ثم قال : «فاحكم ـ هداك الله ـ بينهم لا تنصرن سوى الحديث وأهله هم عسكر القرآن. فنقول هذا القدر قد أعيا على أهل الكلام وقاده أصلان ، أحدهما : هل فعله (١) مفعوله أو غيره ، قولان والقائلون بأنه عينه فروا من الحدث في الصفات وحقيقة قولهم تعطيل الخالق عن فعله إذ فعله مفعوله لكنه ما قام به فعلى الحقيقة ما له فعل إذا المفعول منفصل عنه. والقائلون بأنه غيره طائفتان : إحداهما قالت قديم قائم بالذات ، سموه تكوينا ، وهم الحنفية. والآخرون رأوه حادثا قام بالذات ، وهم نوعان : أحدهما جعله مفتتحا به حذرا من التسلسل وهو قول الكرامية ، والآخرون أهل الحديث كأحمد (٢) بن حنبل قال : إن الله لم يزل متكلما إن شاء ، جعل الكلام صفة فعل قائمة بالذات لم يفقد من الرّحمن ، وكذاك نص على دوام الفعل وكذا ابن عباس وجعفر الصادق و (عثمان بن سعيد) الدارمي وصدق فالحياة والفعل متلازمان
__________________
(١) إن كان المراد بالفعل ما هو بالمعنى المصدري من قوله تعالى : (فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ) [هود : ١٠٧] فليس في فرق الإسلام من ينفي الفعل بهذا المعنى عن الله سبحانه بل إثباته موضع اتفاق بين الفرق كلها وإن كان يريد ما هو مبدأ هذا المعنى فهو صفة قديمة غير الإرادة والقدرة عند طوائف من أهل الحق وهي المسماة عندهم بصفة التكوين ، وأما الأشاعرة فيرجعونها إلى القدرة وللقولين حظ من النظر وأما إن كان المراد بالفعل الفعل الحاصل بالمصدر أعني الأثر المترتب على التكوين أو القدرة فلا شك أنه مفعول الله ومخلوقه وغير قائم به أصلا ، فأفعال الله بهذا المعنى هي مخلوقاته حتما ، ودعوى قيامها بالله لا تصدر ممن يعي ما يقول ومن المجسمة أناس يظنون أن أفعال الله تكون بالحركة كأفعال العباد وتصدر منه بالعلاج والمزاولة مع أن الجوارح والآلات إنما وضعت للعباد ليتوصلوا بها إلى قصدهم وهي كلها نقص وآفات ، وأما من له الحول والقوة جلّ جلاله فإنما هو إذا أراد شيئا قال له كن فيكون بدون آلة ولا جارحة ولا علاج ولا مزاولة. يريد الشيء فيحدث. وبهذا البيان ظهر ما في كلام الناظم من الاختلال ووجوه الضلال.
(٢) نسبة القول بقيام الفعل الحادث بالله سبحانه إلى أحمد وجعفر الصادق وابن عباس رضي الله عنهم نسبة كاذبة وفرية مكشوفة. وقول أحمد (إن الله لم يزل متكلما إن شاء) بمعنى أن الكلام صفة قديمة وأنه تعالى يكلم أنبياءه متى شاء بدون حرف ولا صوت بالوحي ومن وراء حجاب أو بإرسال رسول «وهو متكلم خالق قبل أن يكلم الرسل ويخلق الخلق» كما صرح بذلك غلام الخلال من قدماء الحنابلة في المقنع ، وأما عثمان بن سعيد الدارمي السجزي مؤلف النقض على المريسي فكان فيما سبق لا يخوض في صفات الله سبحانه كما هو طريقة السلف ، ثم انخدع بالكرامية وأصبح مجسما مختل العقل عند تأليفه النقض المذكور ، وهو حقيق بأن يكون قدوة للناظم ونسجل هنا على الناظم اعتقاده قيام الحوادث بذات الله سبحانه وتعالى واعتقاده أن هذه الحوادث لا أول لها ، وإني ألفت نظر حضرة القارئ إلى هذه العقيدة وهل تتفق مع دعوى أنه إمام دونه كل إمام؟ بل هل تتفق هذه العقيدة مع دعوى أنه في عداد المسلمين فقط؟.
