الأقصوصتين تحومان على (بيئة جغرافية). وهناك قصص تحوم على بيئات أخرى ، مثل : قصص داود وسليمان وذي القرنين في رسمها لبيئات (صناعية) تتصل بالحديد والتماثيل والسد ونحوها.
المهمّ أنّ رسم أمثلة هذه البيئات ، فضلاً عن إمتاعها الجمالي المتصل بالدافع إلى الاستطلاع ، تظل ذات هدف فكري يصل بين (نِعَم) الله والشكر عليها ، وضرورة استثمارها في العمل العبادي.
أمّا رسم (البيئات الأُخروية) ، فإنّ استثمار دلالاتها يظل في الصميم من اهتمامات القارئ ؛ التي سيفيد منها في تعديل سلوكه ومتابعة (الأحسن من العمل).
ويحسن بنا أن نختم هذا الحقل المتصل بالعنصر القصصي القرآني ، بنموذج من قصص (البيئة) المتمثِّلة في (الجنَّة) ، وهي قصة (الجنان الأربع) التي وردت في سورة (الرحمان).
في هذه القصة سردٌ يصف أربع جنّات على نحو مزدوج ، أي : جنتين لبطل ، وجنّتين لآخر. تقول القصة :
(وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ... ذَوَاتَا أَفْنَانٍ ... فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ ... فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ ... مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ ۚ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ ... فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ ... أَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ ... هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ).
وتقول القصة عن الجنتين الأخريين :
(وَمِن دُونِهِمَا جَنّتَانِ ... مُدْهَامّتَانِ ... فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضّاخَتَانِ ... فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمّانٌ ... فِيهِنّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ ... حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ ... لَمْ يَطْمِثْهُنّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَانّ ... مُتّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيّ حِسَانٍ).
السؤال هو : هل أنّ كلاً من الجنتين رُسِمَ بطبقة واحدة من الأبطال ، أم رُسِمَ لطبقتين : عليا ودنيا؟ الذي نميل إِليه هو أنّ كلاً منهما مرسومٌ على نحو التفاضل. وأهمية هذا السؤال والإجابة عليه له انعكاساته على أهمية الوظيفة العبادية للإنسان ، وانسحابها على (الموقع) الذي يحتلّه (مؤمنون) من طبقة عليا ، و (مؤمنون) أقل درجة من الأُولى.
إنّ (الهيكل الفنيّ) للقصة يساعدنا على فهم (الهيكل الفكري) لها : لقد قالت القصة عن الجنتين الأوليين : (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنّتَانِ) ، هذه البداية القصصية تؤشر إلى أنَّ (الخوف) ـ الذي يعني : عدم الوقوع في المعصية ـ هو الذي يسم أبطال الجنتين المذكورين ، في حين لم ترد السمة المتقدمة في رسم الجنتين الأدنى منهما. كما أنّ نهاية الرسم الذي طبع هاتين الجنتين ، وسَمَ أبطالهما (بالإحسان) ومجازاته بمثله : (هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلّا الْإِحْسَانُ).
