الهدف. ومنها ـ على سبيل المثال ـ رسالة الإمام علي علیهالسلام إلى (الأشتر) ، فيما لا حاجة إلى الاستشهاد بها (حيث تناولها الدارسون مفصَّلاً) ، عِبْر اشتمالها على موضوعات تتصل بالولاة والعمّال والقضاة والعسكريين والتجار وذوي المهن والكتّاب ... إلخ. وقد صيغت وفق لغة متينة مطبوعة بالوضوح واليُسر ، وبتوازن الجُمل وتقابلها وبتراوحها الإيقاعي بين الطول والقصر ، حسب ما يستدعيه الموقف. وأهم ما في ذلك أنَّها تشتمل على دلالات فكرية ونفسية لم تقف عند مجرّد (الإرشاد) السياسي العام ، بل على توشيحه ببطانة عميقة من الفكر ، تجمع بين الإرشاد والاستدلال الفكري عليه ، وهذا من نحو قوله عليهالسلام :
(وإن ظنّت الرعيّة بك حيفاً ، فاصحر لهم بعذرك ...). إن (الإصحار) هنا يمثّل (صورة فنية) ، وليس تعبيراً مباشراً عن إظهار العذر. وأهمية هذه (الصورة) التي تتداعى بذهن المتلقِّي إلى (الخروج إلى الصحراء) ـ كما هو المدلول اللغويّ لها. حينئذٍ فإن الوصل بين (الصحراء) ، التي تعني الفسحة والسعة وعدم التحدّد ، وبين إبراز (العذر) وإظهاره ... مثل هذا الوصل بينهما ، سيجعل القارئ متداعياً بذهنه بين بروز الصحراء وبروز العذر على نحو (صوري) وليس التعبير المباشر. ولكن الأهم من ذلك هو ، الوصل بين الدلالة النفسية لإبراز العذر وبين انعكاسه على استجابة الآخرين. فالعالِم النفسي يقدّر تماماً أهمية العمليات النفسية التي يستجيب لها الشخص من خلال (إظهار العذر) ، بحيث تزاح من أعماقه أية توترات وصراعات يخلّفها عدم الإعلان عن العذر. وهذا يعني أن (الصورة الفنية ـ الإصحار بالعذر) لم تنفصل عن (العملية النفسية أو الصورة النفسية) ، وهو أمرٌ يكسب الشكل الفنّي للرسالة قيمة جديدة كما هو واضح.
وأياً كان ، يعنينا ممّا تقدّم أن نخلص إلى القول : بأن (الرسالة) ليست مجرّد ممارسة لفظية بتوصيات عامة ، بقدر ما هي (عملٌ فنّي) تتآزر فيه جملة من العناصر الفكرية والنفسية المصوغة بأدوات الفن : من صورة وإيقاع وبناء هندسي وما إليها.
أما البناء الهندسي للرسالة ، فإن طولها يحتجزنا عن معالجة هذا الجانب. بَيْد أنَّه يكفينا أن نشير إلى أن (الرسالة) بدأت بالتوصية بالعمل الصالح ، وشدّدت على (تملك الهوى) من جانبٍ وعلى (الرحمة) للرعيّة من جانب آخر : (فليكن أحبُّ الذخائر إليك ذخيرة العمل الصالح ... فاملك هواك ... واشعر قلبك الرحمة للرعية ، والمحبة لهم ، واللطف بالإحسان إليهم). هذا (التمهيد) ـ من حيث البناء الفنّي للرسالة ـ هو الذي ستحوم عليه كلّ موضوعات (الرسالة) : من (تملّكٍ للهوى) في التعامل مع الآخرين ، أي سحق
