاولة استشفاف الدلالة النفسية ، للغة (المنع) أو (التحفُّظ) حيال هذا الشكل الفنّي أو ذاك.
فيما يتصل بالفارق الرئيس ، بين تصوير ذوى الأرواح (الإنسان والحيوان) وبين سواها ؛ من الممكن ـ كما يعلِّل البعض ـ أن يكون تجسيم ذي الروح مقترناً بظاهرة (الأصنام) وما تواكبها من الممارسات المتصلة بها ، فيتجه الحظر إلى ذلك.
ومن الممكن ـ كما يرى البعض الأخر ـ أن تكون عملية (التجسيم) إشعاراً بمشاركة الفنان لله تعالى في الإبداع.
أمَّا التعليل الأول ، فلا يمكن الاطمئنان إليه إذا أخذنا بنظر الاعتبار أنّ التجسيم للشمس مثلاً (وقد وردت الإباحة لها) قد يقترن أيضاً بالتصور (الوثني) لعُبَّاد الشمس ، فلماذا لم يتجه المنع إليه؟ قد يجاب على ذلك بأنَّ (البيئة العربية ، التي وردت النصوص في سياقها ، لم تألف غير الأصنام) ، إلاَّ أنّ ذلك من الممكن أن يُستبعد أيضاً إذا أخذنا بنظر الاعتبار أنّ الممارسة الوثنية قد اختفت في عصور الأئمة المعصومين عليهمالسلام فيما وردت نصوص الحظر عنهم عليهمالسلام.
أمَّا التصوّر الآخر ، ونعني به أنّ التجسيم يحسّس الشخص بمشاركته لله تعالى في الإبداع ـ فأمر له مسوِّغاته في تصورنا ، بخاصة أنّ بعض النصوص المعلِّلة للمنع تحوم على هذه الدلالة ، من نحو النص القائل : (مَن صوّر صورة كلفّه الله تعالى أن ينفخ فيها) ، ونحو : (مَن صوّر صورة من الحيوان يعذّب حتى ينفخ فيها) ، ونحو : (مَن صوّر صورة : عُذِّب وكُلِّف أن ينفخ فيها).
إنَّ أمثلة هذه النصوص التي تحوم على المطالبة بنفخ الروح ؛ تقتادنا إلى استشفاف أنّ الفنان قد يغمره إحساس خاص حيال عمله الفني ، كأنّ يتحسّس بكونه قادراً ـ مثلاً ـ بتحريك الكائن المنحوت وفق مشيئته.
طبيعياً أنَّ تجسيم الشمس أو الشجر (كما وردت النصوص تبيح ممارستها) قد يقترن أيضاً بأحاسيس مماثلة ، إلاَّ أنَّها تختلف تماماً عن الأحاسيس المتصلة بتجسيم الإنسان والحيوان ، فهذا التجسيم يظل على صلة بسِمَتي (الإرادة) و (الإحساس) ، حينما تقترنان بالتصوّر البشري حيال تحريكهما وفق مشيئة هذا الفنان أو ذاك ، إذ تولِّدان فيه نمطاً من الخبرات الملتوية وتسقطانه في شائبة التصوير للروح بنحو أو بآخر.
