والإحسان ـ كما نعرف ـ لا يأْخُذْ دلالته اللغوية إِلاَّ مع افتراض أعلى درجات التقوى ... وهذا فيما يتصل بداية القصة ونهايتها.
أمَّا فيما يتصل بالرسم البيئي لكل من (الموقعين) ، فإنَّ (الفارق) بينهما سيّوضح تماماً بأنَّ (الموقع) الأول للطبقة العليا ، و (الموقع) الآخر للأدنى منها.
إنَّ العناصر المشتركة في الموقعين هي : الزرع ، الماء ، الفاكهة ، الفرش ، الحور. فيما يتصل بالزرع يُلاحَظ أنَّ الموقع الأول : (ذَوَاتَا أَفْنَانٍ) والآخر (مُدْهَامَّتَانِ) طبيعي. إنَّ مرأى الأغصان وهي متدلّية بالقياس إلى مرأى الشجر وهو مكثّف ، أو ذو خضرة شديدة ، أشدّ إمتاعاً من كثافة الزرع. مضافاً إلى أنَّ الأغصان تقترن بمشاهد الثمر ، وبتفريعاته التي قد تغطيّ مساحة كبيرة من الموقع ، (تعوّض) عن الكثافة النوعية أو الكمية التي يتميّز بهما الموقع الأدنى ... هذا فيما يتصل بعنصر (الزرع). وأمَّا ما يتصل بعنصر الماء ، فالموقع الأول فيه (عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ) والأخر (عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ) ، وقد يبدو لأول وهلة أنَّ العين النضَّاخة ـ أي الفوّارة ـ أشدّ إمتاعاً من العين الجارية. بَيْد أنَّ التأمّل الدقيق يدلنا على الضد من ذلك ، فالعين الفائرة تأخذ شكلاً (رتيباً) من حيث حركة المياه صعوداً ونزولاً ، في حين تتّجه العين الجارية إلى تفريعات مختلفة في حركتها ، هذا فضلاً عن الظواهر (النفعية) التي تصاحب العيون الجارية من حيث تيسير التناول منه : شرباً أو غسلاً أو ركوباً.
العنصر الثالث من البيئة القصصية هو : الفاكهة. فالموقع الأول فيه : (مِن كُلّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ) ، والآخر فيه (فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمّانٌ). إنَّ النخل والرمان ـ كما تقول النصوص المفسِّرة ـ يشكّلان بالنسبة إلى عصر نزول النص أفضل الفواكه ، بمعنى أنَّ القصة تريد أن تقول لنا : إنّ في الموقع الأدنى جميع الفواكه بما فيها أفضلهما : النخل والرمان. لكنّنا حين نتّجه إلى (الموقع العلوي) نجد أنّه ينطوي على ذلك أيضاً ، ولكنْ بإضافة أخرى هي : (زوجية) الفواكه ، مثل العنب الرطب واليابس لا النوع الواحد منهما.
العنصر الرابع هو : الفرش. ففي الموقع (العلوي) نجد الأبطال : (مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ ۚ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ) ، في حين نجد أبطال الموقع (الأدنى) : (مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ). إنّ (الترف) الذي يصاحب جلسة الأبطال العلويّين يظل من التنوّع إلى الدرجة التي جُعِلت فرشهم ذات (بطانة) و (ظهارة) من نمط خاص. فالبطانة من (استبرق) ، حرير ، ديباج .... أمّا (الظهارة) ، فقد سكت النصُ عنها ، لسبب (فنيّ) هو : ترك القارئ يستخلص بنفسه نوع الظهائر التي أُزينت بها الفُرش. مضافاً لذلك : ثَمَّة سمة (فنّية) أخرى يستخلصها القارئ عن مدى الترف الذي ينعم به الأبطال ، من حيث النعومة والرقة والإمتاع حين تستند ظهورهم على كُتلة من الديباج : من حيث بطانته. أمَّا متكأ الأدنين
