وأما عنصر (البناء) ، فيمكننا أن نُدرك أهميته أيضاً من خلال الطابع النفسي الذي ينتظم الأدعية ، لبداهة أن الأدعية إنما تصاغ من أجل الإفصاح عن حاجات الشخصية بطريقة خاصة ، هي (الانفعالُ) بها. وحينئذ لابدَّ أن تُصاغ وفقاً للعمليات النفسية التي يستثيرها (منبّه) محدّد ، و (تستجيب) له بنمط خاص ، ممّا يعني أنَّها ـ أي الأدعية ـ تخضع لبناء هندسي ، يأخذ العمليات النفسية المذكورة بنظر الاعتبار. ولنأخذ هذا الدعاء مثلاً :
١ ـ (إلهي إليكَ أشكو نفساً بالسوء أمَّارة ، وإلى الخطيئة مبادرة ، وبمعاصيك مولعة ، ولسخطك متعرّضة. تسلك بي مسالك المهالك ، وتجعلني عندك أهون هالك. كثيرة العلل ، طويلة الأمل : إن مسَّها الشرّ تجزع ، وإن مسَّها الخير تمنع. ميَّالةً إلى اللعب واللهو ، مملوءةٌ بالغفلة والسهو. تسرع بي إلى الحوبة وتسوّفني بالتوبة).
٢ ـ (إِلهي : أشكو إِليك عدواً يضلّني وشيطاناً يغويني. قد ملأ بالوسواس صدري ، وأحاطت هواجسه بقلبي. يعاضد لي الهوى ، ويزيّن لي حبّ الدنيا ، ويحول بيني وبين الطاعة والزلفى).
٣ ـ (إلهي : إليك أشكو قلباً قاسياً ، مع الوسواس متقلّباً ، وبالرين والطبع متلبِّساً ، وعيناً عن البكاء من خوفك جامدة ، وإلى ما يسرّها طامحة).
٤ ـ (إلهي : لا حول ولا قوة إلاّ بقدرتك ، ولا نجاة لي من مكاره الدنيا إلاّ بعصمتك ، فأسألك ...).
فهذا النصّ يتضمّن أربعة مقاطع ، كل مقطع منها موصول بما قبله وبما بعده. فالمقطع يتحدث عن نفس أمَّارة بالسوء ، بالعصية ، بالخطيئة ... نفس هذا المقطع يعرِّض جانباً من المفردات التي أشار إليها ، مثل : كثرة العلل والأمل والجزع واللعب والمنع ... ، أي : صِيغَ بنحوٍ يتلاحم عضوياً بالنسبة إلى النفس التي ألمح إلى كونها أمَّارة بالسوء ، ثم تفصيل الإجمال المذكور بمفردات من السلوك المنتسب إلى ذلك.
٢ ـ أما المقطع (٢) ، فقد تحدّث عن (المنبّه) للسلوك المذكور ، متمثِّلاً في : (الشيطان) ... ثم عرض مفردات (التنبيه) متمثّلة في : الوسوسة ، تزيين الدنيا ... إلخ ، حيث فصّل إجمال المنبّه المذكور.
٣ ـ المقطع (٣) يترتّب على سابقه ، وهو : الطبع والرَّين على الفؤاد ، نتيجةً لممارسة المفردات التي عُرِضت في المقطع.
٤ ـ المقطع (٤) : يتجه إلى (الله) لإنقاذ النفس من السوء الذي فصّلت الحديثَ عنه
