ظواهر مختلفة تتسم بطابع (النسبية) التي يرفضونها.
ولعلّ الاتجاه الأشدّ خطورة ضمن هذا المذهب الرافض للالتزام ، هو : الاتجاه الذاهب إلى أنّ (الصدق العاطفي) يفرض على الفنان معالجة الظواهر حتى لو كانت غير مقبولة اجتماعياً ، أي أنّه على العكس تماماً من الاتجاه القائل بنسبية الأخلاق فيما انتهينا توّاً من الإشارة إليه. إنّه اتجاه ذاهب إلى أنّ وظيفة الفنان تفرض عليه معالجة الجانب السلبي من السلوك ، ليس بهدف تعديله ، بل بصفته (واقعاً) لا مناص من الصدور عنه. وقد نشطَ هذا الاتجاه منذ القرن الماضي على يد بعض القَصَصِيين والنقّاد في زحمة اكتشاف بعض الحقائق البيولوجية في حياة الإنسان ، كما تبلورَ بوضوح في القرن الحالي بعد ظهور مدرسة التحليل النفسي ، وتأكيد بعض أصحابها على الحياة اللاشعورية للإنسان ، والمبالغة في إكسابها مدى كبيراً من الخطورة ، بخاصة الميول الجنسية والعدوانية.
إنّ المفارقة التي ينطوي عليها هذا الاتجاه تكمن في تسويغه للحظات الضعف أو الخطأ الذي يصدر الإنسان عنه ، فالسرقة مثلاً ، أو العمل الجنسي غير المشروع ، أو العربدة ... إلخ ، تظلّ ـ في تصوّر هذا الاتجاه ـ عملاً مشروعاً ما دام البناء النفسي للشخصية محكوماً بالطابع الفطري أو البيئي لها ، ومن ثمّ فإنّ تسجيلها في عمل فنّي وتسويغها يكسب العمل المذكور طابع النجاح الفنّي لها.
ومهما يكن ، فإنّ هدفنا من هذا العرض العابر للاتجاهات الأرضية بنمَطيها الملتزم وغير الملتزم : أن يخلص إلى تحديد معالم الالتزام الإسلامي وافتراقه من التصوّرات الأرضية ، وهي تصوّرات لاحظنا مدى خبطها في تحديد وظيفة الفن ، ثمّ انشطارها إلى تيار (ملتزم) ترفده خلفية فلسفية منعزلة عن السماء ، وتيّار لا يُعنى بالفن إلاّ من خلال كونه وسيلة لإشباع الحس الجمالي الصرف عند الإنسان ، حيث يكتسب العمل الفنّي قيمته من خلال البناء العماري للقصيدة أو المسرحية مثلاً ، ومن خلال العنصر الصوري فيها ، ومن خلال عنصر الإيقاع .... فهذه الجزئيات أو العناصر عندما تنتظم في شكل فنّي ، تصبح هيكلاً هندسياً يبعث الإثارة عند المتلقّي ، ويشبع حاجته إلى الإحساس بالجمال ، يستوي في ذلك أن تكون الأفكار (خيّرة أم شريرة) في الشكل الفنّي المذكور.
طبيعياً أنّ هذه الاتجاهات بنمَطيها ، لا تتوافق مع التصّور الإسلامي الذي ينطلق في ممارسته للفن من مفهوم عبادي خاص ، هو : أنّ الإشباع الجمالي الصِّرف لا قيمة له ألبتة ما لم يقترن بهدف ، كما أنّ الالتزام بهدف ينبغي أن يتحدّد وفق مبادئ الإسلام. وهذا يعني أنّ قضية (الالتزام) في الفن أمر مفروض منه ، وأنّ السؤال الأرضي القائل بأنّ : (هل الفن للحياة أم للفن؟) ، لا معنى له في التصوّر الإسلامي ؛ مادام الفنّ (وسائر أنماط الممارسات) موظّفة من أجل تحقيق المهمة العبادية في الأرض.
إنّ ما ينبغي أن نقرّره بحسمٍ هو : ليس السؤال عن (توظيف) الفن ، بل ينبغي استبداله بسؤال
