وقد بيّن ذلك تعالى بأحسن بيان فقال تعالى : (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ) [النّحل : ١٧] وقد سئل بعض أهل التحقيق عن التوحيد ما هو؟ فقال : هو أن تعلم أنه ما باينهم بقدمه كما باينوه بحدوثهم.
وقال الجنيد رضي الله عنه : التوحيد إفراز القوم عن الحدوث ، فاحكموا أصول العقائد بواضح الدليل ولائح الشواهد.
وقال أبو محمد الحريري رضي الله عنه : من لم يقف على علم التوحيد يشاهده من شواهده ، زلّت به قدم الغرور في مهواة التلف.
وقال الجنيد : أول ما يحتاج إليه المكلف من عقد الحكمة : أن يعرف الصانع من المصنوع ، فيعرف صفة الخالق من المخلوق ، وصفة القديم من المحدث.
وسئل أبو بكر الزاهد رضي الله عنه عن المعرفة ما هي؟ فقال : المعرفة اسم ومعناه : وجود تعظيم في القلب ، يمنعك عن التعطيل والتشبيه.
وقيل لأبي الحسن البوشنجي : ما التوحيد؟ فقال : أن تعلم أنه غير مشبه بالذوات ولا بنفي الصفات.
مسألة
وإذا ثبت أن صانع الموجودات ومحدثها لا يجوز أن يكون يشبهها ، فيجب أن تعلم أن محدث العالم قديم ، أزلي لا أول لوجوده. ولا آخر لدوامه. والدليل على صحة ذلك : أنه لو لم يكن قديما كما ذكرنا لكان محدثا ، ولو كان محدثا لاحتاج إلى محدث أحدثه ؛ لأن غيره من الحوادث إنما احتاجت إلى محدث لأنها محدثة. ولو كان ذلك كذلك لاحتاج كل محدث إلى محدث آخر ، إلى ما لا نهاية له ولا غاية ، ولمّا بطل ذلك صحّ كونه قديما أزليا.
وبمثل هذا الدليل : يستدل على بطلان قول من زعم من أهل الدهر أن الحوادث لا أول لوجودها ، فافهمه ترشد ، إن شاء الله تعالى.
مسألة
ويجب أن يعلم : أن صانع العلم جلّت قدرته واحد أحد ؛ ومعنى ذلك : أنه ليس معه إله سواه ، ولا من يستحق العبادة إلا إياه ، ولا نريد بذلك أنه واحد من [جهة العدد] وكذلك قولنا أحد ، وفرد وجود ذلك إنما نريد به أنه لا شبيه له ولا
