(موضوعي) كما مرّت الإشارة إليه فيما يتّصل ب ـ (الغيرية). والأمر نفسه فيما يتصل بموضوعيته من حيث الثناء على الله ، والتوجّه نحو ظواهره الإبداعية ، والتوجه نحو أهل البيت عليهالسلام.
من هنا نلحظ أن غالبية نصوص الدعاء تبدأ بالثناء على الله أو الصلاة على محمد وآله ، أو يختتم الدعاء بهما ، أو بأيِّة عبارة أُخرى تتضمّن إحدى صفاته تعالى ... أو أن الداعي نفسه ـ وفقاً للآداب المذكورة ـ يبدأ استهلال الدعاء أو اختتامه بذلك ، في حالة ما إذا أنشأ الدعاء بنفسه.
المهمّ ، أن موضوعية الدعاء تظلّ أبرز المعالم في هذا الصدد ، حتى إن بعض النصوص تأخذ مبنىً هندسيّاً قائماً على (السمة الفنيّة) المذكورة ، من خلال عمليات البناء الفكري للنص : في تعدد موضوعاته مثلاً ، وتنامي مواقفه متمثلاً في وصل كلّ موضوعٍ بآخر ، وتناميه : عن طريق (الحمد) أو (الصلاة).
ولعل أوضح نموذجٍ في هذا الصدد هو " دعاء مكارم الأخلاق " ، فيما يتضمن عشرين مقطعاً ، كلّ واحدٍ منها يتناول موضوعاً محدّداً ، وكلّ موضوع تنتظمه جملة من المفردات ، تُستهلّ بفقرة (اللهم صلّ على محمد وآل محمد) ؛ تدليلاً على السمة (الموضوعية) التي أشرنا إليها من جانب ، وعلى السمة (الهندسية) التي يتطلّبها الانتقال من موضوع لآخر ، ووصلها برباطٍ فكريّ يوحّد بين أجزائها من جانبٍ آخر.
ولنقرأ ـ على سبيل النموذج ـ قسماً من النصّ :
(اللّهم صلّ على محمد وآله : وبلّغ بإيماني أكمل الإيمان ، وبيقيني ...
اللّهم صلّ على محمد وآله : واكفني ما يشغلني الاهتمام به ...
اللّهم صلّ على محمد وآله : ولا ترفعني في الناس درجةً إلاّ ...
اللّهم صلّ على محمد وآله : ومتّعني بهدىً صالحٍ لا أستبدل به ...
اللّهم صلّ على محمد وآله : وأبدلني من بغضة أهل الشنآن المحبة ...
اللّهم صلّ على محمد وآله : واجعل لي يداً على مَن ظلمني ...).
إن هذا (الدعاء) الذي يشكّل (وثيقة نفسية) من حيث تضمّنه لمبادئ السلوك الصحّي ، مصوغٌ وفق عمارة هندسية بالغة الدهشة : بدءاً من مقطعه الأوّل الذي يشكّل (تمهيداً) تفصّله المقاطع الأخرى ، مروراً بمقاطعه المتلاحمة عضويّاً ، وانتهاءً بمفردات كلّ مقطع منها وتلاحم هذه المفردات فيما بينها أيضاً ، وهو أمرٌ لا تسمح به دراستنا الأدبية
