بوضوح هدفَ مثل هذه الأداة الفنيّة بدلاً من التعبير المباشر.
فبدلاً من أن تقول التوصية : إن الدنيا تجرُّ صاحبها إلى (الإحباط) بدلاً من (الإشباع) .. أقول : بدلاً من أن يتمّ تقرير هذه الحقيقة بلغة عادية ، لا تحمل القارئ على مزيدٍ من الاستثارة والتأمّل ، تتجه إلى عنصر (الصورة) بغية حمل القارئ على التنبّه لدقائق السلوك وتفصيلاته ، التي تفضي ـ من خلال الطموح الدنيوي ـ إلى حرمان الشخصية في نهاية المطاف من تحقيق إشباعه. فإذا كان (الهدف) من وراء اللهاث نحو الحياة هو (الإشباع) ، حينئذٍ فإن (عدم الإشباع) هو الذي سيتوِّج سلوك الشخصية ، أي على العكس تماماً من هدفها. وهذه الحقيقة لا يتاح لها أن تتبلور بهذا النحو من الوضوح إلاّ من خلال (صورة) ، أو تقديم (مَثَل) ، أو (تشبيه) بين الطموح الدنيوي وبين نتائجه ، فكان (المثل) هو :
أولاً : تقديم ظاهرة حسّية مألوفة في حقل التجربة اليومية ، وهي : (ماء البحر).
ثم : تقديم ممارسة مألوفة أيضاً ، هي : الشرب.
ثم : استخلاص ظاهرة جديدة لم تذكرها الصورة ، وهي : ملوحة الماء.
ثم : استخلاص الظاهرة المطلوبة من الصورة بشكل عام ، وهي : ازدياد العطش.
ثم : استكمال الظاهرة المذكورة ، وهي : القتل.
إِذن : نحن أمام خمسة عناصر من (الأطراف) التي تنتظم الصورة المتقدِّمة : حيث اختُزِل البعضُ منها (الملوحة) واستُخلِص منها أكثر من نتيجة (ازدياد العطش ، القتل) ، فضلاً عن الاستخلاص العام الذي أدركه القارئ بوضوح : حينما عرف بأنّ اللهاث وراء الحياة الدنيا يؤدِّي إلى حرمان الشخصية من الإمتاع الذي تنشده.
* * *
ويمكننا ملاحظة الكثير من نصوص الحديث التي تتضمّن (الصورة المركبة) ، فيما تتميز عن (الصورة الاستمرارية) و (الصورة المفردة) بأنها تتناول ظاهرة سريعة ، وليس (موقفاً) يتطلّب بعض التفصيل الذي نلحظه في الصورة الاستمرارية. كما أنها تتميز عن (الصورة المفردة) ـ التي سنتحدّث عنها ـ بكون هذه الأخيرة مجرد تركيبٍ لظاهرة مفردة ، تتَّسم بالبساطة ولا تتطلّب أدنى تفصيل. بينا نجد (الصورة المركبة) تقف وسطاً بين نمطي الصورتين الاستمرارية والمفردة ، بحيث تأخذ قسطاً من التفصيل ، لا التفصيل الكامل ، كما لا تكتفي بمجرد التركيب العابر.
