هذا ما تضطلع به (الصورة الاستمرارية) التي تثري تجاربنا وتدفع بنا إلى استجابة فاعلة في عملية (التعديل) للسلوك. ويعنينا منها معالجة أطراف الصورة ، ممّا نبدأ بتفكيكها أوّلاً :
المرء في هذه الدنيا مثل (الهدف) الذي تتّجه المنايا إلى إصابته .. هذا من حيث الموت.
وحتى من حيث (الحياة) ذاتها ، فإن المرء فيها فريسة للشدائد ، فما أن يَتناول جرعةً من الماء حتى يغصّ بها فمه ، وما تناول طعاماً إلاّ غصّ به (الماء والطعام هنا (رمزان) للذائد الحياة ، بصفة أن التغذية منحصرة بهما) ممّا يعني أن النصّ يريد أن يقول لنا : (إن اللذائذ مشفوعة بالشدائد).
والآن : إذا كانت الحياة مرشَّحة للانطفاء ، واللذائذ مشفوعة بالشدائد ، حينئذٍ : كيف يتحرّك الإنسان حيالهما؟ انطفاء كلٍّ من الحياة واللذائذ يسير جنباً إلى جنب مع استمراريتهما أيضاً ؛ إذ لا يتاح للإنسان أن يظفر بنعمة إلاّ ويفارق أُخرى ، ولا يستقبل يوماً من عمره إِلاّ بفراق آخر من أجَلِه.
ولنقف مليّاً عند هذه (المعادلة) المدهشة التي يتغافلها الإنسان. إننا بقدر ما نفرح بمرور يومٍ جديدٍ علينا ، ينبغي أن نحزن على اليوم السابق عليه أيضاً ، لأنَّ مضيّ (السابق) مؤشرٌ إلى (نقصٍ) من العمر. إِذن : نحن أعوان (الموت) عِبْر فرحنا باستقبال اليوم الجديد. وإذن ـ أيضاً ـ فيم التفكير باستمرارية الحياة!!
إن أدنى تأمل لهذه الصورة الاستمرارية ، كافٍ بأن يغيّر استجابة الإنسان ، وينقله من ظاهرة تغافله عن (الحياة) إلى الوعي الحادّ بها.
والمهم ، أن الصورة الفنيّة ـ على النحو الذي حلّلناه ـ ساهمت من خلال الاستعارات والرموز المختلفة ، بتعميق الدلالة المتنوعة التي استهدفها الحديث في هذا الصدد ، وهو أمرٌ لم يتح للتعبير ـ إذا كان مباشراً ـ أن يتوفّر عليه بهذا النحو من الإثارة التي لحظناها في الصورة الفنيّة التي قدّمها علیهالسلام.
الصورة المركّبة :
قال علیهالسلام :
(مثل الدنيا مثل ماء البحر : كلَّما شرب منه العطشان ازداد عطشاً حتى يقتله).
إن هذه الصورة المركَّبة من عمليتين : (الدنيا وماء البحر) ، و (الشرب والقتل) ، تجسّد
