المتجانسة مع البيئة المذكورة.
هناك تجانس ثالث أيضاً بين (البيئة الجغرافية) للحدث ، وهي (النهر) الذي (فصل) طالوتُ من خلاله بالجنود ، وبين (البحرية) التي (فصلت) هؤلاء الإسرائيليين الذين قالوا : (لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ) بـ(القليل) الّذين ردّد (كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ) وهناك تجانس رابع بين الفئة القليلة التي هتفت : (وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) وبين نتائج المعركة التي حدّدتها القصةُ بقولها (فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ).
إذن : التجانس والتلاحم والتنامي بين أجزاء القصة منذ بدايتها وحتى نهايتها يظل على نحو من (الإحكام) الهندسي ، بحيث يلحظ جماليته الفائقة كلّ مَن له أدنى تذوّق من تجارب القصة.
وهذا كله من حيث (عمارة) المواقف والأحداث ... أمّا من حيث (انتقاء) ذلك : اختزالاً أو تفصيلاً ، فله مساهمته الجمالية الفائقة أيضاً في (عمارة) القصة.
مثلاً : القصة لم تحدد لنا زمان هذه الواقعة ، واكتفت من ذلك بالقول بأنها حدثت في زمان من بعد موسى : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ). أما متى حدث؟ وفي زمن أي نبيٍّ من أنبيائهم؟ هذا ما لم تُشر القصةُ إليه ، فلماذا؟
السرّ في ذلك عائدٌ إلى أن القصة تستهدف التركيز على دلالة خاصة ، هي : أن الشخصية الإسرائيلية تظل ـ في كل زمان ومكان ـ مريضة ، كاذبة ، جبانة ، مترددة ، إلخ .. إنها حتى (من بعد موسى) بقيت على نفس الطابع الملتوي من السلوك فيما لا سبيل إلى إصلاحه ، فهي (في زمان موسى) أتعبته كثيراً : من خلال المواقف التي سردتها سورة البقرة قبل هذه القصة ، وها هي (من بعد موسى) أيضاً تمارس نفس السلوك.
إذن : لهذا التضبيب المتصل بزمان الحادثة ، والتنويه إلى أنها تمت من بعد موسى ، له مغزاه الفنّي من حيث عمارة القصة.
أيضاً : يُلاحَظ أن القصة ما أن سردت لنا أوصاف (التابوت) حتى انتقلت مباشرة إلى ساحة المعركة : (فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ) ، دون أن تذكر لنا (موافقة) الإسرائيليين على هذا المعجز ، مما جعلتنا ـ نحن القرّاء ـ نستنتج موافقتهم على ذلك ، بخاصة أنهم اعترضوا على طالوت بالسمتين اللتين أشرنا إليهما. المهم ، أن لهذا الاختزال أهميته البنائية في القصة ، مادام الهدف هو إبراز تجربة (تمرّدهم) و (كذبهم) ، وليس إبراز مجرد (الموافقة) ، لأنهم طالما (يوافقون) على شيء ثم (ينقضونه).
أيضاً : يُلاحَظ أن القصة أبرزت شخصية (جالوت) ومن بعده (داود) دون أن تمهّد لأيّ منهما سابقاً ، بل أبرزتهما (قائدين) ، أحدهما : مع الفئة المؤمنة (داود) ، والآخر : قائد جيش
