إيقاعية أو صورية ، بقدر ما يجيء ذلك من خلال لغة ميسّرة ، خاطفة ، متوازنة ، متعاقبة ، آخذٌ بعضها برقاب البعض : حتى يتساوق التطلّع الخاشع نحو هذا الشهر مع تماوج العبارة الفنية التي تحضر في عصب المتلقِّي تطلّعاً يُماثل ذلك.
المهم ، أن الخطبة المذكورة تمثّل النمط الآخر من النصوص التي تتميّز بما هو (سهل) ـ كما قلنا ـ وبما هو (ممتنع) ، من خلال تحسّسنا بإشراقها وسحرها الفني ، اللذين يندّان عن إمكان تفصيل الحديث فيهما ، بقدر ما يفصحان عن ذاتهما بنحو عفوي نتذوّقه ، ولا نعيه بلغة المنطق الفني وتحليله لمقوِّماته.
(الكتاب ...)
يمكننا أن نذهب إلى أن هناك نمطاً من الكتابة الفنية ، تتميّز عن (الخطبة) بكونها لا تعتمد (البُعد الانفعالي) للجمهور ، بقدر ما تعتمد تقرير مجموعة من الحقائق العبادية بلغة علمية : إلاّ أنها موشّحة بأدوات الفنّ ، من قيم صورية وإيقاعية ونحوهما ، ممّا يجعلها مثل (الخطبة) ، مندرجة ضمن الشكل الأدبي.
ويتميّز (الكتاب) بكونه موجهاً إلى شخص ـ أو أكثر ـ أو جهة أو جمهور ، ولكن ليس على نحو (الخطاب) ، بل على نحو (الكتابة) إليهم.
وهذا النمط من الكتابة يشمل جنسين فنّيين ، هما :
١ ـ الرسالة.
٢ ـ الوصية.
ويُلاحظ أن كلاًّ منهما قد يفترق عن الآخر في السمات الأسلوبية ، إلاّ أنهما قد يندمجان حيناً ، إلى الدرجة التي لا نكاد نتبيّن خطوط الفارق بينهما.
(الرسالة) تتّجه إلى شخص يتحمّل مسؤولية اجتماعية ، مثل : القاضي ، الحاكم ، الموظفين بشكل عام ، حيث تدور محتويات (الرسالة) حول أمور اجتماعية خاصة لها سمة السلوك العبادي بعامة. بَيْد أن تنفيذها يظلّ على صلة بالموظف المسئول كما قلنا. أما (الوصيّة) ، فتحوم بدورها على موضوعات عامة ، مثل (الرسالة) تماماً ، كما قد توجَّه إلى شخص محدّد ، أو إلى جمهور مبهم ، إلاّ أنها ـ في بعض أشكالها ـ قد تكتسب بُعداً خاصاً يتصل بالوصيّ أو الموصى له ، بحيث تنسلخ من صعيد الشكل الفني إلى مسائل خاصة تتصل بالأموال والحقوق ، ممّا لا علاقة لها بموضوع دراستنا.
