أصول الفقه - ج ٢

آية الله الشيخ محمد علي الأراكي

أصول الفقه - ج ٢

المؤلف:

آية الله الشيخ محمد علي الأراكي


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسه در راه حق
الطبعة: ٠
الصفحات: ٧٥٢
  الجزء ١   الجزء ٢
  نسخة غير مصححة

عنه ، وبعبارة اخرى : مفادها أنّه عند احتمال صدور شيء من الأخ ينافي ـ مقام الاخوّة ويوجب سدّ باب العشرة وطرح المرافقة يجب البناء العملي على أنّه ما فعل شيئا من ذلك وعدم سدّ باب رفاقته ، بل البناء على أنّه طاهر الذيل من هذه النسبة ، فالمعاملة معه كما في السابق.

وأين هذا من ترتيب الآثار الشرعيّة المترتّبة على فعله ، وممّا ينادي بإرادة هذا المعنى خبر تكذيب القسامة ، ألا ترى أنّه لو شهد خمسون قسامة عند متولّي الحدود الشرعيّة بشرب المؤمن الفلاني الخمر ، فالخبر يحكم بأنّه لا يجرى عليه الحدّ بمحض قول نفسه ، لم أشربه؟ وحينئذ فإذا احتملنا صيرورته فاسقا وغير مبال بالفساد في المعاملة أو العبادة لا نغيّر معه سلوكنا في مقام المعاشرة ، ولكن لا دليل على عدم الاعتناء بهذا الشكّ في مقام ترتيب الآثار الشرعيّة المترتّبة على تلك المعاملة أو العبادة.

وبالجملة ، التعدّي عن مقام المعاشرة إلى الآثار المترتّبة شرعا على الأفعال لا دلالة عليه في الأدلّة المذكورة.

وأمّا الإجماع فالإنصاف وجود القولي منه والعملي ، فإنّهم لا يختلفون في تقديم قول مدّعي الصحّة معلّلا بموافقته للأصل ، وكذلك سيرة جميع الناس من المتديّنين وغيرهم على حمل أفعال الغير على الصحيح وعدم المداقّة فيه ، ولا اختصاص هذا بالمسلم من حيث إنّه مسلم ومتحرّز عن القبيح ، كما يظهر من كلمات شيخنا المرتضى قدس‌سره.

ألا ترى أنّ الدهريّة والطبيعيّة أيضا عندهم نكاح صحيح وفاسد ، وطلاق كذلك ، وهكذا ، ومع ذلك يرتّبون الآثار على نكاح الغير وطلاقه ، وهكذا كلّ عمل له صحيح وفاسد ، فبنائهم على عدم المداقّة فيه إذا صدر عن الغير ، فهذا أصل عقلائي موضوعه العاقل أعمّ من المسلم والكافر.

٧٠١

وأمّا العقل ، فللزوم اختلال نظام المعاش والمعاد لو بني على المداقّة في كلّ جزئي جزئي من الامور المرتبطة من الإنسان بغيره ، فإنّ هذا الاشتغال يشغله عن جميع المهامّ ، وإلّا فلا بدّ من ترك العشرة ، وهو أيضا موجب للاختلال ، فالعقل بعد ملاحظة ذلك يحكم بحقيّة الأصل المذكور ، لأنّ ما كان نقيضه مستلزما لامور باطلة كان نقيضه باطلا ، لأنّ مستلزم الباطل باطل ، فلا محالة يكون ذلك الشيء حقّا ، لأنّ نقيض الباطل حقّ.

ثمّ لا شبهة في أنّ المحمول عليه عند العقلاء هو الصحّة الواقعيّة ، فيحكمون بتفكيك الزوجة عقيب طلاق الغير واقعا ، وملكيّة المال عقيب بيعه كذلك ، فيقدمون على تزويج المرأة وشراء المال من المشتري وانتقاله إلى وارثه وهكذا ، دون الصّحة الاعتقادية ، وهذا واضح جدّا ، إلّا أنّ تشخيص موارد هذا الأصل من حيث الضيق والسعة وأنّه جار مطلقا حتّى يعلم الخلاف من غير فرق بين الموارد ، أو يختصّ مورده ببعض المقامات فمحلّ الشبهة والإشكال ، والقدر المتيقّن من مورده ما إذا جهل حال الفاعل رأسا من حيث كونه عالما بالصحيح والفاسد أو جاهلا معذورا ، أو مقصّرا مباليا بالصحّة أو غير مبال في اموره ، أو علم علمه بالصحيح ولم يعلم عدم مبالاته.

وأمّا إذا احرز أنّه معتقد لخلاف الواقع باجتهاد خطائي أو تقليد كذلك ، أو جاهل مقصّر ، أو أنّه غير مبال في أفعاله بالصحيح ، فلا يعلم وجود البناء في هاتين الصورتين.

* * *

٧٠٢

في تعارض الاستصحاب مع قاعدة التجاوز

قد تمسّك لتقديم الثانية بلزوم اللغويّة لو قدّم الأوّل ؛ إذا ما من مورد من موارد القاعدة إلّا ويجرى هناك الاستصحاب إمّا على الوفاق أو على الخلاف إلّا المورد النادر ، فيلزم جعل القاعدة لهذا المورد النادر ، بيان ذلك يحتاج إلى تفصيل الموارد.

فنقول : منها ما إذا كان الشكّ في القيد المعتبر في الفاعل كالطهارة التي هي شرط المصلّي ، ومنها ما إذا كان الشكّ في قيد العمل ، كالجهر في الحمد والعربيّة في الصيغة ، ومنها ما إذا كان الشكّ في جزء العمل ، كالشكّ في نفس الحمد.

أمّا القسم الأوّل فلا إشكال في جريان الاستصحاب في إحراز القيد أو نفيه مع وجود الحالة السابقة ومع عدمها ، فالأصل عدم تحقّق العمل المقيّد بصدوره من الفاعل الخاصّ ، إلّا أنّ شكّه مسبّب عن الشكّ في القيد ، وقد قرّرنا في السابق أن كلّا من قاعدتي التجاوز والفراغ لسانهما إثبات القيد المشكوك ، لا المقيّد ، فيكونان في هذه الصورة مقدّمين على الاستصحاب لأجل الحكومة ، وهكذا في جميع موارد القسم الثاني ؛ إذ الأصل فيه أيضا جار في نفي المقيد لعدم الحالة السابقة في القيد ، والقاعدتان مثبتان للقيد.

وأمّا القسم الثالث فالاستصحاب جار في نفي الجزء ، وليس ارتباط الأجزاء شيئا آخر حتّى يقال : ليس له حالة سابقة كما في القيد ، فيكون الاستصحاب أبدا مقدّما على القاعدتين في هذا القسم ، ولا يخفي كثرة موارد هذا القسم ، لكن لا بدّ من صيرورة القسم الثاني بتمام موارده والقسم الأوّل في صورة عدم الحالة السابقة نادرين.

لكن يمكن أن يقال : إنّ حكومة الاستصحاب على الاصول الأخر ليس على حدّ الحكومة الاصطلاحيّة ، ولا من التخصيص ، أمّا الثاني فواضح ، وأمّا الأوّل فلأنّه ليس بين الاستصحاب مع الاصول الأخر تناف مدلولي ، بل كلّ ملائم مع الآخر في موطن نفسه ، كيف وليس حالهما بأعلى من الواقعي والظاهري ، وقد

٧٠٣

ثبت عدم التنافي بينهما في مرحلة الثبوت.

نعم العلم بالواقعي موجب لرفع الشكّ الذي هو الموضوع للظاهري ، وكذا الحال في الاستصحاب ، فهو غير مجامع مع سائر الاصول بحسب الإثبات لا الثبوت.

وإذن فالاستبشاع اللازم في موارد التخصيص بالكثير أو الأكثر ، وكذا الحكومة المصطلحة في الكثير أو الأكثر غير لازم في هذا المقام ، لأنّه ليس إلّا مثل ما إذا جعل الشارع قانونا كليّا لأجل الشكّ وكان مصداقه في جميع الأعصار منحصرا في مسألة واحدة لكثرة الطرق الموصلة إلى الواقع علما ، فإنّ جعل تلك القاعدة ليس فيه استبشاع التخصيص بالأكثر والتخصيص بالكثير واللغوية ؛ إذ يكفي في الخروج عن اللغويّة وجود المورد الواحد المبتلى به للعامّة ، وعلى هذا فهذا الطريق مخدوش.

نعم هنا طريق آخر سالم عن الخدشة وهو أنّه قد عدّ في غير واحد من أخبار القاعدة الشكّ في غير واحد من الأجزاء الصلاتيّة موردا لها على وجه يعلم منه المثاليّة ، مع أنّك عرفت جريان الاستصحاب النافي فيها ، فهذا دليل على تقديمها على الاستصحاب ، هذا حال تعارض الاستصحاب مع قاعدة التجاوز. وأمّا مع أصالة الصحّة في عمل الغير فعلى فرض صحّة الطريق المتقدّم إليه الإشارة أعني لزوم اللغوية في المقام المتقدم يكون غير صحيح في هذا المقام ، إذ دليل هذا الأصل ليس لفظيّا حتّى يقال بلزوم اللغويّة أو التخصيص بالكثير المستبشع ، وإنّما المتحقّق بناء العقلاء ، فغاية ما يلزم ردع هذا البناء ، فالذي هو المهمّ أنّه هل البناء في مورد جريان الاستصحاب ثابت أو لا ، ثمّ بيان أنّ عموم دليل الاستصحاب أو إطلاقه غير قابل للردع.

أمّا الأوّل فالظاهر أنّه ممّا لا شبهة فيه ، وأمّا الثاني فلأنّ الأمر الارتكازي الذي صار العقلاء مجبولين عليه ، لا يحتملون خلافه حتى يكون إطلاق دليل «لا تنقض» رادعا لهم ، بل يجعلونه منصرفا عن هذا المورد ، وأمّا الأوحدي الذي ينقدح عنده احتمال الخلاف يصير هذا برهانا عقليّا عنده على رضى الشارع ، أعني أنّه لو لم يرض الشارع لنبّههم بلفظ صريح، لا مثل الإطلاق الذي لا يوجب الاحتمال في حقّهم فضلا عن الظهور.

٧٠٤

في تعارضه مع قاعدة القرعة (١)

اعلم أنّ الأخبار في القرعة وردت على ثلاثة مضامين ، الأوّل أنّها لكلّ أمر مشكل ، والثاني أنّها لكلّ أمر مجهول ، والثالث أنّها لكلّ أمر مشتبه.

ولا يخفى أنّ عنوان المشكل أخصّ من الأخيرين ، إذا الظاهر منه هو الأمر الذي ليس فيه من العقل ولا من الشرع حيلة ولا خلاص ، كالمال المردّد بين اثنين إذا لم يتراضيا على الصلح وكذا تمييز الحقوق المشاعة في مقام القسمة ، وتعيين بعض مفروز من العين لشريك وبعض آخر لشريك آخر ، فإنّه ليس في العقل ولا من النقل من غير دليل القرعة ما يزيل الحيرة.

ولا يخفي أيضا أنّ إجراء حكم المطلق والمقيّد المثبتين لا يجوز في هذا المقام ؛ لأنّه مختصّ بما إذا لم يلزم التقييد بالأكثر أو الكثير كما هو كذلك في المقام ، فإنّه غير جائز ، كما أنّا نعلم من هذه الجهة أيضا بعدم إرادة المعنى الظاهري من العنوانين الأخيرين بهذه الوسعة ؛ لأنّا نقطع بجعل الطرق والأمارات والاصول الشرعيّة في كثير من الشبهات الحكميّة والموضوعيّة بحيث يستلزم خروج تلك الموارد عن هذا العموم بقرينة منفصلة التخصيص المستبشع ولو فرض ورود القرينة قبل زمان العمل ، فإنّ قبحه ليس من جهة الإغراء بالجهل ، بل من جهة أنّ أداء الكلام بصورة العموم ثمّ تضييقه بحيث يبقى تحته واحد واثنان خارج عن قانون المحاورة.

وبالجملة ، فنعلم إجمالا بورود القرينة المتّصلة بصورة القيد ، لا الاستثناء ، فإنّه لا مانع مع القيد عن الإتيان بكلمة «كلّ» ولو كان منحصرا في واحد كما هو واضح ،

__________________

(١) راجع ص ٦٤٠

٧٠٥

وحيث إنّ هذا القيد المتّصل غير معلوم لنا فكلّ مورد نحتمله غير مصداق لذلك القيد فلا جرم يحتاج إلى ضميمة عمل جماعة من الأصحاب يورث عملهم القطع أو الاطمئنان بكون القيد المتّصل منطبقا على المورد.

ولا يتوهّم أنّ العمل حينئذ إنّما يكون بالقطع أو الاطمئنان ، لا بدليل القرعة ؛ إذا الفرض كون عمل الجماعة على التّمسّك بحيث أوجب الاطمئنان على انطباق القيد لا بنفس الحكم ، لكن لا يخفى عليك أنّه يوجب هذا العلم إجمال ذاك العنوانين.

وأمّا عنوان المشكل فهو سالم عن العلم الإجمالى المذكور ، لأنّا لا نعلم بالتخصيص فيه إلّا في مورد الدرهم الودعي ونقتصر على مورده ، ولا يلزم منه محذور ، ولعلّه كان القرينة المتّصلة بسائر الأخبار المشتملة على العنوانين الآخرين أيضا منطبقا مفادا مع هذا العنوان ، فلا نحتاج في العمل بالقرعة في مورد المشكل إلى الجبر بعمل الأصحاب رضوان الله عليهم ، نعم في الزائد عليه نحتاج إليه بالبيان المتقدّم.

* * *

٧٠٦

في تعارضه مع اليد (١)

اعلم أنّ الظاهر من معاملة السيرة وبناء العقلاء كون اليد عندهم أمارة ، ويحكمون معه بالواقع على نحو ما هو شأن الطريق ، لا أنّهم يحكمون ويبنون عملا عند الشكّ.

وأمّا كونه برزخا كما هو الحال في الاستصحاب فلا يتصوّر ؛ لأنّ البرزخيّة من لسان التعبّد وليس البناء والارتكاز أمرا لفظيّا ذا لسان ، فالمتصوّر أحد أمرين ، إمّا معاملة الطريقيّة ، بمعنى أنّهم يحكمون بمفاده في حقّ جميع أهل العالم حتّى المتيقّنين بالخلاف ، وإمّا معاملة الأصليّة ، بمعنى أنّهم يخصّونه بعنوان الشاك فيحكمون بمؤدّاه في حقّ الشّاكين ، والظاهر من معاملاتهم في اليد الدالّة على الملكيّة هو الأوّل.

وهو الظاهر أيضا من رواية حفص بن غياث عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : «قال له رجل : إذا رأيت شيئا في يدي رجل يجوز لي أن أشهد أنّه له؟ قال عليه‌السلام : نعم ، قال الرجل: أشهد أنّه في يده ولا أشهد أنّه له ، فلعلّه لغيره ، فقال أبو عبد الله عليه‌السلام : أفيحلّ الشراء منه؟ قال : نعم فقال أبو عبد الله عليه‌السلام : فلعلّه لغيره ، فمن أين لك أن تشتريه ويصير ملكا لك ثمّ تقول بعد الملك : هو لي ، وتحلف عليه ، ولا يجوز أن تنسبه إلى من صار ملكه من قبله إليك ، ثمّ قال أبو عبد الله عليه‌السلام : لو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق».

فإنّ الظاهر من السؤال والجواب هو التسالم على الأماريّة لا التعبّد عند الشكّ ، ولكنّ السائل توهّم أنّه في مقام الشهادة لا يكفي غير العلم الوجداني ، فردعه الإمام عليه‌السلام عن هذا.

__________________

(١) راجع ص ٦٤١

٧٠٧

والحاصل أنّ هذا الخبر وإن كان ليس بمقام التأسيس ، بل بمقام تقرير ما هو عند العقلاء ، ولكن يظهر منه أنّ ما هو المرسوم عندهم هو معاملة العلم مع اليد ، وقوله عليه‌السلام : لو لم يجز إلخ حكمة لإمضاء الشرع هذه الطريقة.

وبالجملة ، فعلى هذا لا يبقي إشكال في تقديم اليد على الاستصحاب ، مع أنّه لو سلّم كونه أصلا تعبديّا عند العقلاء كان لنا تقديمه على الاستصحاب أيضا من قوله عليه‌السلام : لو لم يجز هذا الخ ، إذ ما من مورد من موارد اليد إلّا ونحن نعلم بسبق ملكيّة الغير ، فلو كان الاستصحاب مقدّما لما كان للمسلمين سوق ، وهذا ممّا لا إشكال فيه.

إنّما الإشكال في ما اسند إلى المشهور من حكمهم بأنّ ذا اليد لو أقرّ بانتقال الملك إليه من المدّعي انتزع العين من يده وصار مدّعيا والمدّعي منكرا ، فإنّه مبنيّ على تقديم الاستصحاب على اليد ، وإلّا لم يكن وجه لما حكموا به ، فإنّ شأن الأمارة إثبات اللوازم والملازمات والملزوم ، فإذا انحصر السبب حسب إقراره في الانتقال من الخصم إليه فاللازم حجيّة هذه بالنسبة إلى هذا المطلب الملازم لملكيّته.

والجواب بأنّ بقاء أماريّة يده لا ينافي مع انقلاب كونه منكرا إلى كونه مدّعيا ـ فإنّ معيار تشخيص العنوانين هو العرف ، ولا يخفى أنّ العرف حاكمون بعد الإقرار المذكور بالقلب ولو كان معه أمارة ـ مدفوع بأنّه ما وجه حكمهم بالانتزاع قبل إقامة البيّنة منه أو صدور الحلف من خصمه.

والذي أفاده شيخنا الاستاد لتصحيح كلام المشهور أن يدّعى أنّ بناء العقلاء على حجيّة اليد واعتباره مقيّد بعدم إقرار صاحبه في مقام المنازعة بالملكيّة السابقة لخصمه ، أو لمورّث خصمه ، أو لمن هو قائم مقامه ، وإلّا سقط يده عن الحجيّة بمحض الاعتراف اللساني المذكور الراجع إلى الاعتراف بأنّه لو لا النقل من ناحيته ، فيده يد غاصبة عادية.

٧٠٨

ولهذا ترى أنّه صار من دأب الخصوم في مجلس المرافعة إذا سألهم خصمهم من أين حصل لك هذا المال؟ يقولون : سقط من السماء وصار ملكي ، فإنّه أيضا فرار من الاعتراف الموجب لبطلان يدهم.

والحاصل أنّه لو اعترف بالنقل من شخص آخر لا يضرّ ، ولو كان معلوما لنا أنّه لو كان مالكا لكان مسبّبا من يد خصمه ، ولكن لم ينطق هو بهذا لسانا لا يضرّ أيضا ، فالمضرّ هو إقراره اللساني لخصمه في مقام المنازعة ، وأمّا سؤال أنّه ما وجه هذا التقييد مع أنّه لا فرق في الكشف والطريقيّة بين ما قبل الاعتراف وما بعده فليس علينا الفحص عنه ، وهل هو إلّا نظير السؤال في عدم حجيّة بعض الظنون مع عدم قصورها في الطريقيّة عن بعض الظنون المعتبرة.

وبالجملة ، فعلى هذا يصير القلب والانتزاع المذكوران على طبق القاعدة ، فإن بطل حسب الفرض وصار كالمعدوم فنرجع إلى الاستصحاب للملكيّة الثابتة بإقراره للخصم ، فهو مدّع وخصمه منكر ، وثبوت العين في يده أيضا على خلاف الاستصحاب.

ثمّ إنّ ما ذكرنا من بطلان اليد بالإقرار بالتلقّي من الخصم أو مورّثه ، أو مورّث من يقوم مقامه إنّما هو مخصوص بما إذا قام المنكر بقباله وأنكر إنكارا جزميّا ، وأمّا إذا لم ينكر وإنّما أظهر الجهل ، فلا يسقط اليد عن الحجيّة أصلا.

ومن هنا يظهر أنّ مطالبة أبي بكر البيّنة من سيّدتنا فاطمة سلام الله عليها كانت على خلاف قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر.

ولا يرد الإشكال بأنّها صلوات الله عليها ادّعت التلقّي ممّن تركته فيء المسلمين على زعمهم الفاسد في مقابل أبي بكر الذي هو وليّهم بزعمهم الكاسد ، فقد أبطلت يدها دعواها هذه وصارت مدّعية والمسلمون منكرين ، وذلك لأنّه لم يقم بقبالها صلوات الله عليها أحد بالدعوى الجازمة بتكذيبها صلوات الله عليها في دعوى النحلة والعطيّة ، وقد قلنا : إنّ بطلان اليد مع عدم إظهار الجزم من الطرف غير صحيح.

٧٠٩

في حاله مع الطرق الشرعيّة

الأعمّ من الأدلّة الاجتهاديّة المعمولة في الأحكام والأمارات المعمولة في الموضوعات(١)، ولا إشكال عند الكلّ في تقديمها عليه ، فضلا عن سائر الاصول العمليّة ، سواء كانت موافقة أم مخالفة.

إنّما الكلام في وجه التقديم ، فالجاري على لسان شيخ الأساتيد وبعض الأساتيد ممّن بعده هو أنّ الوجه حكومة تلك على الاستصحاب وسائر الاصول الشرعيّة ، والذي أفاده شيخنا المذكور قدس‌سره في بيان معنى الحكومة على ما يوجد من كلامه في التعادل والتراجيح هو أن يكون أحد الدليلين بمدلوله اللفظي شارحا ومفسّرا للمراد لمدلول الآخر وبمنزلة «أعني وأي» المفسّرة بالنسبة إليه ، حتّى يلزم كونه لغوا وبلا مورد لو فرض عدم وجود الدليل المحكوم ، كما هو الحال في «أي وأعني» لو لم يتقدّمهما كلام.

وهذا المعنى وإن كان متى تحقّق يورث التقديم ولا يعامل معاملة التعارض من ملاحظة الأظهريّة والنسبة ، بل يقدّم ولو كان الدليل الشارح في لسان الشارحيّة أضعف ظهورا من المحكوم في معناه ، على خلاف بعض الأساتيد حيث اعترض على الشيخ واعتبر كونه في الشرح أظهر ، إلّا أنّ هذا المعنى ليس بضابط ومنطبق على الموارد التي يقولون فيها بالحكومة، مثل دليل لا ضرر ، ودليل لا شكّ لكثير الشكّ ، وأدلّة الطرق بالنسبة إلى أدلّة الشكوك ، لوضوح أنّه لا يلزم خلوّ المورد واللغويّة في شيء ممّا عرفت لو لم تكن الأدلّة التي محكومة لها ، بل يكفيها النظر إلى نفس الأمر.

فكما أنّ مفاد أقيموا الصلاة» إثبات هذا الحكم بالنظر إلى نفس الأمر بدون نظر إلى مرحلة إثبات حكم آخر ، كذلك هذه الأحكام أيضا ناظرة إلى نفس الأمر

__________________

(١) راجع ص ٤٠٦

٧١٠

بدون نظر إلى علم المكلّف وجهله ، وهذا واضح.

فالأحسن في مقام تعيين الضابط اختيار طريق آخر منطبق على هذه الأمثلة ، ولا بدّ أوّلا أن يعلم أنّ مرادنا من أنّ دليل كذا حاكم على دليل كذا أنّه مقدّم بدون رعاية الأظهريّة، بل لو كان مقابله ، أظهر ، وكذا بدون لحاظ النسبة ، فيقدّم ولو كان النسبة عموما من وجه.

وحينئذ نقول : معيار هذا المطلب أن يكون حال الدليلين عند إلقائهما على أذهان العرف بحيث لا يحدث من ملاحظتهما في أذهانهم تناقض وتناف ، سواء كان ذلك من جهة أنّ أحدهما شارح ومفسّر للآخر وبمنزلة «أيّ وأعني» بالنسبة إليه ، فإنّ المعنى المذكور متحقّق معه ، أم كان من جهة أنّ أحد الدليلين متعرّض للحكم على الموضوع الخارجي ، والدليل الآخر للحكم المحمول على تلك القضيّة الاولى من ناحية العقل أو العقلاء.

فالأوّل كما في أدلّة إثبات الجزئيّة والشرطيّة ، حيث إنّ حكم العقل لزوم الاعادة لو أخلّ بالجزء والشرط سهوا ، وليس هذا مفاد الدليل ، فدليل لا تعاد بناء على مذاق الشيخقدس‌سره من عدم تصرّفه في واقع الجزئيّة والشرطيّة متعرّض لنفي هذا الحكم العقلي المحمول على قضيّة : «الستر شرط للصلاة» وأمثالها.

والثاني كما في هذا المثال بناء على القول الآخر ، فإنّ دليل إثبات الشرطيّة ليس مدلولها إلّا جعل الشرطيّة والإيجاب ، وأمّا أنّ هذا المدلول مراد جدّي ، فليس من مدلول هذا الدليل ، بل هو من حكم العقلاء في كلّ قضيّة صادرة من كلّ متكلّم شاعر عاقل ، ودليل لا تعاد مفاده نفي الشرطيّة الجديّة في حال السهو ، فكأنّه قال : أنا متبرّئ من الحكم بجزئيّة وشرطيّة هذا الامور في حال السهو ، ففي كلتا هاتين الصورتين ليس للفظ لسان الشرح ، بل هو ناظر إلى مطلب نفس أمري من غير نظر إلى علم وجهل المكلّف بهذا الحكم أو بغيره أصلا.

ولكنّ المعيار المذكور من عدم إحداث التنافي والتناقض الابتدائي الصوري

٧١١

المتحقّق في مورد التعارض متحقّق ، ولعلّ السرّ في عدم الإحداث أنّ الأصل العقلائي متّبع ما دام لم ينشأ من ناحية المتكلّم خلافه ، وإلّا فلا اعتبار به.

وحاصل الفرق بين الحاكم والمحكوم وبين المطلق والمقيّد أنّ المصادمة هناك في موضوع واحد ، أعني في إكرام الزيد مثلا ، فأكرم العالم يقتضي بعمومه وجوب إكرام الزيد ، ولا تكرم زيدا يقتضي عدمه ، فالمصادمة بين نفس ما هو مفاد القضيتين ابتداء وهو الحكم على الموضوع الخارجي ، وأمّا في الحكومة فالمصادمة ليس بين نفس المفادين ، بل المفاد المطابقي للحاكم مصادم مع الأصل العقلائي الجاري في مفاد المحكوم ، أو مع الحكم العقلي كذلك.

ولا يخفى عدم انتقاض هذا الضابط بالدليلين الذين أحدهما متعرّض للعنوان الأوّلي ، والآخر للثانوي ، مثل دليل حليّة الغنم ، ودليل حرمة الغضب ، وكذا الأدلّة الواقعيّة مع الأدلّة الظاهريّة ، فإنّه لا منافاة بين هذين الدليلين حتّى باللازم أيضا ، وأمّا في الحكومة فعدم التنافي إنّما هو في النظرة الاولى ، وأمّا عند التأمّل فالتنافي ثابت.

وعلى كلّ حال ، هذا الميزان الذي ذكرنا منطبق على جميع الموارد ، فإنّ منها قاعدة لا ضرر مع الأدلّة الواقعيّة ، فنقول : دليل «توضّأ» مثلا ليس مفاده الأوّلي أنّ الوضوء الشيني مراد للشارع جدّا ومحبوب له واقعا ، بل إنّما مفاده الأوّلي جعل الإيجاب بحسب الإنشاء الشامل حتّى لمورد الضرر ، وأصالة الجهة والتطابق بين الجدّ والصورة حاكمة بأنّه مراد في مورد الضرر ، وهذا حكم صادر من العقلاء ، وأمّا لا ضرر فهو حكم من ناحية نفس المتكلّم بأنّه لا يصدر منّي حكم ضرري ولا ينقدح في نفسي وقلبي إرادة ضرريّة ، وهذا المفاد ليس مقابلا للمفاد الأوّلى من القضيّة الاولى ، بل لأصالة جهته.

إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى ما هو المقصود من أنّ وجه تقديم الأدلّة والأمارات على الاستصحاب وسائر الاصول التعبديّة هل هو الحكومة أو الورود ، فاعلم أنّ لازم الحكومة على أيّ معنى فسّرناها تخصيص المحكوم بحسب الواقع بغير مورد

٧١٢

الحاكم ، وعلى هذا فكيف يمكن القول بها في المقام ، فيلزم أن لا يكون «لا تنقض» وسائر أدلّة الشكوك مجعولة واقعا في حقّ من قام عنده دليل معتبر أو أمارة معتبرة.

وهذا وإن كان لا تالي فاسدا له عقلا ولا نقلا ، ولكن من البعيد التزامهم به ، كما أنّه لا تظهر له ثمرة في مقام العمل إلّا ما ربّما يتخيّل من الإجزاء بناء على القول بإجزاء الأمر الظاهري على الورود وعدمه على الحكومة ، لما هو واضح من أنّه على الأوّل يتحقّق امتثال الأمر الظاهري ما لم ينكشف له الطريق المخالف ، وعلى الثاني يتخيّل أنّه امتثله ، وبعد انكشاف الطريق يتبيّن أنّه ما كان هناك أمر ظاهري ، وهو مدفوع بأنّه على الحكومة نتمسّك في مقام الشكّ في الطريق بأصالة العموم في «لا تنقض» ونحوه ، وهو أصل ظاهري ممضى للشارع ، وكفى به حكما شرعيّا ، فيكون حكما ظاهرا في ظاهري.

وعلى كلّ حال لا تظهر في البين ثمرة عمليّة بين القولين ، ولا يترتّب على عدم جريان «لا تنقض» واقعا في مورد الدليل والأمارة الواقعيين خدشة إلّا استبعاد كون الواقع الثانوي حاله أعلى من الواقع الأوّلي ؛ فإنّه بوجوده الواقعي غير مناف مع لا تنقض وشبهه ، والأوّل على هذا مناف ومخصّص.

وبالجملة ، فمع الغضّ عن هذا يرد على الحكومة أنّه لا يتمّ حكومة دليل اعتبار الطريق إلّا بالنظر التنزيلي فيه إلى الشكّ في مورده وجعله بمنزلة العدم ، وهو غير ممكن الاجتماع مع النظر التنزيلي الآخر إلى نفس المؤدّى والمدلول من جعله بمنزلة الواقع ، فكيف يمكن تكفّل إنشاء واحد لهذين التنزيلين حتى نحكم بمقتضى أحدهما بلزوم اتّباع الطريق والمعاملة معه معاملة العلم ، وبمقتضى الآخر بحكومته على الأصل الموجود في مورده.

وهذا نظير الإشكال الذي اورد على قيام الطرق والأمارات مقام العلم المأخوذ جزءا للموضوع على نحو الطريقيّة ، وقد تخلّصنا منه هناك بأنّ المراد من العلم المأخوذ جزء الموضوع هو مطلق الطريق المعتبر.

٧١٣

ونقول على حسبه فى هذا المقام أيضا بأنّ العلم والشكّ المأخوذين في دليل الاصول هو وجود الطريق المعتبر وعدمه ، فمتى ورد دليل معتبر أو أمارة كذلك فى مورده ارتفع موضوعه ، وهذا معنى الورود ، فلا وجه للحكومة.

والعجب من شيخنا المرتضى قدس‌سره حيث إنّه قدس‌سره مع فرض جعل العلم والشّكّ بمعنى الطريق واللاطريق استشكل في تقديم الأمارة والدليل على الاصول بأنّ التحيّر في حدّ ذاته قبل الأخذ بأحدهما محفوظ ، فما وجه الأخذ أوّلا بالأمارة حتّى يتحقّق الورود ، ولم لا يعكس الأمر ، ولا يندفع مغالطة هذا الكلام إلّا بالحكومة.

هذا ما كنّا نورده عليه أعلى الله مقامه في سالف الزمان ، ولكن الآن نقول : كلامه رفع في الخلد أعلامه في غاية المتانة ونهاية الجودة ، ليس فوقه مزيد.

وحاصل تقريبه أنّ كلّ حكم رتّب على عنوان ولو كان عنوان الشكّ فهو حكم واقعى لهذا العنوان ، فلو اخذ في دليل آخر الشكّ في هذا الحكم موضوعا للحكم كان الدليل الأول مقدّما على الثانى بلسان الحكومة ، ولهذا نقول : يتقدّم الأصل في الشك السببي ولو كان قاعدة الطهارة على الأصل في المسبّبى وإن كان هو الاستصحاب ، والأمارة والأصل كلاهما مشتركان في كون جعلهما مخصوصا بالشاك وغير العالم ، وإنّما الفرق باللسان ، فالموضوع في كليهما واحد ، إمّا هو الشّك بمعنى الصفة ، وإمّا هو التحيّر وعدم الطريق ، فإنّه كما لا وجه لجعل الطريق للعالم ، كذلك لا معنى لجعله لذي الطريق.

فإن جعلنا موضوع الأصل والأمارة كليهما هو الشكّ فنقول : الفرق بينهما أنّ الأصل مجعول في موضوع الشكّ مع حفظه ، وأمّا دليل الأمارة فحاله حال الأخبار ، فهو مجعول بغرض رفع الشكّ غاية الأمر تعبّدا لا وجدانا ، كما أنّ الغرض من الخبر رفعه وجدانا ، وهذه فائدة يترتّب عليه طولا ، فكذلك هذا التعبّد في دليل الأمارة يكون طوليّا بالنسبة إلى التعبّد بأصل المدلول ، فيكون هذا وجه حكومة الأمارة والدليل على الأصل على هذا التقدير.

٧١٤

وأمّا إن جعلنا موضوعهما التحيّر وعدم الطريق فنقول حينئذ : وإن كان يتحقّق الورود لو قدّمنا كلّا منهما ومن الأصل فإنّ الموضوع في كلا الطرفين هو المتحيّر ، والحكم في كليهما بلسان الواقع ، ولكنّ الفرق أيضا باللسان المذكور أعني أنّ الأصل لسانه إعطاء الواقع في موضوع التحيّر ، ولكن دليل الأمارة والدليل لسانه إعطاء الواقع بغرض رفع التحيّر ، فهذا اللسان يوجب تقديم هذا الدليل على دليل الأصل وإن كان بعد تقديمه يتحقّق الورود بالنسبة إلى دليل الأصل.

فغرض الشيخ أعلى الله مقامه أنّه لا محيص عن القول بالحكومة ، سواء فسّرنا الشكّ والعلم المأخوذ شرعا في موضوع الاصول والمعتبرين عقلا في أدلّة الأمارات والأدلّة بمعنى الصفة النفسانيّة ، أم فسّرناهما بمعنى التحيّر واللاتحيّر ، فعلى كلّ تقدير يحتاج إلى إثبات الحكومة والنظر التنزيلى المذكور في دليل الأمارة والطريق ، وليس اختيار الثاني تفصّيا عن التزام الحكومة ، كما يظهر من المتوهّم الذي ذكر الشيخ قدس‌سره هذا الكلام في دفع توهّمه.

ثمّ إنّه قد بان ممّا ذكرنا وجه دفع للإشكال المتقدّم في مبحث حجيّة القطع على قيام الأمارات وبعض الاصول مقام العلم المأخوذ جزء الموضوع على نحو الطريقيّة بما مرّت الإشارة إليه ، وقد أجبنا عنه بأنّ مراد الشيخ قدس‌سره من القطع الطريقي جامع الطريق المعتبر.

فاستشكل بأنّه حينئذ تكون الأمارة مصداقا حقيقيّا ، فلا معنى للتعبير بالقيام مقامه الظاهر في كونه تنزيليّا ، إذ بناء على ما مرّ هنا نقول في دفع الإشكال المذكور مع تسليم أنّه ليس بالمراد باليقين الطريقي جامع الطريق أنّ الملحوظ في دليل اعتبار الأمارة أوّلا تنزيل المؤدّى والمفاد منزلة الواقع ، وثانيا وفي الطول تنزيل الظنّ منزلة العلم بالتقريب المتقدّم ، فلا مجال للإشكال.

ثمّ إنّه ذهب المحقّق الخراساني قدس‌سره إلى ورود الأمارات والطرق على الاستصحاب وسائر الاصول العمليّة ، والذي أفاده في تقريب المدّعى يرجع

٧١٥

حاصله إلى أنّ الشكّ الذي هو موضوع الاصول وإن كان محفوظا ، وليس الدليل المعتبر والأمارة كذلك رافعا بوجوده لهذا الموضوع ، لكنّ العنوان الذي وقع تحت النهي ، أعني نقض اليقين بالشكّ ينقلب بعد قيام الدليل والأمارة ، فإنّه لا نقض بعده بالشكّ ، بل يكون بالدليل.

لا يقال : مقتضى قوله عليه‌السلام في بعض أخبار الاستصحاب ، بل تنقضه بيقين آخر إيجاب نقضه باليقين الآخر والدليل المعتبر غير اليقين.

لأنّا نقول : وإن كان لا يقين في مورد الدليل بالعنوان الأوّلي ، لكنّه بالعنوان الثانوي موجود ، فصلاة الجمعة بعنوان ذاتها وإن كان لا نعلم وجوبها ، لكن بعنوان ثانوي وهو كونه ممّا قام عليه خبر العادل بالوجوب واجب قطعا ، فقد تحقّق النقض باليقين ، هذا ملخّص ما أفاده طاب ثراه.

وقد استشكل عليه شيخنا الاستاد دام بقاه بوجوه

الأوّل : أنّ في كلامه طاب ثراه شبة تناقض ، فإنّه أوّلا سلّم وجود المورد للأصل مع قيام الطريق ، ومقتضى ذيل كلامه أنّ الغاية هو القطع ولو ببعض الوجوه ، ومقتضى المقابلة أن يكون المراد بالشكّ ما يقابله ، أعني الشكّ من جميع الوجوه ، وحينئذ لا يبقى في مورد الطريق مورد للأصل ، إلّا أن يقال بأنّ المورد هو الشكّ من بعض الوجوه ، والغاية هو العلم من بعضها أيضا ، وهو خلاف الظاهر.

الثاني : ليس المقصود من قولهم : «لا تنقض الخ» إلّا نقض اليقين في حال الشكّ ، وليس المنظور «بالباء» السببيّة والاستناد ، وإلّا فيلزم جواز النقض استنادا إلى إجابة مؤمن ، وحينئذ فالنقض بالدليل لا يخرج عن كونه نقضا في حال الشكّ ، وإن كان ليس نقضا بسبب الشكّ بل بسبب الدليل.

إن قلت : الكلام متعرّض للحكم من حيث الشكّ ، فلا منافاة له مع العنوان الطاري وقيام الدليل كذلك.

قلت : هذه الدعوى إنّما ينفع في ما إذا قطع بتحقّق عنوان طار ، لا في مثل المقام ممّا

٧١٦

يكون التكلّم في وجه التوفيق بين دليلين كلّ منهما رتّب فيه الحكم على موضوع واحد ، وهو الشاك من جميع الجهات فإن ادّعي الحيثيّة في أحدهما جرت مثلها في الآخر.

الثالث : أنّ عنوان تصديق العادل ليس بما هو موضوعا للوجوب مثل الإحسان لليتيم حتّى يقال : إنّ الفعل بعنوانه الأوّلي وإن كان مشكوك الحكم ، لكن بعنوانه الثانوي مقطوع، وكفى ذلك في مقطوعيّة الاستصحاب وسائر الاصول ، بل سمت ذلك سمت الطريقيّة ، ومعناه كونه عبرة وواسطة لعبور الحكم منه إلى العنوان الأوّلي للفعل ، فالوجوب ثابت لصلاة الجمعة التي أخبر العادل بوجوبها ، غاية الأمر في الرتبة الثانية.

وإذن فكما أنّ الدليل يفيد القطع بوجوبها بعنوانها وجوبا ثانويّا ، كذلك الاستصحاب لو قدّم يفيد القطع بحرمتها بعنوانها حرمة ثانويّة ، فأيّ مزيّة لأحدهما على الاخرى.

والحاصل تارة نقول : الموضوع في الأصل عدم الطريق ، وفي الأمارة القيد الذي يحكم العقل باعتباره صفة الشكّ والترديد ، فلا محيص حينئذ عن الورود ، لكنّ الفرض أنّهما معا متّحدان في أنّ الموضوع فيهما صفة الشكّ من جميع الوجوه مع قطع النظر عن حكم نفسه ، وهذا المعنى في حدّ ذاته متحقّق ، وبالأخذ بكلّ منهما مرتفع حقيقة ، فما وجه الترجيح لدليل الأمارة والطريق على دليل الأصل.

الرابع : عدم تماميّته في الشبهة الموضوعيّة ، فإنّه لا يثبت بالأمارة حقيقية كما كان يثبت الحكم بسببها كذلك ، لا أعني أنّ مرجع الأمارة الموضوعيّة جعل الحكم حتّى لا يصحّ الحكومة أيضا ، ضرورة أنّه يصحّ التعبير بجعل الموضوع بمصححيّة جعل حكمه ، وفائدته الحكومة على أصل حاكم ابتداء بجعل الحكم ، ولكنّ المقصود أنّه لا يتحقّق حقيقة الموضوع الخارجي بالتعبّد بوجوده ، كما هو واضح ، بل هو بعد باق على مشكوكيّة الوجود ، فلا يتحقّق فيها إلّا الحكومة. وقد نقل شيخنا الاستاد دام بقاه أنّه اورد بذلك على المحقّق المذكور في مجلس درسه وبعده ، فاعترف بوروده وأنّه لا محيص في هذا الشبهة عن التزام الحكومة.

٧١٧

في حال الاستصحاب مع سائر الاصول (١)

لا إشكال في وروده على العقليّة منها ، سواء الموافق أم المخالف ، فإن العقاب يكون مقرونا ببيان الوجود أو ببيان العدم من جانب الشارع ، فيخرج عن كونه بلا بيان من طرفه ، وكذلك قاعدة دفع الضرر المحتمل ما دامت لم يكن ترخيص شرعي ، فإنّه معه لا يحتمل الضرر ، وكذلك لم يكن أمر شرعي ، فإنّه موضوع لوجوب الإطاعة ، وكذلك قاعدة التخيير العقلي إنّما يكون إذا لم يرد من الشارع حكم بتخيير أو ترجيح ، وإلّا فلا حكومة للعقل ؛ إذ لا حيرة مع الاطّلاع على حكم الشرع.

إنّما الكلام في تقديمه على الاصول التعبّديّة الشرعيّة مثل أصالة الحلّ المأخوذة من قولهعليه‌السلام : «كلّ شيء مطلق حتّى يرد فيه نهي» ومثل أصالة الطهارة.

والذي أفاده شيخنا المرتضى قدس‌سره في هذا المقام أنّ الاستصحاب معمّم للنهي السابق بالنسبة إلى أزمنة الشكّ ، مثلا إذا شككنا في حكم العصير بعد صيرورة العنب زبيبا ، فهذا الموضوع مشمول لكلتا القاعدتين ؛ لأنّه شيء مشكوك الحليّة والحرمة ، وكذلك الطهارة والنجاسة ، ولكنّ الاستصحاب يعمّم وينزّل قول الشارع : «اجتنب عن العصير العنبي» منزلة كونه مطلقا وعامّا بالنسبة إلى حال طروّ الزبيبيّة ، وهذا معنى الحكومة.

وربّما يستشكل عليه طاب ثراه بأنّه إن جعلنا اليقين في قوله عليه‌السلام : «لا تنقض اليقين الخ» بمعناه ولم نفسّره بالمتيقّن كما فعله شيخنا المذكور ، ولهذا قوّى قول المحقّق الخوانساري طاب ثراه باختصاص الحجيّة بالشكّ في الرافع ، كان لما ذكره وجه ؛ لأنّه ناظر إلى آثار اليقين من حيث إنّه طريق ، وهو وإن كان مفاده الأوّلي ترتيب آثار المتيقّن بهذا اللسان ، ولكنّه بغرض التعبّد بحصول اليقين وإثبات آثاره من حيث الطريقيّة أعني الغائيّة للأصل ورافعيّة حكمه ، فهذا التعبّد يكون في طول

__________________

(١) راجع ص ٤١٦

٧١٨

التعبّد الأوّل ، وأمّا سائر الاصول فليس مفادها إلّا إثبات نفس الواقع من غير نفى واثبات في موضوع اليقين.

وأمّا إذا حملناه على المتيقّن فهو والاصول سواء حينئذ من حيث النظر إلى نفس الواقع ، فهذا تعبّد بالحرمة أو النجاسة مثلا ، وهما تعبّد بالحليّة والطهارة ، فأيّ ترجيح لأحدهما على الآخر.

لكن يمكن دفعه بأنّه على الثاني ناظر إلى الشكّ وإلى إصلاح معارضته في مقام التأثير مع المتيقّن ، فإنّه فرض اجتماعهما في موضوع واحد ؛ إذ المفروض إلغاء خصوصيّة الزمان ، وبعد هذا الاجتماع والتعارض في التأثير حكم بترجيح جانب المتيقّن وإلغاء الشكّ ، فيكون له لسان الحكومة على سائر الاصول ، ويتحقّق له مقام البرزخيّة بين الأصل والأمارة ، فإنّ دليل الأمارة لسانه جعل الحكم بغرض رفع الشكّ ، والأصل لسانه جعل الحكم في موضوع الشكّ ومع حفظه ، وأمّا الاستصحاب فالشكّ معه محفوظ ، ولكنّه يفيد أنّه بلا حكم ، وإن كان هذا حكما أيضا ، لكن تعبيره هكذا يوجب حكومته على الأصل ، فإنّه قد حكم على موضوع الشكّ بلسان أنّه موضوع وله حكم.

وأمّا الاستصحاب فلسانه أنّه لا قابليّة له بإعطاء الحكم في مقابل اليقين ، ولا اعتناء بشأنه في جنبه ، فليس لسانه رفع الشكّ وجودا ، كما في الأمارة ، ولا لسانه إعطاء الحكم للشكّ كما في الأصل ، بل لسانه نفي الحكم عن الشكّ ، كما في قوله عليه‌السلام : لا شكّ لكثير الشكّ ، وهذا معنى برزخيّته وتقدّمه على سائر الاصول ، ولعلّ هذا مراد شيخنا المرتضى طاب ثراه.

وحاصل المقام أنّ الاستصحاب وأصل الإباحة وإن كانا بحسب اللبّ شيئا واحدا ؛ فإنّ الأوّل جعل الحكم المماثل مثلا في موضوع الشكّ ، وهذا جعل حكم الحليّة في موضوع الشكّ أيضا ، إلّا أنّ الفرق في اللسان وصورة الأداء اللفظي ، فالثاني إعطاء الحكم للشكّ والأوّل عدم الاعتناء بالشكّ الموجود في مقابل اليقين ، فهما مفارقان لدليل الأمارة في أنّه بلسان «لا ينبغي الشكّ» كما في قوله عليه‌السلام :

٧١٩

لا عذر لأحد من موالينا التشكيك الخ ، وهذان حكمان في موضوع الشكّ الموجود ، أمّا القاعدة فواضح ، وأمّا الاستصحاب فلأنّ المفروض فيه اجتماع اليقين مع الشكّ والحكم بعدم نقض أحد هذين المجتمعين في الوجود وهو اليقين بالآخر ، فمن هذا الحيث أعني لحاظ وجود الشكّ يفارق الأمارة ، حيث كان الملحوظ فيه رفع الشكّ ، ومن حيث إنّ الحكم فيه وإن كان لبّا جعل المماثل ، إلّا أنّه بلسان شكّك ليس بشكّ أو ليس له حكم يفارق القاعدة.

فإن قلت : بل الملحوظ في الاستصحاب تنزيل المشكوك منزلة المتيقّن ، وأمّا تنزيل الشكّ منزلة اليقين فيحتاج إلى لحاظ وإنشاء آخر لا يكفيه اللحاظ الأوّل ، والعبارة وإن كان بصورة «لا تعمل بشكّك في مقابل اليقين» لكنّ المقصود منه عدم التوقّف في ترتيب آثار اليقين ، وأين هو من التعبّد بعدم ترتيب الآثار المرتّبة على الشكّ شرعا.

قلت : إن كان مرجع دعواك أنّه لا يستفاد من العبارة إلّا الأمر بالاعتناء باليقين ، وأمّا عدم الاعتناء بالشكّ فلا يستفاد منه ، فهو خلاف الظاهر من الكلام ، فإنّ ذكر الشكّ في مقابل اليقين والنهي عن نقض الثاني بالأوّل مستلزم بالتزام البيّن بالمعنى الأخصّ لمفاد قولنا : لا تعتن بالشكّ ، وطرحه في مقابل اليقين ، لا أنّه خصوص مفاد قولنا : اعمل باليقين في مقابل الشكّ.

وإن كان مرجعها إلى أنّه وإن كان يستفاد القضيّتان بطريق المطابقة والالتزام ، إلّا أنّه لا يلزم منه الحكومة على أدلّة الشكوك إلّا بالنظر إلى مفادها اللفظي بنظر الشارحيّة الموجودة في أعنى وأمثاله.

ففيه ما مرّ سابقا من عدم الاحتياج في الحكومة إلى ذلك ، فنحن نفرض أنّ القائل من الابتداء تكلّم بمفاد قولنا : لا تعتن بالشكّ في مقابل اليقين ، أو لا شكّ لمن اجتمع له شكّ مع اليقين ، فهل يتوقّف حينئذ عن الحكومة ، وأيّ فرق بينه وبين قوله عليه‌السلام : لا شكّ لكثير الشكّ ، فإنّه أيضا وإن كان لبّا بمقام جعل الحكم بالبناء على وجود المشكوك ، إلّا أن يضرّ ، فالبناء على العدم ، ولكنّه لمّا كان بلسان

٧٢٠