هنا ، بعد أن لحظنا نمط الاستخدام القرآني للصورة من حيث أطرافها وأدواتها تتّجه إلى مستويات تركيبها ، وهو تركيب ينشطر أساساً إلى نمطين رئيسين ، هما : الصورة المفردة والصورة المكثفة.
الصورة المفردة : تستقل بذاتها على نحو منفرد ، مثل : (يَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ) ، (شَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ) ، (أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) ... إلخ ، حيث تصاغ بنحوٍ إفرادي ، دون أن تنضم أليها صور أخرى ، وهو ما يطبع :
الصورة المكثفة : حيث تتألّف من صور متعدِّدة ، تشكّل بمجموعها صورة كلية ، مثل : (كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ...) ، فهناك مجموعة من الصور (المفردة) تتساند فيما بينها لتؤلّف صورة موحّدة كبيرة تنتظمها جميعاً ...
المهم أن الاستخدام القرآني لهذين النمطين يفرضهما (السياق) الفني أيضاً. فالنص القرآني حينما يستهدف لفت النظر إلى ظاهرة سريعة في سياق ظواهر أخرى ، يقتنص حينئذٍ صورة مفردة مثل : (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) ، فصورة (الأقفال) ـ وهي مفردة ـ فرضها سياق سريع هو تدبّر القرآن. إلاّ أن النص القرآني حينما يعتزم لفت النظر إلى الظاهرة الكونية بعامة ، وما ينبغي أن يواكبها من إمعان الفكر وما يترتّب على ذلك من (الإيمان) مثلاً ، عندئذٍ فإن عدم التدبّر للظاهرة الكونية في مستوياتها المشار إليها ، تطلب صياغة صور متعددة تتناسب مع تعدّد المستويات المذكورة ؛ لذلك نجد على سبيل المثال أن النص القرآني يتقدّم بحشد من الصور المتتابعة ذات الطابع (المركب) في حديثه عن سلوك الكافرين ، مثل : (كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ۚ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا) فالصور هنا تتابع لتؤلِّف صورة موحّدة ذات طابع كلي ، يتناسب مع سلوك الكافر وهو يحيا التيه والخبط والانغلاق الفكري ، حيث عقّب النص على السلوك المشار إليه : (وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ). طبيعياً أنَّ سحب النور عن الشخص لابد أن يقتاده إلى أن يحيا الظلام بكل مستوياته ، بحيث لا يصدر عن عمل إلاّ ويكتنفه الضلال والخبط والتيه ، وهو أمرٌ يتطلّب صياغة صورة شاملة تضم تحت أجنحتها صوراً جزئية متنوّعة تتناسب مع تنوّع الظلمات التي يحياها الكافر.
وأيّاً كان فإن النمط الآخر من الصورة ـ أي المركبة ـ تأخذ أشكالاً متنوّعة من التركيب تتحدّد وفق السياق الفني الذي يتطلّب ذلك.
[أنماط الصور القرآنية :]
ونقف عند كل نمط منها :
