وأمّا الثاني : فلأصالة البراءة الجارية لكلّ من الطائفتين في نفسه ، فإنّ الرجل لمكان شكّه في انوثيّتها يشكّ في حرمة النظر إليها ، كما أنّ المرأة لمكان شكّها في رجوليّتها يشكّ في حرمة النظر إليها ، وهو من كلّ منهما شكّ في التكليف وإن نشأ عن الشبهة الموضوعيّة ، والأصل براءة الذمّة عنه.
ومنها : حكمها في لباسها فيختار من الألبسة ما هو مشترك بين الرجال والنساء ، ويتجنّب عمّا يختصّ بالرجال كالعمامة والمنطقة وعمّا يختصّ بالنساء كالمقنعة ونحوها ، لأنّها تعلم إجمالا بتوجّه خطاب إلزامي إليها وهو مردّد بين قوله : « لا تتعمّم » وقوله : « لا تتقنّع » مثلا ، فيجب الاجتناب عنهما من باب المقدّمة.
وبالجملة : يعلم بأنّ أحد اللباسين حرام عليها لا محالة فيجب عليها تجنّبه ولا يحصل إلاّ بالتجنّب عنهما جميعا.
ومنها : ستارتها في الصلاة فيتجنّب عن لبس الحرير فيها وتستر جميع بدنها تحصيلا للبراءة اليقينيّة عن الصلاة ، ولا تحصل إلاّ بإحراز الشرطين : خلوّ المصلّي عن الحرير إذا كان رجلا ، وستر جميع البدن إذا كان إمرأة ، وهو مشتبه بينهما.
ومنها : حكم الجهر والإخفات في الصلاة الجهريّة كالعشائين والصبح ، فإن قلنا بكون الإخفات فيها على النساء رخصة ـ كما هو الأظهر ـ جاز لها كلّ من الجهر والإخفات.
وإن قلنا بكونه عزيمة فيجب عليها تكرار الصلاة بالجهر تارة والإخفات اخرى ، إلاّ إذا قام الإجماع على عدم وجوب التكرار في حقّها ، فيتخيّر حينئذ ، وقد يتخيّل التخيير لها مطلقا ، نظرا إلى ما ورد من معذوريّة الجاهل في الجهر والإخفات ، وهذا سهو لوجهين :
أحدهما : أنّ النص إنّما دلّ على معذوريّة الجاهل في لزوم الإعادة والقضاء إذا خالف الواقع في صلاته المأتيّ بها لجهله بالمسألة ، وكلامنا في تكليف هذا الجاهل من أوّل الأمر أهو الجهر أو الإخفات؟ وبينهما بون بعيد ، حتّى أنّه لو جهر أو أخفت متردّدا بطلت صلاته.
والآخر : أنّ مورد النصّ إنّما هو الجاهل بالحكم ، وما نحن فيه جاهل بالموضوع فلا يقاس على الجاهل بالحكم.
وبالجملة ما ورد في الأخبار (١) من معذوريّة الجاهل إنّما هو من كان جهله في مجرّد الحكم وكان مقصّرا في تحصيل العلم به ، فلا يشمل المقام الّذي جهله من جهة الموضوع
__________________
(١) انظر الوسائل ٦ : ٨٦ / ١ ، الباب ٢٦ من ابواب القراءة.
![تعليقة على معالم الاصول [ ج ٥ ] تعليقة على معالم الاصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1388_taliqaton-ala-maalem-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
