تنبه يا من أشير إليه بالعلم في قوله فإنه يشير به إلى أن الحديث الأول كذب على رسول الله صلىاللهعليهوسلم لأنه سوّى بينهما ، وذكر الحديث الثاني توطئة لقصده الفاسد في إرادة تجاسره به والتمويه على العوام والضعفاء من الطلبة وهو شديد الاعتناء بهذا القصد الخبيث في الكلام على آيات الصفات وأحاديثها فليحذر الواقف على كلامه في آيات المتشابه وأحاديثه غاية الحذر فإن الخطأ فيها كفر بخلاف غيرها من مسائل الفروع.
وقوله : (وقد احتج أبو محمد المقدسي على جواز السفر لزيارة قبر النبي صلىاللهعليهوسلم وقبور الأنبياء بأن النبي صلىاللهعليهوسلم كان يزور قباء وأجاب عن حديث «لا تشد الرحال» بأن ذلك محمول على نفي الاستحباب وأما الأولون فإنهم محتجون بما في الصحيحين عن النبي صلىاللهعليهوسلم أنه قال (١) : «إلا إلى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي» وهذا الحديث اتفق الأئمة على صحته والعمل به).
انظر بصّرك الله تعالى ما في هذا الكلام من الإيهام والتدليس فإنه قال : قل ، وقد احتج الشيخ أبو محمد على جواز السفر لزيارة قبر النبي صلىاللهعليهوسلم بأن النبي كان يزور قباء ولم يذكر راكبا وماشيا لأن الراكب قد شدّ الرحل وهو لا غرض له في ذلك ، وأيضا لم يذكر غير الشيخ أبي محمد وهو يوهم انفراده بذلك ولم ينفرد كما أذكره من بعد.
وقوله : (أجاب ـ يعني أبا محمد ـ عن حديث «لا تشد الرحال» بأن ذلك محمول على نفي الاستحباب) وهو يوهم أن ذلك لم يقله إلا الشيخ أبو محمد وهو من التدليس الذي هو كثير الاعتناء به. والمكر السيئ قوله : (أما الأولون ـ يعني القائلين بتحريم السفر وعدم جواز القصر في سفر المعصية ـ فإنهم يحتجون بما في الصحيحين عن النبي صلىاللهعليهوسلم أنه قال : «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا» وهذا الحديث اتفق الأئمة على صحته والعمل به) وهو يوهم أنهم احتجوا لتحريم (٢) قبور الأنبياء وقبر النبي صلىاللهعليهوسلم به وهو من التدليس الفاحش وهو مطالب بأن الأولين صرحوا بأن شد الرحال وأعمال المطي إلى قبره وقبر الخليل إبراهيم عليهما الصلاة والسلام حرام ومعصية ولا تقصر فيه الصلاة وهذا لا يجده بل الموجود غيره والندب إلى ذلك كما يأتي إن شاء الله تعالى ، وقد خاب من افترى.
__________________
(١) أول الحديث «لا تشد الرحال» ثم المذكور هنا ، اه مصححه.
(٢) فيه حذف مضاف تقديره فزيارة قبور الخ ، اه مصححه.
