ولا القبيح منها قبّح نفسه ، ولا الحسن منها حسّن نفسه ، فلم يبق إلا أن لها مصوّرا صوّرها ؛ طويلة ، وقصيرة ، وقبيحة ، وحسنة ، على حسب إرادته ومشيئته.
ويدل على صحة ما ذكرناه : أن الموجودات لا يجوز أن تكون فاعلة لنفسها ، أنا وجدنا منها الموات والأعراض ، أعني الجمادات التي لا حياة فيها ، لا يجوز أن تكون فاعلة لنفسها ولا لغيرها ، لأن من شرط الفاعل أن يكون حيا ، قادرا ، فبطل كونها محدثة لنفسها بل لها محدث أحدثها.
ويدل على صحة ذلك أيضا : أنا وجدنا أنفس الموجودات في العالم ، الحيّ القادر العاقل المحصل ، وهو الآدمي ، ثم أكمل ما تكون. تعلم وتحقق أنه كان في ابتداء أمره نطفة ميتة ، لا حياة فيها ولا قدرة ، ثم نقل إلى العلقة ، ثم إلى المضغة ، ثم من حال إلى حال ، ثم بعد خروجه حيا من الأحشاء إلى الدنيا. تعلّم وتحقّق أنه كان في تلك الحالة جاهلا بنفسه وتكييفه ، وتركيبه ، ثم بعد كمال عقله وتصوره وحذقه وفهمه لا يقدر في حال كماله أن يحدث في بدنه شعرة ولا شيئا ، ولا عرقا فكيف يكون محدثا لنفسه ومنقلا (١) لها في حال نقصه من صورة إلى صورة ومن حالة [إلى حالة] وإذا بطل ذلك منه في حال كماله كان أولى أن يبطل ذلك منه في حال نقصه ، ولم يبق إلا أن له محدثا أحدثه ، ومصورا صوّره ومنقلا نقله ؛ وهو الله سبحانه وتعالى.
مسألة
وإذا ثبت أن للعالم صانعا صنعه ، ومحدثا أحدثه ، فيجب أن يعلم أنه لا يجوز أن يكون مشبها للعالم المصنوع المحدث ؛ لأنه لو جاز ذلك لم يخل : إما أن يشبهه في الجنس ، أو في الصورة ، ولا يجوز أن يكون مشبها له في الجنس ؛ لأنه لو أشبهه في الجنس لجاز أن يكون محدثا كالعالم المحدث ، أو يكون العالم قديما كهو. لأنه حقيقة المشتبهين المتجانسين : ما سدّ أحدهما مسد الآخر وناب منابه ، وجاز عليه ما يجوز عليه ، ولا يجوز أن يكون يشبه العالم في الصورة لأن حقيقة الصورة هي الجسم المؤلف ، والتأليف لا يكون إلا من شيئين فصاعد ؛ ولأنه لو كان صورة لا تحتاج إلى مصوّر صوّره ، لأن الصورة لا تكون إلا من مصوّر على ما قدّمنا بيانه ،
__________________
(١) هكذا في الأصل وهو بصيغة اسم الفاعل من التفعيل أي ناقلا لها ومصلحا من حال إلى حال (ز).
