الداخلي له. وبكلمة جديدة : يمكن أن نستعير لغة خاصة فنقول : إنّ (الفن) يقوم على (التخيّل العاطفي) للأشياء ، كلّ ما في الأمر أنّ (التخيّل) ينبغي أن يتسم بصفة الواقع النفسي أو الحسّي أو الغيبي كما تقدّمت الإشارة في حقل سابق. وإلى أنّ (العاطفة) ينبغي أن تضبطها سمة (العقل) ، بمعنى أنّه ينبغي ألاّ تطبعها سمة (المبالغة) كما قلنا ؛ انطلاقاً من التصوّر الإسلامي لعنصر (العاطفة) ، حيث تحدّثنا ـ قبل صفحات ـ عن مستوياته التي ينبغي أن يصدر الكاتب الإسلامي عنها. وفي تصورنا أنّ مستوى التعبير العاطفي ونسبة استخدامه ، يمكن أن نستخلصهما من التوصيات والنصوص الفنية : (القرآن الكريم ، النهج ... إلخ). أمّا التوصيات ، فتحدّد لنا (مستوى) العاطفة. وأمّا النصوص الفنية ، فتُحدّد الدرجة أو النسبة العاطفية. فلو قُدّر لنا أن نتأمّل أيّة سورة قرآنية كريمة (عدا البعض الذي تتضخم أو تضمر فيه النسبة) ، لأمكننا القول : بأنّ النسبة تأخذ حجماً صغيراً من مساحة السورة ، بحيث لا تصل ـ في حالة تصاعدها ـ إلى درجة التكافؤ بينها وبين العنصر المباشر أو الفكر. وهنا ينبغي لفت النظر إلى الفارقية بين النص القرآني الكريم وبين مطلق التعبير الفني البشري ، فالنّص القرآني ـ بصفته كلام الله تعالى ، وإلى أنّه تعالى (منزّه) عن التجسيم ، حينئذٍ لا يمكن أن نتحدّث عنه من خلال المعايير البشرية ، بل نستهدف الذهاب إلى أنّ الله تعالى (يراعي) الاستجابة البشرية ، فيصاغ النص وفقاً لنسبة معيّنة من العنصر العاطفي الذي يستجيب القارئ حياله. ولذلك عندما نقول : إنّ (العنصر العاطفي) في النص القرآني يحتل نسبة صغيرة من مساحة النص ، إنّما يُقصد بذلك : العنصر المتصل بانفعال الأشخاص حيال أحد المنبّهات التي يعرضها النص. وبكلمة أخرى : ينبغي أن نضع فارقاً بين النص الفني الذي يأخذ استجابة الجمهور في الاعتبار ، فيخاطبهم بقدر عقولهم (فكراً وعاطفة) ، وبين النص الفني الذي يصدر عن كاتبه ، وذلك مثل القصيدة الغنائية ، فهذه القصيدة (تعبير عاطفي) عن صاحبها ، أي أنّ صاحبها ينفعل بأحد المواقف فيترجم انفعاله إلى قصيدة. وأمّا القصيدة (الموضوعية) ، فلا تعبّر عن (انفعال) صاحبها ، بل إنّ صاحبها يحاول أو يصوغ قصيدته وفقاً لانفعالات (الآخرين) ، أي أنّه يصوغها وفقاً لمعرفته بقوانين أو مبادئ الاستجابة البشرية للأشياء ، وهذا ما يطبع النص القرآني الكريم الذي يخاطب المتلقّي وفق نسبة صغيرة من العواطف التي يصدر البشر عنها ، بحيث يمكن القول في نهاية المطاف : إنّ العنصر العاطفي يظل ـ في المنحني المتوسط ـ بمثابة الملح للطعام أو الماء للنبت ، مع مراعاة المواقف المختلفة التي تتصاعد أو تتضاءل النسب العاطفية فيها ، تَبعاً للمتطلبات التي تُحدّد ذلك ، بالنحو الذي تقدّم الحديث عنه.
* * *
إنّ كلاً من عنصرَي : (العاطفة) و (التخيّل) ، إذا كانا يجسّدان وجْهَي عملية (الفن) ؛ فلأنّهما ـ من جانب ـ يمكن أن يتّحدا في عملية واحدة ، حيث قلنا بأنّ العاطفة هي البطانة الداخلية
