متتابعة ، ونعني بها صورة (فارفع ذيلك ، واشدد مئزرك ، واخرج من حجرك) ، ومثلها صورة (حتى يُخلط زبدُك بخاثرك ، وذائبك بجامدك) ، للحظنا أن تينك الصورتين تتحدَّثان عن موقفين لـ(الصراع) ، لابدَّ أن يختار (العامل) أحدهما : فإما أن ينهض إلى الجهاد ، وإمّا أن يتراخى عن ذلك. وفي الحالتين تتّجه (الرسالة) إلى التعبير بـ(الصورة) في تجسيد الصراع المذكور ، وترسم نتائجه من خلال كلٍّ من الحثّ أو الابتعاد عن الساحة.
ولعل أبراز (الصراع) ـ في أشدّ حالاته ـ جسّدته الصورةُ الاستمرارية المتصلةُ ، بخلط الزبد بالخاثر والذائب بالجامد.
وأحسبُ ـ من الزاوية الفنيّة ـ أن تجسيد (الصراع) لا يمكن أن تبلوره ـ من حيث العمليات النفسية والشدائد التي يواجهها الشخص ـ بصورة أشدّ عمقاً ووضوحاً من (الصورة الفنية) التي رسمها الإمام عليهالسلام في هذا الصدد.
فبالرغم من أن هذه (الصورة) تبدو وكأنها (مألوفة) زمن التشريع ، وأعني بها صورة (اختلاط خاثر السَّمن برقيقه) ، حيث إذا أُوقدت النار لتصفيته يحترق ، وإن تُرك بقِيَ كدِراً ... أقول : بالرغم من أن التجربة المذكورة تخص بيئةً محدّدة ، إلاّ أنها تتجاوز ذلك إلى مطلق الزمن ، فتوحي ـ كما هو شأن الصورة الفنية الناجحة ـ بمطلق التجارب التي يخلتط فيها ما هو (خاثر) بما هو (رقيق) ، سواء أكان سَمناً أم غيره ، بخاصة أن الصورة المتقدّمة أردفها الإمام عليهالسلام بصورة أُخرى هي : (اختلاط الذائب بالجامد) ، فهذه الأخيرة لم تُصَغْ لمجرّد التكرار ، بل لتكملة أبعاد الصورة الأُولى : حتى يتبلور لدى القارئ مفهوم الصورة بأوضح أطرافها : بصفة أن كل (ذائب) ، مهما كان ، حينما يخلط بما هو (جامد) لا يأخذ سمة (الاستقرار) ، ممّا يوحي بامتداد عملية (الصراع) النفسي الذي ألمح الإمام عليهالسلام إليه.
نموذج رقم (٢) :
وحين نتجه إلى رسالة أُخرى للإمام السّجاد عليهالسلام ، وجّهها إلى أحد المتعاونين مع السلطة الظالمة ، نجد العنصر (الصوَري) يأخذ بُعداً آخر من الصياغة ، التي تجسّد نمطاً آخر من أشكال العمليات النفسية التي تترتّب على التعاون مع الظالم ، ولنقرأ :
(أوليس بدعائه إياك ، حين دعاك ، جعلوك قطباً أداروا بك رحى مظالمهم ، وجسراً يعبرون عليك إلى بلاياهم ، وسُلّماً إلى ضلالتهم. داعياً إلى غيّهم ، سالكاً سبيلهم ...).
