من الصحيفة السجادية ، للحظنا أن مقاطعه جميعاً تمضي على النحو التالي الذي استُهلّ به الدعاء :
(الحمد لله الأوّل بلا أوّل كان قبله ، والآخر بلا آخر يكون بعده. الذي قصرت عن رؤيته أبصار الناظرين ، وعجزت عن نعته أوهام الواصفين. ابتدع بقدرته الخلق ابتداعاً ، واخترعهم على مشيته اختراعاً ..). ثم تجيء فقرة عابرة في تضاعيف الحمد على هذا النحو : (حمداً تقرّ به عيوننا إذا برقت الأبصار ، وتبيّض به وجوهنا إذا اسودت الأبشار. حمداً نُعتَق به من أليم نار الله ، إلى كريم جوار الله ...). ، فهذه الفقرة تفصح عن حاجة (فردية) ، إِلاّ أنها ليست متصلة بالحياة الدنيا ومتاعها ، بل بحاجات (أخروية) ، مستهدَفةً عبادياً دون أدنى شك.
ومهما يكن ، فإن السمة الموضوعية للدعاء ، يمكن تحديدها في مستويات متنوعة ، بعضها : يتصل بما هو (عقليٌ صرف) ، وبعضها بما هو (أخروي) ، وبعضها بما هو (غيري) ، على تفاوت في ذلك.
أما السمة (الفردية) ، فتتمثّل في جملة من الحاجات الرئيسة والثانوية ، ممّا لا حاجة إلى عرضها ، بقدر ما تمسّ الحاجة إلى تحديد (الدعاء) بها ، من حيث معطياته النفسية ومساهمته في التفريج عن شدائد الحياة ، حتى إن المُلاحِظ يمكنه أن يستقرئ غالبية الحاجات الفردية ليجد أن لكلٍّ منها (وثيقة) من الدعاء تتكفّل بمعالجة ذلك. وأهميّة (الدعاء) المذكور تتمثّل في كونه ـ أي الدعاء ـ يعدّ طريقة للتفريج عنها من جانب ، أو تعويضها ـ لا أقلّ ـ بالإشباع العقلي من جانب آخر ، وهو أمرٌ عالجناه مفصلاً في دراساتنا النفسية عن (الدعاء) فيما لا حاجة إلى إقحامه في دراستنا الأدبية.
٣ ـ السمات الفنية :
لحظنا في نماذج من نصوص الدعاء ، أكثر من سمة فنيّة تتصل بأدوات التعبير ، مثل (الإيقاع) و (البناء الهندسي) ، ويمكن القول بأن (الدعاء) يظل أكثر الأشكال التشريعية احتشاداً بأدوات الفنّ ، بخاصة عنصر (الإيقاع). ولعلَّ السرّ الفنّي وراء ذلك ، كامنٌ في طبيعة عنصر (التلاوة) التي يمتاز بها الدعاء عن غيره. فالدعاء (يُتلى) ، لا أنه (يُسمَع) أو (يُقرأ) فحسب ، وتبعاً لذلك ؛ فإن (التلاوة) تتطلب إيقاعاً يتناسب مع وحداته الصوتية التي تنتظم في (سجع) أو (تجانسٍ) ، لا انَّه خاضعٌ لإيقاع داخليّ فحسب.
