ويحتمل أن يكون هذا التعبير إشارة إلى خلوص النيّة في الابتعاد عن الذنوب والمعاصي ، والالتزام بالأوامر الإلهية ، إذ أنّ العمل السرّي يكون أبعد عن الرياء.
كما لا مانع من الجمع بين هذه الآراء.
التعبير بـ (مغفرة) بصورة (نكرة) ، وكذلك (أجر كبير) إشارة إلى عظمته وأهميّته ، إذ أنّ هذه المغفرة وهذا الأجر من العظمة أنّه غير معروف ولا واضح للجميع.
ثمّ يضيف للتأكيد : (وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ).
نقل بعض المفسّرين عن (ابن عبّاس) قوله في سبب نزول هذه الآية : (إنّ جماعة من الكفّار ـ أو المنافقين ـ كانوا يذكرون الرّسول بالسوء بدون علمه ، وكان جبرئيل عليهالسلام يخبر الرّسول بذلك ، وكان بعضهم يقول للآخر (أسرّوا قولكم) فنزلت الآية أعلاه موضّحة أنّ جهرهم أو إخفاءهم لأقوالهم هو ممّا يعلمه الله تعالى) (١).
وتأتي الآية اللاحقة دليلا وتأكيدا على ما ورد في الآية السابقة ، حيث يقول تعالى : (أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ).
ذكرت احتمالات متعدّدة في تفسير عبارة : (أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ) فقال البعض : إنّ القصد منها هو أنّ الذي خلق القلوب يعلم ما تكنّ فيها من أسرار.
أو أنّ الربّ الذي خلق العباد هل يجهل أسرارهم.
أو أنّه تعالى الذي خلق عالم الوجود جميعا عارف ومطلع بجميع أسراره ، وعندئذ هل تكون أسرار الإنسان ـ الذي هو جزء من هذا العالم العظيم ـ خافية على الله تعالى؟
ولإدراك هذه الحقيقة لا بدّ من الالتفات إلى أنّ مخلوقات الله تعالى دائما تحت رعايته ، وذلك يعني أنّ فيض وجوده يصل كلّ لحظة إلى مخلوقاته ، فإنّه
__________________
(١) الفخر الرازي ، ج ٣ ، ص ٦٦ ، وروح البيان ، ج ١٠ ، ص ٨٦ ، تفسير الآيات مورد البحث.
![الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل [ ج ١٨ ] الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2065_alamsal-18%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
