طريق إلى إدراكه كما هو حقّه ، وعلى الأوّل لا معنى لتعيّن الأخذ بالظنّ لأنّه من جهة أقربيّته إلى الواقع ، والمفروض أنّه ملغى.
وفيه : من المغالطة ما لا يخفى ، ومع ذلك نختار الشقّ الثاني ، لوضوح بطلان الأوّل بملاحظة العلم الإجمالي بثبوت التكاليف الواقعيّة ، ووجود واجبات ومحرّمات كثيرة فيما بين الوقائع المشتبهة ، وقضاء الضرورة بعدم كون حالنا فيها كحال البهائم ، ونمنع الملازمة بينه وبين تعيّن الأخذ بالاحتياط لما تقدّم من الإجماع ولزوم العسر والحرج ، فتعيّن العمل بالظنّ بحكم العقل المستقلّ ، فإنّ الشارع لا تصرّف له في الوقائع سوى أنّه أحدث أحكاما وضعيّة أو غير وضعيّة ، تكليفيّة طلبيّة أو غير طلبيّة ، إلزاميّة أو غير إلزاميّة ، ولم يتعرّض لبيان كيفيّة امتثالها ، بل أحال بيانها إلى العقل ، كما أنّ الإلزام بأصل الامتثال من وظيفته.
ولا ريب أنّ العقل يلزم أوّلا بالامتثال العلمي التفصيلي ، ومع عدم إمكانه وتعذّره لعذر عقلي أو شرعي يلزمه بالامتثال العلمي الإجمالي ، ومع عدم إمكانه وتعذّره لعذر عقلي أو شرعي ـ ومنه العسر ـ يلزمه بالامتثال الظنّي التفصيلي ، ومع عدم إمكانه أو تعذّره لعذر عقلي أو شرعي يلزمه بالامتثال الاحتمالي.
وهذه مراتب أربعة لكيفيّة الامتثال مرتّبة في نظر العقل ، ولا يجوز العدول من المرتبة العليا إلى السفلى إلاّ لعذر عقلي أو شرعي ، فلا يحكم بتعيّن العمل بالظنّ تحصيلا للامتثال الظنّي التفصيلي ، إلاّ بعد قيام العذر عقلا أو شرعا بالقياس إلى العلم التفصيلي والاحتياط الّذي يحصل بهما الامتثال العلمي تفصيلا أو إجمالا.
وبالتأمّل في ذلك يندفع مناقشة اخرى في الدليل ، وهي أنّ انسداد باب العلم والظنّ الخاصّ لا ينتج تعيّن العمل بالظنّ ، لجواز أن يكون هناك طريق آخر تعبّدنا الشارع بالعمل به والرجوع إليه ، كالقرعة أو الرمل أو الرجوع إلى فتوى العالم بها وتقليده فيها.
وهذه أضعف من سابقتها ، لأنّه ـ مع مخالفته الإجماع على عدم الرجوع إلى القرعة وما بعدها ـ واضح الدفع بأنّ الطريق الآخر إن كان ممّا يحتمل كونه طريقا فالرجوع إليه ـ دون ما فرض في المسألة من الظنّ ـ عدول عن الامتثال الظنّي من غير عذر عقلي ولا شرعي إلى الاكتفاء بالامتثال الاحتمالي ، وهو ممّا يستقلّ العقل بمنعه ، مع أنّ قيام ما يحتمل كونه طريقا في الطرف المقابل للطرف المظنون لا يخرجه عن كونه موهوما ، فالرجوع إليه يرجع إلى طرح المظنون والالتزام بالموهوم ، وهو قبيح عقلا لأنّه ترجيح
![تعليقة على معالم الاصول [ ج ٥ ] تعليقة على معالم الاصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1388_taliqaton-ala-maalem-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
