ليؤمننا من العقاب المحتمل ، وإنّما قيّدنا الضرر بالاخروي لأنّ الضرر الدنيوي لا يجب دفعه عند العقلاء إلاّ مع الظنّ.
وعلى ما ذكرناه من حجّيّة الاصول على وجه التعبّد مطلقا ، يتّضح أصالة حرمة العمل بالظنّ كمال الاتّضاح ، بل يكون من البديهيّات الّتي لا حاجة فيها إلى تجشّم الاستدلال ، إذ الواقعة الّتي قامت فيها الأمارة الظنّيّة غير خالية عن أحد الاصول التعبّديّة ، والمفروض كون أدلّة تلك الاصول قطعيّة ومفادها لزوم الأخذ بمؤدّيات هذه الاصول ما لم يعلم خلافها ، والأمارة لا توجب العلم بخلافها ، فالالتزام بها مخالفة وطرح لتلك الاصول القطعيّة من جهة قطعيّة أدلّتها فيكون محرّما بنفس تلك الأدلّة ، ومعه لا حاجة إلى تكلّف الاستدلال على أصالة الحرمة ، ولا النظر في العمومات الناهية ليناقش فيها من حيث الدلالة بدعوى اختصاصها بالاصول وغير ذلك ، ولا إلى النظر في غيرها من الأخبار المدّعاة في المقام ، أو الاصول المقرّرة من وجوه شتّى لتكون مثارا للمناقشات من جهات شتّى.
ولا فرق في أصالة الحرمة الثابتة من أدلّة الاصول القطعيّة بين ما لو كان مورد الأمارة المخالفة لها من الاصول اعتقاديّة ، أو عمليّة أو من الفروع أو من الموضوعات مستنبطة أو صرفة ، فلو قامت أمارة ظنّيّة بدخول وقت الصلاة فيظنّ من جهتها دخول الوقت المستلزم للظنّ بوجوب الصلاة لا يجوز التعويل عليه ولا التعبّد به ، لاستلزامه طرح اصول كثيرة قطعيّة من أصالة البراءة ، واستصحاب الحالة السابقة من عدم دخول الوقت وعدم الوجوب وعدم المشروعيّة.
هذا تمام الكلام في تأسيس الأصل ، وحينئذ لابدّ من البحث في وقوع التعبّد بالظنون ببيان ما خرج ، أو ادّعى خروجه من أصالة الحرمة من الامور الغير العلميّة الّذي هو المقصد المهمّ من عقد مسألة حجّيّة الظنّ ، والعمدة من مباحث هذا الظنّ ، نظرا إلى أنّ عليها يدور الفقه وبها ينتظم أساسه ويستحكم بنيانه ، لقلّة ما في مداركه من الطرق القطعيّة والأدلّة العلميّة ، فنقول : هل خرج من أصالة الحرمة بعض الامور الغير العلميّة خصوصا أو لا؟
وعلى التقديرين فهل خرج منها الظنّ عموما مع انسداد باب العلم أو لا؟ فتمام البحث يقع في مقصدين :
* * *
![تعليقة على معالم الاصول [ ج ٥ ] تعليقة على معالم الاصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1388_taliqaton-ala-maalem-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
