من هنا تجيء الخطبة مماثلة لسائر أجناس الأدب الإنشائي ، من حيث توفّر العناصر الأساسية الأربعة للفن ، وهي : الصوت والصورة والبناء والطرافة.
مع ذلك ، فإن (السمة الانفعالية) لا تعدّ في كلّ الحالات أمراً ضرورياً في الخطبة ، بخاصة فيما يتصل (بالفن التشريعي) ، الذي لا يلجأ في الغالب إلى الاستثارة العاطفية إلاّ في نطاق محدّد ، يلتئم مع الجديّة والرصانة اللتين تتميّز بهما الشخصية الإسلامية. حتى في نطاق تجارب الأرض لا يمكننا ـ في الواقع ـ أن نقرّ الاتجاه الأدبي الذاهب إلى ضرورة طغيان العنصر الانفعالي في الخطبة ، مادمنا نلحظ نماذج كثيرة من أدب الخطبة تحتفظ بالموضوعية ، أو لا أقل بالنضج الانفعالي قبال الهياج العاطفي الذي لا يلتئم مع سويّة الشخصية. هذا إلى أن كثيراً من المواقف لا تتطلّب انفعالات حادة بقدر ما تتطلّب طرح الظاهرة بنحوٍ منطقي هادئ ، كما لو كان الموقف يتّصل بطرح مفهومات فلسفية عن الكون والمجتمع والإنسان مثلاً.
أخيراً ، ينبغي إلاّ نرسم حدوداً فاصلة بين ما ألِفَه الأدب الموروث من (الخطبة) ، وبين ما نألفه في حياتنا المعاصرة من شكل نصطلح عليه ب ـ (الكلمة). فكلتاهما ـ أي الخطبة والكلمة ـ تخضعان لنفس المعايير التي يستلزمها (موقف جمعي) ، مستعد للاستماع إلى معرفة حقيقة من حقائق الحياة الاجتماعية في تطلّبها تغييراً اجتماعياً ما.
على أيّة حال ، يعنينا من العرض المتقدم لفنّ الخطبة أو الكلمة ، أن نتّجه إلى (الأدب التشريعي) في هذا الصدد ، لملاحظة القيم الفنيّة والفكرية التي تنطوي عليها نماذج الفنّ المذكور.
وسلفاً سنأخذ بنظر الاعتبار أن الأُسس الانفعالية من جانب ، وإبقاء التخوم الفاصلة بين الخطبة والكلمة ، سوف لن تبقى موضع عناية كبيرة في النموذج الذي نختاره ، فضلاً عن أننا لا نحرص على عرض النماذج بكاملها : إما لعدم وصول البعض من الخطب إلينا كاملةً ، أو أن الاكتفاء ببعضٍ من أقسامها كافٍ في التعرّف على قيم الخطبة فنياً وفكرياً.
نموذج (١)
من خطبة للإمام عليّ عليهالسلام ، يقول فيها بعد حمد الله (تع) والصلاة على نبيّه صلىاللهعليهوآلهوسلم :
(أُوصيكم عباد الله بتقوى الله الذي ضَرب الأمثال ، ووقّت لكم الآجال ، وألبسكم
