البلاء وفجرت النساء مع ما ينضم إلى ذلك من شرب الخمور وفعل المنكرات وأنواع الفساد ، فحانت التفاتة من صاحب الترجمة في بعض الليالي من السطح إلى ذلك فقصده مختفيا وأزاله ، وفي ثاني يوم أمر بإزالة هذا المنكر ونبه على أن لا تفتح الحانات ليلا أبدا ، فطوى بسبب ذلك بساط الفجور وانجلى من ظلمة المعاصي الديجور ، ومن جملة ما رفعه من المظالم بحلب حين توليه لها بدعة الدومان عن حرفة الجزّارين التي أوغرت صدور المسلمين ، وكان حدوثه بها سنة إحدى وستين بعد المائة والألف ، والدومان اسم لمال يجتمع من ظلامات متنوعة يستدان من بعض الناس بأضعاف مضاعفة من الربا ويصرفه متغلبو هذه الحرفة في مقاصدهم الفاسدة وآرائهم الكاسدة ، وطريقتهم في وفائه أن يباع اللحم بأوفى الأثمان للناس من فقراء أو أغنياء وتؤخذ الجلود والأكارع والرؤوس والكبد والطحال بأبخس ثمن من فقراء الجزارين جبرا وقهرا ، كل ذلك يصدر من أشقياء الجزارين ومتغلبيهم إلى أن هجر أكل اللحم الأغنياء فضلا عن الفقراء وأعضل الداء. واتفق أنه في سنة ست وسبعين كان قاضيا بحلب المولى أحمد أفندي الكريدي فسعى في رفع هذه البدعة ، فلم تساعده الأقدار فباشر بنفسه محاسبة أهل هذه الحرفة الخبيثة ورفعها وكتب عليهم صكوكا ووثائق وسجلها في قلعة حلب ، فلما عزل عاد كل شيء لما كان عليه ، فلما كان أواخر محرم سنة ثمان وسبعين قبض صاحب الترجمة على رئيسهم كاورحجي وقتله وأبطل تلك البدعة السيئة وصار لأهل حلب بذلك كمال الرفق والإحسان. وامتدحه أدباؤها بالقصائد البديعة ، فمن ذلك ما قاله الشهاب أحمد الورّاق :
|
أعرف البان أم نفح الورود |
|
أطيب المسك أم أنفاس عود |
|
أروض مر سجساج عليه |
|
فتم بسره غب الورود |
|
أم الأزهار أيقظها نسيم |
|
فضاعت بالشذا بعد الرقود |
ومنها :
|
ومن وفّى المعالي مهر مثل |
|
له دانت على رغم الحسود |
|
ومن يذكو أريج الخيم منه |
|
زكا فعلا ووفى بالعهود |
|
ومن يبغ المكارم لا يبالي |
|
بما يوليه من كرم وجود |
|
ومن هانت عليه النفس نالت |
|
يداه ما يروم من الوجود |
|
ومن يطع الإله ينل مراما |
|
ويحرز ما يسر من المجيد |
![إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء [ ج ٣ ] إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2363_elam-alnobala-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
