وقد عرفت أنّ العمل بالظنّ في نفسه ممّا يستقلّ بقبحه العقل ، فلا يجري فيه أصالة الإباحة ليكون مدركا للجواز.
وثانيا : أنّ الإباحة الّتي هي الأصل في الأشياء عبارة عن الإباحة بالمعنى الأخصّ وهي التسوية بين الفعل والترك الّتي يقال لها : « جواز الفعل والترك لا إلى بدل ، والجواز بهذا المعنى غير متصوّر في العمل بالظنّ ، لأنّ الواقعة الّتي ورد فيها الأمارة الظنّية ـ والمفروض أنّها بحسب الواقع غير خالية عن أحد الأحكام الخمس ـ لابدّ للمكلّف فيها من عمل ، والحال فيها حينئذ لا يخلو عن صور ثلاث :
الاولى : أن يجب عليه التعبّد والتديّن بمؤدّى أصل موجود فيها من الاصول الأربعة عينا.
الثانية : أن يجب عليه التعبّد والتديّن بمؤدّى الأمارة القائمة فيها عينا.
الثالثة : أن يجب [ عليه ] التعبّد والتديّن بكلّ منهما تخييرا ، فالأمر بالنسبة إلى العمل بالأمارة مردّد بين التحريم العيني والوجوب العيني والوجوب التخييري.
وعلى أيّ تقدير فالإباحة بمعنى جواز كلّ من الفعل والترك لا إلى بدل غير معقول.
ولو اريد بجواز العمل به ما يقابل حرمة العمل الّتي يدّعيها القائل بأصالة التحريم على معنى عدم الحرمة ، فلا ينافي الوجوب عينا أو تخييرا ، ومرجعه إلى عدم جواز ترك العمل به لا إلى بدل ، سواء لم يجز مطلقا أو أنّه حيثما جاز فهو ترك إلى بدل.
ففيه : مع أنّ الجواز بهذا المعنى ليس من مفاد أصل الإباحة ، فلا ينطبق الدليل على المدّعى ، أنّه قد تقدّم أنّ أصالة التحريم الثابتة بالعقل والنقل ممّا لا مجال لانكاره ، فلا معنى للجواز بالمعنى المذكور أيضا.
وقد يستدلّ لجواز العمل به بأصالة التخيير الجارية في مسألة دوران الأمر بين التعيين والتخيير ، لأنّ الأمر مردّد بين تعيّن العمل بالأصل أو التخيير بينه وبين العمل بالأمارة الواردة على خلاف الأصل.
وفيه أوّلا : أنّ الأصل في هذه المسألة ـ على ما حقّقناه في محلّه ـ إنّما هو التعيين لأصالة الاشتغال الواردة هنا على أصل البراءة.
وثانيا : منع اندراج المقام في المسألة المشار إليها ، إذ الأصل الثابت مشروعيّته في الواقعة بالأدلّة القطعيّة تعليقي ـ على معنى كون اعتباره معلّقا ومراعى بأن لا يكون هناك
![تعليقة على معالم الاصول [ ج ٥ ] تعليقة على معالم الاصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1388_taliqaton-ala-maalem-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
