من جملة المسوّغات التي يقدّمها الاتجاه الأرضي المذكور ، هو : (نسبية) القِيَم في مجتمعات الإنسان ، حيث تتفاوت هذه القيَم من مجتمع لآخر ؛ ممّا يصبح من غير المقبول مطالبة الفنان باصطناع موقف أخلاقي خاصّ ، مادام كل مجتمع أو فرد له وجهة نظر معيّنة من الحياة ، حيث إنّ اصطناع موقف خاص سوف يُعرّض الفنان لخسارة كبيرة ، هي خسارة لقطّاع كبير من القرّاء الذين لا يتساوقون مع وجهة نظره في الحياة.
إسلامياً (وحتى أرضياً) لا يمكن إقرار مثل هذا المسوّغ الذي يقدّمه الاتجاه الفنّي المذكور ... إنّ المتلقّي (قارئاً ، أم مستمعاً ، أم مُشاهداً) لا يكتسب قيمته عند السماء بمجرّد كونه (متلقِّياً) يبحث عن إشباع رغباته ، بل إنّ قيمته تُحدّد بقدر إفادته من مبادئ السماء التي رسمتها له. بكلمة جديدة : إنّ الالتزام الإسلامي في الفنّ لا يُعنى ب ـ (الكم) بقدر ما يُعنى ب ـ (الكيف) ، بمعنى أنّه لا يبحث عن الربح والخسارة في (كم) القرّاء ، بقدر ما يُعنى بصياغة (كيْفيَّتهم) إسلامياً ... ولعلّ إشارات النصوص القرآنية الكريمة إلى كون أكثر الناس : (لا يعقلون) ، (لا يفقهون) ، (لا يعلمون) ... إلخ ، يُفسّر لنا هذا الجانب من الحقيقة. طبيعياً لا يعني هذا أنّ الكاتب ينبغي أن يزهد بالمتلقّي بقدر ما يعني أنّ وظيفته تتحدّد وفقاً لمبادئ السماء ، التي ينبغي أن يصدر عنها في عمله الفنّي.
إنّ عمله الفنّي ينتظمه بُعدان :
البُعد الأول : هو أن يُعنى الفنان بقارئه عناية بالغة ، من خلال المهارة التي يتطلّبها العمل الفنّي ، مراعياً بذلك طرائق الصياغة الفنية التي تحقّق عنصر (الإثارة) في القارئ.
أمّا البُعد الآخر : فيترتّب على نمط الاستجابة عند القارئ من حيث بنائه النفسي ، وهو بناء قد تطبعه سمة (السواء) ، بحيث يستجيب للأفكار المطروحة في النص. وقد تطبعه سمة (المرض) أو (الشذوذ) ، فينسلخ عنها منصاعاً لرغباته الشاذّة ...
ومن الطبيعي حينئذٍ ألاّ يُعنى الفنان بأمثلة هذا المتلقّي الأخير ؛ مادام أساساً يصدر عن استجابة منحرفة ، وهو أمر قد شدّد عليه القرآن الكريم حينما رسمه مبدأ عاماً في عملية التوصيل ، سواء أكان هذا التوصيل علمياً أم فنياً ، حيث خاطبَ النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ، ومطلق المضطلعين بتوصيل رسالة السماء ، بقوله تعالى : (إِنّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ) ، (وَمَا أَكْثَرُ النّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) ، (فَلَعَلّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِم إِن لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً) ... إلخ ، حيث تصح هذه النصوص وسواها عن وجهة النظر الإسلامية حيال المتلقّي وإسقاطه من الحساب ...
والحقّ : أنّ العناية بالمتلقّي ومحاولة كسبه ـ في ضوء الاتجاه الأرضي المذكور ـ يظلّ أمراً غير عملي في ميدان التطبيق ؛ إذ إنّ الفنان سوف يحصر نشاطه في ظواهر محدودة تشترك الإنسانية فيها جميعاً ، ممّا يُقلّص من دائرة (الكم) الذي يُعنى به ، وهو أمر يتنافى أساساً مع المسوّغ الذي يقدّمه في هذا الصدد. هذا فضلاً عن أنّ أصحاب هذا الاتجاه لم يلتزموا عملياً بمبادئهم ، حيث نجدهم يتناولون
