القصة وهدّده فرعون بالقتل ، حيث تدخّل لدى القوم لإنقاذ موسى من القتل ، ولَعِبَ دوراً كبيراً في محاولة إصلاح القوم ، بحيث جسّد حركة حيّة في القصة التي تنتظمها فصول متعددة لا يسمح المجال بعرضها الآن. لكننا نستهدف من الوقوف العابر عليها الإشارة إلى النمط الآخر من الشخصيات ، التي يسمها طابع (الثبات) قبال سمة (التحوُّل) التي لحظناها في القصة السابقة. طبيعياً لا تعني سمة (التحوُّل) مؤشراً إلى ما هو سلبي من السلوك ، كما لا تعني سمة (الثبات) مؤشراً إلى ما هو إيجابي ، بقدر ما تعني أنّ كلاً من (البطلين) يُرسمان بنحوٍ يحقّق الهدف الفكري من النص. (فالتحوّل) من الإيمان إلى الكفر سمة سلبية ، و (الثبات) على الكفر سمة سلبية ، والعكس هو الصحيح أيضاً ، ممّا يعني أنّ رسم (التحوُّل) أو (الثبات) يرتبط بأهداف فكرية مرصودة في القصة بنحوٍ فنيّ.
ولنعد إلى بطل القصة (مؤمن آل فرعون) :
لقد رسمته القصة (رجلاً يكتم إيمانه) ، وهذا يعني أنّ الشخصية (مؤمنة) أساساً ، وعندما حان الوقت لأن تتخلّى عن مبدأ (التقية) ، توجّهت إلى الإعلان عن (موقفها الفكري) الثابت ، وهو الجهاد في سوح الإصلاح وإنقاذ موسى ، حيث انتهى رسمها في القصة وقد دفع الله عنها مكر القوم.
أنّ هذه الشخصية مارست نمطين من السلوك ، أحدهما : التقية (رجل يكتم إيمانه) ، والآخر : الظهور عبر تدخّلها وإصلاحها فيما بعد ... ومثل هذا (التبدُّل) في مظهر السلوك ، لم يخرجها من دائرة (الثبات) إلى (التحوُّل) ، بل بقيت محتفظة بطابع (الثبات) ، وهو الإيمان طوال حياتها ، كل ما في الأمر أنّها (كتمت) إيمانها حيناً ، وأظهرته عندما استدعى السياق ذلك. إنَّ هدفنا من الإشارة لهذا البطل أن نحدِّد معنى (الثبات والتحوُّل) من جانب ، وأن نُبرز نمطاً للشخصية (الثابتة) من جانب آخر ، وأن نُوضح المنطق الفني لمثل هذا الرسم من جانب ثالث. فنمط السلوك الذي يفرز مظهراً عن آخر لا يخرج البطل من سمة (ثباته) مادام المعيار هو : السمة الفكرية ، وليس المظهر الاجتماعي. ففي الحالين ثَمَّة (إيمان) يفرض على الرجل حيناً أن (يكتم) ذلك ، ويفرض عليه حيناً آخر أن (يعلن) عن ذلك. أمّا المسوّغ الفني لمثل هذا الرسم ، فيتجسّد في إبراز كلٍ من مبدأ (التقية) و (الظهور) كما لا يخفى ، ممّا لا حاجة إلى إطالة الكلام فيه.
أمَّا رسم الشخصية (ثابتة) بنحو عام ، فأمر تحدّده طبيعة الهدف في القصة ، فحيناً يتطلّب الموقف إبراز شخصيات (ثابتة) ، سواء أكانت إيجابية أم سلبية ، لكي يفيد القارئ منها في تعديل سلوكه. وحيناً يتطلّب الموقف إبراز شخصيات (متحولة) للغرض نفسه.
مثال ذلك من الشخصيات (المتحوّلة) : السَّحَرَة الذين آمنوا في قصص موسى ، وملكة
