التفاعل أو الأداة التي تقوم بعملية ربط بين طرفي الصورة ، وهي أداة سبق التحدّث عنها في الحقل الأول من هذا الكتاب ، حيث أشرنا إلى أن ما يُطلق عليه اسم (التشبيه) في المصطلح البلاغي ، يُعدّ التجسيد الواضح لمثل هذه الأداة ، كما أشرنا إلى أن الأداة المذكورة قد تُحذف في صور بلاغية أخرى مثل : الاستعارة والرمز ونحوهما ... بَيْد أن المهم هو : أن نشطر الصورة إلى نمطين في الاستخدام القرآني لها : أحدهما ما يعتمد (أداة) المقارنة أو التفاعل بين طرفي الصورة ، والآخر لا يعتمد ذلك. والمهم أيضاً أن تقرّر بأن السياق أو الموقف هو الذي يحدّد مشروعية أحد نمطي الاستخدام (١).
في تصوّرنا أن التعبير عن العمليات النفسية يتطلّب حذف (الأداة) ، في حين يتطلّب التعبير عمّا هو حسّي أو حركي : وجود الأداة.
إننا نواجه عشرات الصور القرآنية ذات البعد النفسي ، من نحو : (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ) ، (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ) ، فالموقف من جانبٍ ، وكونه مصحوباً بعملية نفسية من جانبٍ آخر ، يفرض أمثلة هذه الصور التي حذفت فيها أداة المقارنة. إن نَضْرَة الوجه أو نعومته انعكاسٌ لفرح الأعماق حالة تسلّمه درجة الفوز برضا الله تعالى .. كما أن صوراً من نحو : (إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا) ، ونحو : (يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ) .. كان من الممكن ـ مثلاً ـ أن تصاغ الصورة الأولى بهذا النحو : (يوماً كالوجه العابس) بدلاً من حذف أداة المقارنة ، لكن بما أن هول الموقف يحفر في عصب المُشاهد آثاراً بالغة الشدة ؛ حينئذٍ فإن انعكاسها في (عبوس الوجه) ، يظل مرتبطاً بتجربته النفسية ذاتها ، دون الحاجة إلى تذكيره بها من خلال المقارنة بوجه عابس. فالعبوس وحده كافٍ بتذكره بالشدة النفسية التي يخبرها بسهولة. وهذا على العكس ـ مثلاً ـ من الصورة المقترنة بأداة من نحو : (أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً) ، فهذه الاستجابة تتصل بهول الموقف الأخروي أيضاً ، إلاّ أن النص مادام مستهدفاً لفت النظر إلى (العمل) الذي يصدر عن الكافر ، وليس (الخبرة النفسية) التي يصدر عنها ، حينئذٍ فإن التوسل بأداة التشبيه تفرض مشروعيتها لكي يتبيّن بوضوح أن عمل الكافر يشبه (في نتائجه التي يتسلّمها أخروياً) تطلع الظمآن إلى ماء يتناوله ولكنَّه يجده سراباً. لذلك في المرحلة التالية لهذا التشبيه ، تجيء الاستجابة المؤلمة التي يحياها الكافر ، مطبوعةً بسمة العملية النفسية التي نحتاج إلى رصدها من خلال الأداة ، وهذا من نحو : (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ) ، ومثل عبوس اليوم الآخر.
____________________
(١) أنظر : ص ٢٠ من هذا الكتاب.
