المقاطعُ الثلاثة التي أشرنا إليها.
إذن : (التنامي العضوي) من الوضوح بمكان ملحوظ في النصّ المتقدم.
* * *
أما عنصر (الصورة) ، فإن استخدامه يضمر حجماً بالقياس إلى (الإيقاع) و (البناء) ، بخاصة الصورة غير المباشرة. بَيْد أن ذلك لا يعني ضمورها في الحالات جميعاً ، بقدر ما يتطلّب الموقف النفسي ذلك.
إن بعض المواقف تستلزم دلالاتُها إلحاحاً في أغوار النفس وتشابك حالاتها ، حيث لا يتاح (للإيقاع) الخارجي وحده أن يبرز تشابك الحالات الوجدانية ، بقدر ما يُتاح لعنصر (الصورة) تحقيق ذلك ، بما تنطوي عليه طبيعةُ (الصورة) من إيحاءات ورموز وكشوف ، تبلور التشابك المذكور.
وإليك المقطع رقم (٢) من دعاء (العارفين) في الصحيفة السجَّاديَّة :
(إلهي : فاجعلنا من الذين ترسَّخت أشجار الشوق إليك في حدائق صدورهم ، وأخذت لوعة محبّتك بمجامع قلوبهم. فهم إلى أوكار الأفكار يأوون ، وفي رياض القرب والمكاشفة يرتعون ، ومن حياض المحبّة بكأس الملاطفة يكرعون ، وشرائع المصافاة يردون ...).
هذا المقطع مجموعة من (الصور) الفنية ، تتوالى واحدةً بعد الأخرى دون أن يتخلّلها تعبيرٌ مباشر. فالقيم الوجدانية في هذا المقطع تتناول أغوار العلاقة بين الله والعبد : من حيث (عمق المعرفة) التي لا تتأتّى عند العامة من الآدميين ، ومن حيث (عمق الوجد) الذي لا يُتاح بسهولة لدى الغالبية منهم ، وهو أمرٌ يتطلّب الركون إلى (تعبير مصوَّر) يُشحن بدلالاتٍ ثانوية وإيحاءات شتّى ، تتوافق مع تشابك وتجذّر (المعرفة) و (الوجد). لذلك اتَّجه النص إلى رصد علاقات جديدة بين الظواهر وفق تركيبة خاصة ، منها : التركيبة الاستعارية ، المتمثّلة في رصد العلاقة بين (أشجار الحدائق) و (أشواق الصدر) ، من حيث ترسُّخها وتغلغلها وتعمّقها داخل النفس ، فالشجر بقدر ما تمتدّ جذوره إلى باطن الأرض يأخذ ثباتاً أشد ، يقابله الشوق الذي تُرسَّخ إمكاناته بقدر ما يتكاثر ويتنامى. فهنا لو التجأ النصّ إلى التعبير المباشر ، لَمَا زاد على ذلك بقولنا مثلاً : (اللهم : اجعل أشواقنا شديدةً نحوك) ، لكنّه بارتكانه إلى عنصر (الصورة) ، حقّق ظاهرة تغلغل الشوق وشدّته وتناميه : حيث نقل القارئ إلى تجربة الشجر والمزرعة ليوحي إليه كثافة الشوق. وكان من الممكن أن يكتفي
