الحديث حتى بلغ ذروته في مجالات الجنس والاقتصاد والظاهرة الكونية ذاتها.
إنّ رسم البطل (متصارعاً) مع نفسه ، أو الآخرين ، أو الوجود ، لا يتوافق إسلامياً مع الهدف العبادي الذي يعني : رسم البطل ملتزماً بمبادئ الله ، خالياً من التشكيك والتنازع والتوتّر إلاّ في نطاق خاص يتجاوزه البطل في نهاية المطاف.
ويمكننا أن نفيد ـ كما أشرنا ـ من القصة القرآنية طرائقَ انتخاب البطل القصصي وفق ما يلي :
١ ـ انتخاب الأبطال الإيجابيين : كما هو شأن (الأنبياء) الذين رسمهم القرآن الكريم.
٢ ـ انتخابهم سلبيين : كما هو شأن الأفراد أو المجتمعات التي اكتسحها الطوفان ، والريح ، والصيحة ... إلخ.
٣ ـ انتخابهم متأرجحين بين الإيجاب والسلب ، مع تحديد عدة أشكال لمصائرهم : التحوّل إلى الايجاب ، التحول الى السلب ، استمرارية التأرجح ، النهاية الصامتة أو المفتوحة لمصائرهم.
النمط الأخير من الأبطال ، بالرغم من كونه يجسّد غالبية مجتمعاتنا ، إلاّ أنّ رسمه وفق النموذج القرآني يفضي بالقاص إلى تحقيق مهمته الإسلامية. كما أنّ انتخاب النمط الإيجابي الصرف ، بالرغم من ندرته ، يفضي إلى الحقيقة ذاتها. والأمر نفسه بالنسبة لانتخاب البطل السلبي الصرف ، مادام المصير المرسوم له يفضي بالمتلقّي إلى أخذ العظة منه ، ومن ثمَّ تعديل سلوكه في نهاية المطاف. بَيْد أنّ النمط الثالث (أي : المتأرجح بين الإيجاب والسلب) يظل ميداناً ينبغي للقاص الإسلامي أن يتحرّك من خلاله بحذر كبير ، حتى ينجح في تحقيق مهمته الفنية. ولعل أوضح نماذجه التي ينبغي أن نفيد منها ، يتمثَّل في شخوص (السَّحَرَة) الذين رسمهم القرآن الكريم عِبر موقفهم من موسى وفرعون : حيث رسمهم (وقد تحوّلوا إلى الإيجاب) بعد أن عانوا صراعاً تشرحه النصوص المفسِّرة لنا بأنَّه صراع متعدد الأطراف ، سواء أكان ذلك ناجماً من نوع المواجهة التي سيرتِّبونها إزاء فرعون ، أو كان ناجماً من نوع الاستجابة التي انتهوا إليها. بَيْد أنّ المتلقّي ـ وهو يواجه مثل هذا (التحوّل) من السلب إلى الإيجاب ـ سوف يستثمر ذلك من خلال معطيات متنوعة : فهو أولاً يتعلّم إمكانية التعديل للسلوك ؛ بصفة أنّ الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يمتلك مرونة وطواعية في إمكانات التغيير : حيث تحولّ السحرة من موقف يمثّل الالتواء كلّه ، إلى موقف يمثِّل الاستواء كله. ويتعلّم أيضاً شجاعة الموقف وبسالة المواجهة والتحدي لمتسلّطٍ عاتٍ مثل فرعون ، حيث هتفوا بوجهه (فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا). ويتعلّم ثالثاً تفاهة الحياة الدنيا قبال العطاء الأُخروي الضخم من خلال هتافهم المذكور.
وهذا النموذج يجسد النمط الأول من الصراع (التحوُّل إلى الإيجاب). وأمَّا التحوُّل إلى السلب ، فتمثّله شخصية (إبليس) فيما لا تعقيب لنا عليها ، مادام التحوّل المذكور يفضي بالمتلقّي إلى تعلم السلوك المضاد له. وأمَّا النموذج الثالث (استمرارية التأرجح بين الإيجاب والسلب) ، فتمثِّله
