وهنا (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا) ، لكنَّهم اعترضوا عليه بأن القائد المذكور لم ينتسب لأسرة مالكة من سلالتهم ولم يُؤت سعةً من المال ، فأجابهم النبيّ بأن الله منحه سعة في الجسم والعلم : فوافقوا على ذلك بعد أن طلبوا تقديم دليل إعجازي عليه ، فقال لهم نبيّهم : (إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ) عندها التحق الإسرائيليون به ، إلاَّ أن القائد عرّضهم لاختبار إلهيّ قبل وصولهم إلى ساحة القتال عند مرورهم على (نهر) ، فأمرهم بعدم الشرب إلاَّ بغرفة يد ، ولكنَّهم تمرّدوا عليه إلاَّ قليلاً. وعندما وصلوا إلى ساحة القتال ، جبنوا عن ذلك وتمرّدوا من جديد قائلين : (لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ) ، لكن القليل من جيش طالوت ثبتوا في المعركة هاتفين (كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ) ، وهزموهم في نهاية المطاف ، وكان (داود) هو الذي تولّى قيادة المعركة وقتل (جالوت) ، وانتهت المعركة.
هذا هو ملخّص القصة التي عرضتها السورة .. ولكن كيف تمّ البناءُ الفنيّ لها؟ لقد بدأت القصة من (وسط) الأحداث ، لا من (بدايتها) التي يقتضيها التسلسل الموضوعي ، إنها بدأت بهذا النحو :
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) .. إلى هنا : القارئ لا يعرف سبباً لهذه المطالبة بالقائد. لكننا حين نتابع النص ، نتعرّف ذلك. لقد أجابهم النبيّ : (قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ). إذن ، السبب هو أن الإسرائيليين استذلهم أحد الجبابرة ، فطلبوا من نبيّهم أن ينقذهم منه. وهذا يعني أن الحادثة ينبغي أن تبدأ من قضية استدلال الإسرائيليين ، وليس من (طلبهم) الإنقاذ ... فما هو السرّ الفني وراء هذه (البداية) القصصية؟
إن لكل (بداية) قصصية مسوّغ نفسي ، والمسوغ هنا أن القصة جاءت في سياق عرض المواقف المشينة للإسرائيليين ، حيث استعرضت ذلك سورةُ البقرة في عشرات من الآيات القرآنية المتصلة بهذا الجانب : من حيث تمردهم وكذبهم ونبذهم للعهود وجبنهم الله ، وحينئذٍ فإن التقاط (الحدث) أو (الموقف) حينما (تُبدأ) به القصة من هذه الزاوية أو تلك ، إنما يعني أهميته التي يستهدفها النص. فالنص لا يريد التركيز على استدلالهم بقدر ما يريد التركيز على فضح (الكذب) في مواقفهم ، ولذلك بدأ بتسليط الضوء على هذا الجانب ، مشدّداً ـ من ثم ـ على إبراز الحوار الذي تضمن إدّعاءً بالحرص على القتال.
وما أن بدأت القصة بهذا الموقف حتى ارتدت إلى أول الحادثة ، فذكرت تشريد الإسرائيليين. ثم عَبَرت الحوادث لترسم لنا (نهاية) مواقفهم ، متمثلة في هذا التعقيب (فَلَمَّا
