(اللّهم إنِّي أعتذر إليك من مظلوم ظُلِمَ بحضرتي فلم أَنْصُرْه ، ومن معروفٍ أُسدِيَ إليَّ فلم أشكُرْه ، ومن مسيءٍ اعتذر إليَّ فلم أعذُرْه ، ومن ذي فاقة سألني فلم أوثرْه ، ومن حق ذي حقٍّ لزمني لمؤمنٍ فلم أوفِّر ، ومن عيب مؤمن ظهر لي فلم أسترْه ، ومن كلِّ إِثمٍ عرضَ لي فلم أهجرْه. أعتذر اعتذراً إليك ـ إِلهي ـ منهنّ ومن نظائرهنّ : اعتذار ندامة تكون واعظاً لما بين يديّ من أشباههن. فصلّ على محمدٍ وآله ، واجعل ندامتي على ما وقعتُ فيه من الزلاَّت ، وعزمي على ما يعرض لي من السيِّئات ، توبةً توجب لي محبّتك ، يا محبّ التوّابين).
إن هذا النصّ ـ على قصره ـ يتضمّن (البُعد الوجداني) المتمثّل في كلّ من : (الاعتذار) ، (الندامة) ، (العزم على الترك). ولا يخفى أن كلّ واحدة من المفردات الثلاث يجسّد عمليةً نفسيّة ذات طابع (انفعالي). فالاعتذار : إِفصاحٌ عن حالة داخلية ذات طابع (متوتّر) ، و (الندامة) : انكسارٌ نفسي يجيء نتيجة لتوتّرات بالغة الحدّة. و (العزم على الترك) : انفعال حادٌ على (تصميم) شيءٍ ما ...
إذن : (البُعد الوجداني) واضحٌ كلّ الوضوح في هذا النصّ. أما (البُعد الفنّي) في النص ، فيتمثّل في أوضح أدواته في (القرار الإيقاعي) ، من نحو : أنصره ، أشكره ، أعذره ، أوثره ، أوفره ، أستره ، أهجره ... كما يتمثّل في (توازن) العبارات هندسياً ، من حيث توازن عدد المفردات في كلّ فقرة مع سائر الفقرات المنتهية بالقرار الإيقاعي المذكور ، وهو أمر يلحظه المتلقّي ـ من حيث جمالية الجرس المذكور ـ بنحوٍ مُدهش دون أدنى شك.
وأخيراً : (البُعد الموضوعي) ، متمثّلاً في الصلاةً على محمّد وآله ، كما لحظنا ذلك في الفقرات الأخيرة من الدعاء المذكور.
ويُلاحَظ : أن ما أسميناه ب ـ (البُعد الموضوعي) يتخلَّل الأدعية جميعاً ، من حيث (الآداب) التي يصوغها المشرّع الإسلامي في ممارسة (الدعاء) ، وإلاّ فإن (موضوعية) الدعاء تشكّل ـ كما قلنا ـ واحداً من أنماط ثلاثة ، هي : (الحاجات الفردية) و (الاجتماعية) و (العقلية) ، حيث ينتسب (الدعاء الموضوعي) إلى الأخير منها.
ولعل السّرّ الكامن وراء هذه (الآداب) يتمثّل في : نقل الداعي من (همومه الذاتية) إلى الهموم الموضوعية ؛ ليستكمل بذلك شخصيته ذات الطابع السويّ ، وإلاّ فإن التأكيد على ما هو (فرديّ) فحسب يظلّ ـ كما هو معروفٌ في لغة علم النفس المَرَضي ـ من أبرز معالم الشخصية الشاذّة. ولذلك يُحاول (الدعاء) ـ بصفته واحداً من أشكال التعبير الفني الهادف ـ أن يدفع بالشخصية إلى (تعديل) سلوكها ، من خلال مزج ما هو (ذاتي) بما هو
