كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا). فالقصّة قرّرت سلفاً ـ قبل أن تذكر لنا تفاصيل سلوكهم فيما بعد ـ بأن الإسرائيليين تولّوا عن القتال إلاَّ قليلاً منهم. وهنا يثار السؤال : لماذا أعطت القصة النتيجة قبل مقدماتها؟
أهمية البناء الهندسي للقصة تتمثل في هذا التقطيع للحوادث وللزمن ، ثم وصل ذلك عبر قنوات فنيّة تتضح من خلالها دلالةُ ما عنيناه ب ـ (التلاحم) العضوي بين أجزاء القصة.
إن تشكيك نبيّهم وإعطاء النتيجة قبل مقدماتها ينطوي على مهمّة فنية هي (إنماء) الحدث ، أي : جعل القارئ يتهيّأ ذهنياً ، من خلال التشكيك بصدق الإسرائيليين ، بحيث يجد (جواباً) على ذلك التشكيك في أحداث لاحقة من القصة. كما أن تعقيب القصة ـ من خلال ذهابها إلى أنهم تولّوا إِلاَّ قليلاً ، أخذ على عاتقه إِنماء (الحدث) أيضاً ، حيث جاءت الوقائع التي سردتها القصة فيما بعد ـ مثل اعتراضهم على طالوت ، تمردهم في حادثة شرب الماء من النهر ، جبنهم عن مواجهة جيش جالوت ـ جاءت هذه الوقائع (جواباً) تفصيلياً على تلك المقدمة الإجمالية التي لوّحت بها القصة. فهاهم الإسرائيليون (يتولّون) عن القتال كما قالت المقدمة ، وهاهم القليل منهم كما قالت المقدمة ، يتقدم إلى القتال .. إذن ، جاءت (بداية) القصة مرتبطة بوسطها ونهايتها : من خلال هذا (التقطيع) للحوادث و (وصلها) من جديد على النحو الذي لحظناه.
أما من حيث تلاحم الجزئيات ذاتها ، فهذا ما يمكن ملاحظته أيضاً ، فمثلاً نجد أن الإسرائيليين اعترضوا على طالوت بعدم توفّر سمتين لديه ، هما : السلالة العسكرية والمال ، إلاَّ أن القصة وازنت ذلك هندسياً بتقديم سمتين أيضاً ، يعوّضان عن السمتين الأوليين ، وهما : السعة في الجسم والعلم ، مع ملاحظة سخف المطالبة الإسرائيلية ووجاهة التعويض الذي ألمح به نبيّهم.
(التابوت) أيضاً ، يجسّم واحداً من عمليات (التوازي) الهندسي بين خطوط البناء. فالمعروف أن (التابوت) الذي قدمته القصة دليلاً حسياً على صدق نبيّهم في إرسال طالوت ملكاً ، هذا التابوت بما فيه من (سكينة) (وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هَارُونَ) يظل متجانساً مع (تجارب الإسرائيليين) حيال التابوت الذي كان ذات يوم (كما تقول النصوص المفسِّرة) مِلْكاً لهم يستفتحون به في المعارك ، وكان هو المنقذ لموسى من فرعون ، كما أن (البقية مما ترك آل موسى وهارون) من الألواح أو العصا أو الدرع أو الملابس ـ على اختلاف التفسير الوارد في تحديدها ـ ... كل أولئك يشكّل أمراً له أهميته وتقديسه في مشاعر الإسرائيليين ، بخاصة أنها تُستحضر بعد غيابها عنهم : عقاباً على سلوكهم المَشين. إذن : ثَمَّة (توازن هندسي) بين داخل المشاعر الإسرائيلية وبين الرسم للبيئة الصناعية ، بين (التابوت) وبين (المشاعر)
