إذا تناولها من زاوية الحاجات الثانوية ، مثل : الحاجة إلى الجمال (كما لو تناولَ مشاهد الطبيعة) ، كان الفن حينئذٍ منتسباً إلى (الفن) ...
وهناك اتجاه أرضي ثالث لا يصطنع أمثلة هذه الفوارق بين الحاجات الرئيسية والثانوية أو الاجتماعية والفردية ، بل يجد أنّ ما يُصطلح عليه بالحاجة الفردية والثانوية ، ينبغي أن (تُشبع) أيضاً مادامت تُمثّل (حاجة) من جانب ، أو ما دامت هذه الحاجة تتخذ طابع (الضرورة) من جانب آخر ، بخاصة أنّ شدائد الحياة تتطلب (محطّات) للترويح يتوقّف الإنسان عندها قليلاً لمواصلة نشاطه في الحياة ...
وهناك اتجاه أرضي رابع لا يملك كلمة حاسمة في تحديد الموقف ، حيث يجد صعوبة في التمييز بين مستويات الحاجة ؛ نظراً لتفاوت الشعوب والأجناس والأزمنة في تحديد ذلك ...
وأيّاً كان الأمر ، لا يَعيننا من التصوّرات الأرضية المذكورة إلاّ كونها قد انتبهت على أهمية (توظيف الفن) ، وهو أمر يتوافق مع الاتجاه الإسلامي في عملية (التوظيف) أو (الالتزام) ، إلاّ أنّ الفارق بين الاتجاهين (الإسلامي والأرضي) يبدأ من تحديد نمط (الالتزام) ، أو الخلفية الفكرية التي يرتكن إليها ...
إنّ الأرضيين (وهم في عزلة عن السماء) لا يعونَ من الحياة إلاّ كونها مساحة محدّدة من العمر ، لا ينبغي أن توظّف من أجل إشباع الحاجات العابرة للإنسان ... أمّا لماذا وجِد الكائن الآدمي ، وما هي مهمته من الحياة ، وما صلة ذلك بالمبدع ، وباليوم الآخر ... فأمر يجهله أدباء الأرض تماماً ؛ ممّا يضطرّهم إلى الصدور عن أمثلة الاتجاهات المشار إليها. ولعلّ أقصى وعي يمكن أن يحمله أمثال هؤلاء (الملتزمين) ، المنعزلين عن السماء ، هو : أن (يوظّف) الفن من أجل الجماهير. إلاّ أنّ مثل هذا (الالتزام) المرتكن إلى خلفيات فلسفية منعزلة عن السماء ، لا يمكن أن تُحقق هدفها الإنساني مادامت أساساً لا تملك وعياً بحقيقة الإنسان والمهمة العبادية التي خُلق من أجلها ...
* * *
ومهما يكن ، فإنّ الاتجاه الأرضي الملتزم بقضية الإنسان ، إذا كان محكوماً بالمفارقة التي أشرنا إليها ، فإنّ الاتجاهات غير الملتزمة تظل محكومة بمفارقات أكبر حجماً ، بل إنّها تنحدر بقضايا الإنسان إلى أحطّ مستوياته ، وهو ما يمكن ملاحظته في الاتجاه الذاهب إلى أنّ أهمية الفن تكمن في الصدق العاطفي الذي يصدر الفنان عنه ، بغضّ النظر عن العنصر (الأخلاقي) الذي يتوافق أو يتنافر مع الصدق المذكور. فالمفروض في الفنان ـ في تصوّر هذا الاتجاه ـ أن يعبّر عن عاطفته بصدق وحرارة ، حتى لو كانت هذه العاطفة نابعة من حاجات غير مشروعة. والتسويغ الذي يُقدّمه هذا الاتجاه ، قائم على جملة من التصوّرات لا تقرّها حتى الاتجاهات الأرضية الأخرى ، فضلاً عن الاتجاه الإسلامي الذي يمتلك تصوّراً خاصاً حيال حاجات الإنسان وطرائق إشباعها.
