النحو : (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ * وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ... قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ * وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ ...) ، (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ ...) ، (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ) ... هذه هي تجربة المولد البشري من حيث جعْله خليفةً في الأرض عِبر تأريخ (تكوينه) وملابسات ذلك. وقد اتجه النص القرآني إلى صياغة هذه التجربة البشرية في شكل قصصي ؛ نظراً لأهمية ما يفرزه هذا الشكل من تعميقٍ في الاستجابة الفنية له.
من حيث عدد (الأبطال) نجد أنّهم منحصرون في (أربع) شخصيات فحسب ، وهذا أدنى ما يتطّلبه (الموقف) من عدد : (آدم ، الملائكة ، إبليس ، حواء). فآدم لا مناص من رسمه في القصة مادام الأمر متصلاً بكونه أباً للبشريّة ، وحواء لا مناص من رسمها أيضاً بصفتها تجسيداً (للاتحاد بين كائنين) ، يتوقَّف عليهما استمرار التناسل البشري ، أي : (العائلة). أمَّا (الملائكة) ، فكان رسمهم ضرورياً لا مناص منه أيضاً مادام الموقف مرتبطاً بأول تجربة على الأرض. كان الملائكةُ على إحاطةٍ تامة بما يستتبعها من (صراع) وسفك دم وغيرهما ؛ بصفة أنّ الملائكة عنصر واعٍ ، لا يحيا الصراع بين الخير والشر ، بعكس البشر الذين ركِّبوا من العقل والشهوة (إنّ الله ركّب في الملائكة عقلاً بلا شهوة ، وركبّ في البهائم شهوة بلا عقل ، وركب في بني آدم كلتيهما) ... الملائكة تفهم كل هذا ، ولذلك تساءلوا عن السرّ الكامن وراء التجربة البشرية (بخاصة إنَّ النصوص التفسيرية تذكر بأنّ ثَمَّة تجربة أرضية سابقة لعنصر (الجان) فيما واكبها سفك الدم والإفساد بعامة ، فبعث الله الملائكة وأجلوهم عنها وجُعلوا مكانهم). طبيعياً هذا التفسير ينسجم تماماً مع المنطق الفنيّ للقصة ، إلاَّ أنّ أهمية القصة القرآنية تتمثّل في كونها تُعلن عن منطقها الفنّي حتى لو ابتعدنا (لغرضٍ فنيّ) عن مناخ النصوص التفسيرية. فالملائكة ـ وهذا ما يُعلِن عنه المنطق الفنيّ في القصة ـ لا يمتلكون وعياً مطلقاً بالأمور ، بقدر ما يمثّلون طبقة لا تحيا (الشهوة) ومتطلباتها من الصراع ، وهذا ما أوضحته القصة ذاتها عند ما قالوا : (سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلّمْتَنَا ...) ، وعندما قال لهمُ الله (تعالى) : (أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ). هذه الفقرات تقرِّر بوضوح أنّ الملائكة لا يعلمون كل شيء ، وأنَّ الله (تعالى) منحهم جانباً من المعرفة ، حتى إنّ آدم عليهالسلام علّمه الله الأسماء التي لم تعرفها الملائكة حينما طلب منها الله أن تخبره بها. نستخلص من هذا أنَّ عنصر (الملائكة) كان لابدّ من رسمه في القصة : نظراً لعملية
