أصول الفقه - ج ٢

آية الله الشيخ محمد علي الأراكي

أصول الفقه - ج ٢

المؤلف:

آية الله الشيخ محمد علي الأراكي


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسه در راه حق
الطبعة: ٠
الصفحات: ٧٥٢
  الجزء ١   الجزء ٢
  نسخة غير مصححة

الأمر التاسع : فى استصحاب حكم الخاص (١)

لا شبهة في أنّ جريان الاستصحاب مخصوص بما إذا لم يكن في البين عموم أو إطلاق يرفع الشكّ نفيا أو إثباتا ، فإنّ الحاجة إلى الأصل إنّما هي بعد اليأس عن الدليل ، فلا يرجع إليه مع وجود الدليل ، وإنّما الكلام في بعض الموارد في أنّه موضع الرجوع إلى العامّ ، أو موضع الاستصحاب ، وهو ما إذا كان في البين عموم استغراقي ، وخرج منه فرد في زمان ، فشكّ في حكم هذا الفرد في ما بعد هذا الزمان ، كما إذا ورد : أكرم العلماء ، وخرج منه زيد العالم في يوم الجمعة ، فشكّ في وجوب إكرامه وعدمه في يوم السبت ، فهل يرجع فيه إلى عموم العام أو إلى استصحاب حكم الخاص؟.

تحرير الكلام في المقام أن يقال : إنّ العموم الأزماني تارة يلاحظ على وجه العموم الاستغراقي ، فيفرض الزمان متعدّدا بتعدّد أجزائه ، فيفرض كلّ جزء منه موضوعا مستقلّا ، وهذا على قسمين ، الأوّل : أن يلاحظ تلك الأجزاء الملحوظ على وجه الاستقلال في عرض أفراد العموم الأفرادي ، فيصير كلّ فردا فردا بعدد تلك الأجزاء ، فيكون مفاد قوله : أكرم العلماء كلّ يوم على هذا ، أكرم زيدا الكائن في يوم الجمعة وزيدا الكائن في يوم السبت ، وهكذا بالنسبة إلى سائر الأفراد وسائر الأزمان ، وحينئذ يكون الزمان قيدا مفرّدا مكثّرا لأفراد الموضوع.

والثاني : أن يلاحظ تلك الأجزاء في طول أفراد العموم الأفرادي وظرفا للحكم ، فيكون مفاد قوله : أكرم العلماء كلّ يوم ، على هذا : أكرم زيدا كلّ يوم وعمروا كلّ يوم ، وهكذا بالنسبة إلى سائر الأفراد ، فالزيد على هذا فرد واحد في تمام الأيّام.

__________________

(١) راجع ص ٦٠٢ وص ٥٧٣

٣٦١

فالقضيّة في الصورة الاولى مشتملة على عموم واحد أفرادى ، وفي الصورة الثانية على عمومين ، أحدهما أفرادى والآخر أزماني ، والثاني في طول الأوّل ، وكيف كان فلا إشكال في الرجوع إلى العموم في كلتا الصورتين فيما إذا خرج فرد في زمان وشكّ فيه فيما بعد هذا الزمان ، نعم لو سقط العموم عن الاستدلال بجهة من الجهات قال شيخنا المرتضى : لا مورد للاستصحاب ؛ لأنّه إسراء الحكم من موضوع إلى موضوع آخر.

وفيه أوّلا عدم تماميّته في الصورة الثانية ؛ لما فرضنا من أنّ وحدة الموضوع لا ينثلم بتعدّد الأزمان ، وثانيا أنّ المعيار في موضوع هذا الاستصحاب ملاحظة دليل الخاص لا العامّ ، فإن اخذ الزمان في دليل الخاص على الوجه الأوّل لا يجوز الاستصحاب سواء اخذ في دليل العام على الوجه الأوّل أم الثاني ، وإن اخذ في دليل الخاص على الوجه الثاني يجوز الاستصحاب من غير فرق بينهما أيضا ، هذا كلّه لو بنينا في موضوع الاستصحاب على الموضوع الدليلى.

ولو بنينا على الموضوع العرفي كما هو الحقّ ، فيمكن إحراز وحدته عرفا ولو في ما إذا اخذ الزمان قيدا مفردا في كلّ من العام والخاص كما هو واضح.

واخرى يلاحظ العموم الزماني على وجه الاستمرار ، فيفرض الزمان شيئا واحدا مستمرّا ، وهذا في القضايا التي لم يتعرّض فيها للزمان رأسا ، كما في «أوفوا بالعقود» فإنّه إمّا أن يحمل هذا القضايا على إرادة زمان ما ، وهو غير مراد قطعا ؛ للزوم اللغويّة ، وإمّا أن يحمل على زمان معيّن ويدفعه مقدّمات الحكمة ، وحيث إنّ الزمان بحسب طبعه أمر واحد مستمرّ وإنّما يتقطّع ويتجزّى بسبب فرض الفارض ، فلهذا ينزّل الإطلاق بدليل الحكمة على الاستمرار دون الاستغراق ؛ لأنّ الاستغراق هو المحتاج إلى المئونة دون الاستمرار.

وقد يصرّح بهذا المعنى أي الاستمرار في اللفظ كما يقال : أكرم العلماء دائما ، وكيف كان فقد يقال في هذه الصورة أيضا بتعيّن الرجوع إلى العموم بتقريب أنّ معيار الرجوع إلى العموم هو الظهور اللفظي ودخول مورد الشكّ تحت مدلول

٣٦٢

اللفظ بنظره اللفظي ، وهذا معنى أصالة عدم التخصيص وأصالة الإطلاق وأصالة الحقيقة ، ولا شبهة أنّ العام في هذه الصورة ناظر إلى جميع الأوقات ، غاية الأمر بنظر وحدانى لا بلحاظات عديدة ، ولا يفرق الحال في التمسّك لمورد الشكّ بالعموم بين كونه ملحوظا بالاستقلال أو بالتبع ، ومجرّد عدم لزوم زيادة التخصيص من خروجه في الثاني دون الأوّل لا يوجب عدم التمسّك في الثاني.

ألا ترى أنّه لو قيل : أكرم مجموع العلماء فخرج البعض نتمسّك للبعض الآخر بهذا العموم ، مع عدم كونه ملحوظا بالاستقلال ، بل بالتبع وفي ضمن المجموع ، وأيضا نقول : الأصل عدم خروج الزائد عن القدر المعلوم وإن كان هذا الزائد على تقدير خروجه خارجا مع القدر المعلوم بعنوان واحد ؛ إذ لا يفرق في جريان هذا الأصل بين كيفيّات الخروج وأنّه كان بإخراج واحد أو بإخراجين كان الخارج ملحوظا بالاستقلال أو بالتبع ، بل المعيار في جريانه كون الخارج قليلا أو كثيرا.

والحقّ هو الرجوع إلى الاستصحاب وفاقا لمؤسّسة شيخنا المرتضى والأساتيد من بعده، وتقريبه أنّه قد يلاحظ الزمان في العموم ويفرض له الأجزاء ويلاحظ أجزائه في عرض واحد ، وهذا على ثلاثة أنحاء.

الأوّل : أن يلاحظ تلك الأجزاء على وجه العموم الاستغراقي وكانت مفرّدة لأفراد العموم الأفرادي ، والثاني : أن يلاحظ على وجه العموم الاستغراقي وكانت ظرفا للحكم ، والثالث : أن يلاحظ على وجه العموم المجموعي ، ولا إشكال في الرجوع إلى العموم في الأوّلين ، وكذا في الثالث ؛ إذ لو خرج واحد من الأجزاء ينصرف المجموع إلى الباقي ، والفرق بينه وبين الأوّلين أنّ كلّ جزء ملحوظ فيه بالتبع ، وفيهما بالاستقلال.

وقد لا يلاحظ المتكلّم الزمان أصلا ، بل فعله جعل حكم على موضوع ذي أفراد ، غاية الأمر نستكشف بمقدّمات الحكمة أنّ ما أفاده لفظة تمام مقصوده ، مثلا لو قال : أكرم الرجل ، نقول بمقدّمات الحكمة : إنّه لا دخل في مطلبه إلّا لإكرام الرجل فينتشر قهرا بين الأسود والأبيض والزيد والعمرو والقصير والطويل ، و

٣٦٣

غير ذلك ، لا أنّ المتكلّم لاحظ العموم بالنسبة إلى هذه الحالات والأفراد ، فالحاصل من قبله ليس إلّا عدم لحاظ القيد ، فينتج ذلك في بعض المقامات العموم البدلي كما في المثال ، وفي بعضها العموم الاستغراقي في أحلّ الله البيع ، وفي ما نحن فيه شيئا آخر.

بيانه أنّ العموم الأفرادي هنا محفوظ بالفرض ، فيشمل لفظ العلماء في قوله : أكرم العلماء ، زيدا ، فيتعلّق به حكم وجوب الإكرام ، وحيث إنّ الزيد أمر واحد ذو بقاء ، والزمان أيضا أمر واحد ذو بقاء ، فإذا لم يلاحظ المتكلّم سوى جعل العلاقة بين وجوب الإكرام وبين الزيد فلازمه قهرا استمرار الوجوب باستمرار الزيد واستمرار الزمان ، وليس في هذا ملاحظة أجزاء الزمان أصلا لا تبعا ولا استقلالا ، والاستمرار أمر وحداني ذو امتداد وطول ، فاذا ارتفعت العلاقة المذكورة في زمان ارتفع هذا المعنى الوحداني الذي هو الاستمرار من البين ، ووجود الحكم في الزمان الثاني ليس محقّقا للاستمرار أمر وحداني ذو امتداد وطول ، فإذا ارتفعت العلاقة المذكورة في زمان ارتفع هذا المعنى الوحداني الذي هو الاستمرار من البين ، ووجود الحكم في الزمان الثاني ليس محقّقا للاستمرار ، بل لحدوث العلاقة وتجدّدها ، وهذا معنى عدم زيادة التخصيص ونقصانه بوجود الحكم في الزمان الثاني وعدمه.

وهكذا الكلام في ما إذا قال : أكرم العلماء دائما إذا لم يكن الملحوظ مجموع الأزمنة بحيث كانت الأجزاء ملحوظة في عرض واحد بلحاظ واحد ، بل كان الملحوظ هو المعنى الوحداني الطولاني الذي هو الاستمرار والدوام ، ونظير البقاء والاستمرار هنا البقاء والاستمرار في باب الاستصحاب ، حيث إنّه لو انقطع بحدوث اليقين لا يعود بعد ذلك بعود الشكّ.

ثمّ إنّ بعض أساطين العصر حمل كلام شيخنا المرتضى قدس‌سره في هذا المقام على كون الاستمرار قيدا للفعل ، بمعنى أنّ الواجب أمر واحد مستمرّ ، مثل إكرام زيد مستمرّا ، فليس في البين إلّا طاعة واحدة ومعصية واحدة ، وهذا خطاء ،

٣٦٤

بل مراده قدس‌سره كون الاستمرار وصفا للوجوب ، فإكرام زيد واجب مستمرّا بمعنى أنّ وجوب الإكرام يلازمه ولا ينفكّ عنه ، فكلّ زمان كان الزيد موجودا فمقتضى الوجوب الملازم له كون إكرامه في هذا الزمان موردا للإطاعة والمعصية ، والحاصل أنّ المراد استمرار الوجوب ، لا وجوب الاستمرار ، كما أنّ هذا هو الحال في البقاء في باب الاستصحاب.

وليعلم أنّ ما ذكرنا من الرجوع إلى الاستصحاب إنّما هو في ما إذا لم يكن خروج الفرد في زمان من باب تغيير العنوان ، وإلّا فلا إشكال في أنّه لو عاد إلى العنوان الأوّل لا يستصحب حكم العنوان الثاني ، بل يرجع إلى حكم العنوان الأوّل ، فلو صار الحاضر مسافرا ثمّ صار حاضرا لا يستصحب حكم المسافر ، بل يرجع إلى حكم الحاضر ، فالاستصحاب مخصوص بما إذا كان المتحقّق مجرد إخراج الفرد في زمان كإخراج زيد يوم الجمعة من دون أن يكون في البين تصنيف الموضوع إلى عنوانين.

بقي هنا شيء ينبغي التنبيه عليه ، وهو أنّه قد قلنا : إنّ المتكلّم لا يلاحظ الزمان أصلا ، لا بفرض الأجزاء له وملاحظة كلّ واحد على وجه الاستقلال إمّا بنحو التفريد وإمّا بنحو الظرفيّة ، ولا بفرض الأجزاء له وملاحظة المجموع بلحاظ واحد حتّى يكون كلّ واحد ملحوظا بالتبع ، بل ولا بنحو الاستمرار ، وإنّما يتكلّم بقضيّة كليّة ومفادها ليس بأزيد من استيعاب الحكم لجميع الأفراد ، وهذا يتحقّق بثبوته في كلّ فرد في زمان ما ولا يستدعي الاستمرار ، ومقدّمات الحكمة لا تفيد لحاظ المتكلّم للإطلاق ، فإنّ وجه الأخذ بالإطلاق في قبال التقييد كونه أخفّ مئونة من التقييد ، فإذا كان هو أيضا محتاجا إلى اللحاظ كان كالتقييد ، بل مفادها عدم لحاظ غير مؤدّى اللفظ وأنّ ما أعطاه المتكلّم لفظا فغيره غير دخيل لبّا ، فإذا كان ما في الواقع واللبّ منحصرا في جعل وجوب الإكرام في كلّ فرد من العالم فمعناه عدم مدخليّة زمان خاص ، وحيث انّ زمانا ما أيضا يوجب اللغويّة فلازم ذلك أن يدوم الحكم بدوام الفرد ، لا أنّ المتكلّم لاحظ الدوام.

٣٦٥

ثمّ الدوام المستفاد من المقدّمات أمر وحداني ، فكما أنّ الفرد أمر وحداني ولا يصير بدوامه أفرادا متعدّدة ، كذلك الحكم اللاصق به بتلك المقدّمات أيضا أمر وحدانى ، ولا يصير بالدوام أحكاما عديدة وإن كان مع ذلك يقتضي امتثالات عديدة ، وقد تقدّم تصويره.

ثمّ قلنا : إنّه بعد تمام هذه الشروط لا بدّ من ملاحظة المخصّص ، فإن كان مفيدا لتقييد العام بغير عنوانه كما في «لا تكرم فسّاق العلماء» حيث يوجب تقييد إكرام العلماء بغير الفسّاق يتعيّن العمل بالعام في ما بعد انقضاء زمن الخاص ، فلو صار الفرد مصداقا لغير الفاسق ثمّ صار في زمان مصداقا للفاسق ، ثمّ خرج عنه في ما بعد هذا الزمان وصار مصداقا لغير الفاسق يلحقه في كلّ زمان حكم ما كان مصداقا له ، وإن كان مفيدا لمحض التخصيص من دون إعطاء عنوان أصلا ، كما لو قام الإجماع في يوم الجمعة على عدم وجوب إكرام زيد وكان المتيقّن منه هذا اليوم فها هنا يرجع بعد انقضاء زمن الخاص إلى استصحاب حكمه.

وعلى هذا فربّما يخدش في ما يقال في هذا المقام من التفصيل بين منقطع الأوّل أو الآخر ، وبين منقطع الوسط بالعمل بالعام في الأوّلين ، وبالاستصحاب في الأخير.

فيقال : إن كان وجه العمل بالعموم في الأوّلين إرجاع التخصيص إلى تقييد العام ثمّ إجراء أصالة عدم زيادة التقييد كما إذا قيل بانقسام العقد مثلا إلى الكائن في المجلس وغير الكائن فيه فلا بدّ أن يقال بمثله في منقطع الوسط ، فيقال : إنّ العقد مثلا منقسم إلى الكائن في أوّل أزمنة الاطّلاع على الغبن وغير الكائن فيه.

وإن لم يكن وجه العمل هو التقييد فنقول : هنا ظهوران ، ظهور العام في شمول هذا الفرد الذي خرج في أوّل زمان وجوده أو في آخره ، وظهور الإطلاق الحاصل من المقدّمات في ملازمة الحكم لهذا الفرد ، وعدم انفكاكه عنه من أوّل زمان وجوده إلى آخر عمره ، ولا يخفي عدم إمكان حفظ الظهورين معا ، وحينئذ فإن رفعنا اليد عن

٣٦٦

الأوّل وقلنا : هذا الفرد خارج عن العموم رأسا ، أو رفعنا اليد عن الثاني وقلنا : إنّه داخل في العموم ولكنّ الاستمرار الذي أفاده مقدّمات الحكمة قد انكشف خلافه في خصوص هذا الفرد ، فليس أحدهما بأولى من الآخر ؛ لظهور أنّ الأوّل أيضا ليس فيه إلّا مخالفة ظهور واحد.

ولو سلّمنا ترجيح الظهور الأوّل على الثاني لكونه لفظيّا والثاني إطلاقيّا ، لكن نقول : ما المانع عن الاستصحاب هنا ، فإن كان هو ظهور العموم في شمول هذا الفرد فقد عرفت عدم استدعائه للاستمرار ، وصدقه بثبوت الحكم في الفرد في زمان ما ولو في أواخر أزمنة وجوده ، وإن كان هو الظهور الحاصل من المقدّمات فقد عرفت أنّه دلالة واحدة ومدلول واحد وهو الاستمرار من أوّل وجود الفرد إلى آخر عمره ، وهو مقطوع الخلاف ، ولا يفرق الحال بعد ارتفاع ذلك بين ثبوت الاستمرار في بعض أزمنة الوجود وعدمه.

فإن قلت : ثبوته في بعض الأزمنة مقتضى المقدّمات.

قلت : فيلزم النظر إلى قطعات الزمان ووجود الدلالات العديدة على حسبها ، وهو خلاف الفرض مع أنّه إن قلت بذلك فلم لا تقول به في منقطع الوسط؟.

ويمكن دفع الخدشة بأنّ مفاد المقدّمات هو عدم انفكاك الحكم عن الفرد مهما أمكن ، فإن أمكن فمن أوّل أزمنة وجوده ، وإلّا فمن الثاني ، وإلّا فمن الثالث وهكذا ، وليس مفادها تعيين المبدا في شيء منها ، وإنّما يتعيّن في واحد منها بواسطة وجود الدليل المخالف وعدمه ، ولا إشكال أنّ مقتضى ذلك هو الاقتصار على القدر المتيقّن من دليل الخاصّ إذا كان في أوّل ازمنة الوجود أو في أواخرها ، والرجوع في غيره إلى مقتضى المقدّمات من دون حاجة إلى إثبات دلالتين لها ، وهذا بخلاف ما إذا كان دليل الخاص في الأثناء ، فإنّه ينقطع بذلك نظام الاستمرار ، فإثبات الحكم بعده يحتاج إلى دلالة اخرى.

فإن قلت : لم لا تجعل مبدأ الاستمرار في منقطع الوسط ما بعد زمن المخصّص ،

٣٦٧

وتجعله أوّل زمان الوجود؟

قلت : وجهه أنّ جعل المبدا في ما بعد زمن المخصّص يحتاج إلى لحاظ مستقلّ ، وجعله في أوّل الوجود لا يحتاج إليه.

فإن قلت : هذا مسلّم فيما إذا كان الفرد من أوّل وجوده داخلا ، وأمّا لو علم بخروجه من أوّل وجوده فينكشف خطاء ما فهمناه من المقدّمات من عدم دخل شيء آخر ، فيتبيّن أنّ لشيء آخر أيضا دخلا ، وبعد ذلك فإثبات غير ما فهمناه يحتاج إلى دلالة اخرى ، هذا حال الإطلاق ، وأمّا العموم الأفرادي فقد عرفت عدم استدعائه إلّا الدخول في زمان ما ولو في آخر أزمنة الوجود.

قلت : هذا تفكيك وتقطيع قهري حاصل من وجود المقيّد في بعض من الزمان ، وليس من مفاد المقدّمات حتى يكون من باب تعدّد اللحاظ.

فإن قلت : سلّمنا ، ولكن إجراء الإطلاق فرع شمول العموم ، والمفروض عدم دلالة العموم على تعيين زمان الدخول في هذا الزمان ، فيمكن أن يكون شمول العموم في زمان ما من آخر أزمنة الوجود ، فلا يبقى للمقدّمات محلّ.

قلت : الفرد غير خارج عن العموم ، وإنّما يخرج عن العموم لو انتفى عنه الحكم في جميع أزمنة وجوده ، وحينئذ فالظهور الإطلاقي لو سقط عن الحجيّة بالنسبة إلى الزمان الأوّل لوجود المقيّد ، فحجيّته بالنسبة إلى الزمان الثاني محفوظة ، وذلك لما تقرّر في محلّه من أنّ المطلق المقيّد بمقيّد منفصل حجّة في الباقي.

فإن قلت : فلم لا تقول بذلك أعني حجيّة الظهور الإطلاقي بالنسبة إلى ما بعد زمان المقيّد في منقطع الوسط؟.

قلت : الوجه أنّه قد سبق الحكم بالاستمرار هناك ولم يسبق الحكم به بعد هنا.

فإن قلت : فما المعيّن لمبدا الاستمرار في هذا الزمان الذي يكون بعد المقيّد الواقع في أوّل الوجود ، مع أنّه ليس في العموم الأفرادي ولا في المقدّمات دلالة على تعيين المبدا.

قلت : المعيّن عدم وجود المقيّد فيه.

٣٦٨

ذيل الأمر الثامن (١)

قد تقدّم حكم الحادثين غير المعلوم سابقهما ولا حقهما بالنسبة إلى استصحاب العدم الأزلي بكلا قسميه ، أعني ما كان بالقياس إلى الأجزاء السابقة من الزمان وما كان بالقياس إلى زمان الحادث الآخر ، وبقي الكلام فيهما من حيث استصحاب البقاء فيما إذا كانا متضادّين وكان وجود أحدهما رافعا للآخر ، فإنّه يشكّ حينئذ في بقاء كلّ منهما في الزمان الثالث ، كما لو علم بحدوث واحد من الطهارة والحدث لا على التعيين في زمان ، وبحدوث الآخر في الزمان الثاني ؛ فإنّه يقطع في الزمان الثالث بحدوث كلّ واحد من الحدث والطهارة سابقا على هذا الزمان مردّدا بين الزمانين ، ويشكّ في بقائه في نفس هذا الزمان.

فهل يجري استصحاب البقاء في كلّ منهما ويتعارضان ، أو لا يجري الاستصحاب أصلا؟ قد يقال بعدم الجريان من جهة عدم إحراز اتّصال زمان الشكّ بزمان اليقين ؛ لأنّ كلّا من الطهارة والحدث في المثال لو كان حادثا في الزمان الأوّل فالزمان الثاني فاصل بين زمان يقينه الذي هو الزمان الأوّل ، وزمان شكّه الذي هو الزمان الثالث.

ويقال في وجه اعتبار إحراز الاتّصال بأنّه مع القطع بانفصال زمان الشكّ عن زمان اليقين بزمان اليقين بالخلاف ، فالمقام بالنسبة إلى اليقين الأوّل يكون من

__________________

(١) راجع ص ٥٦٠ وص ٦٠٧.

٣٦٩

موارد «انقض» ، لا من موارد «لا تنقض» كما هو واضح ، فمع الشكّ وتردّد الأمر بين الاتّصال والانفصال يكون المقام من باب الشبهة المصداقيّة لحكم انقض ولا تنقض.

أقول : يمكن تقريب عدم الجريان بوجه أوضح وهو أنّا لو علمنا بحدوث الأخير من الطهارة والحدث في أوّل الزوال ، فنفس هذا الزمان يكون زمان اليقين بكلّ من الطهارة والحدث ، ولا يقين بهما معا في السابق على هذا الآن ؛ إذ يكون الأمر في كلّ منهما مردّدا بين الحدوث في هذا الآن والارتفاع فيه.

وأمّا الآن الثاني بعد هذا الزمان فاليقين السابق والشكّ اللاحق وإن كانا حاصلين فيه بالنسبة إلى كلّ من الطهارة والحدث ، ولكنّ الشكّ في هذا الآن متعلّق ببقاء كلّ منهما في هذا الآن وعدمه من الآن الأوّل ، ولا يحتمل ارتفاع شيء منهما في هذا الآن ، ويعتبر في صدق لا تنقض اليقين بالشك أن يكون زمان الشكّ محلّا لاحتمال بقاء المستصحب وارتفاعه ، لا لبقائه وعدمه من السابق.

وبعبارة اخرى : لا بدّ أن يكون زمان الشكّ زمانا صالحا لأن يضاف إلى الوجود المعلوم للمستصحب ، لا أن يعيّن محلّ الوجود المعلوم للمستصحب في قطعة خاصة من الزمان ، والمقام من قبيل الثاني ، فوجود كلّ من الطهارة والحدث في الآن الثاني بعد الزوال مقطوع في آنين ، وبقاء كلّ منهما مقطوع في آن واحد ، والاستصحاب يعيّن آن بقائهما المعلوم في الآن الثاني بعد الزوال ، لا أن يضيفه إلى آن بقائهما المعلوم ، فإنّ آن أوّل الزوال مقطوع كونه آن الحدوث لا آن البقاء.

وبعبارة ثالثة : لو فرض بدل التشريع تكوين بقاء كلّ منهما في الزمان الثاني من الزوال فمن الواضح عدم إمكانه.

* * *

٣٧٠

الأمر العاشر (١)

يعتبر في جريان الاستصحاب أمران :

الأوّل : بقاء الموضوع ، والمراد به اتّحاد الموضوع في القضيّة المتيقّنة والمشكوكة حتى يتحقّق اتّحاد متعلّق اليقين والشكّ المستفاد من أدلّة الاستصحاب ، وهذا لا إشكال فيه ، وإنّما الإشكال في أنّه يعتبر إحراز الوجود الخارجي للموضوع أو لا؟.

التحقيق أنّ موضوعا ومحمولا واحدين كالزيد والقيام يمكن تركيب القضايا المختلفة منهما ، ويختلف الحال بحسب جعل كلّ واحد منها موضوعا للحكم.

الأوّل : أن تركّب القضيّة على نحو مفاد كان التامّة كأن يقال : قيام زيد متى تحقّق يجب صلاة ركعتين ، أو ربط القيام بزيد متى تحقق فافعل كذا ، والثاني : أن تركّب على نحو مفاد كان الناقصة كأن يقال : زيد إن كان قائما فصلّ ركعتين ، والثالث : أن يركّب السالبة على نحو يلائم مع وجود الموضوع وانتفائه كأن يقال : إذا كان ليس زيد بقائم فصلّ ركعتين ، والرابع : أن تركّب السالبة على نحو كان الموضوع مفروغ الوجود ، كأن يقال : إذا كان زيد ليس بقائم فصلّ ركعتين ، والاختلاف بين هذه وسابقتها في عقد الوضع ، حيث إنّه يلاحظ الموضوع بعناية الوجود في الثاني ، ويلاحظ بلا عناية الوجود في الاولى.

فإن قلت : اعتبار الوجود في الموضوع لا بدّ منه في كلّ قضيّة ، حيث إنّ ثبوت شيء لشيء فرع ثبوت المثبت له.

قلت : فرق بين اعتبار الوجود في الموضوع ، وبين فرض مفروغيّة الوجود الخارجي له ، والثاني أكثر مئونة من الأوّل ، والذي يعتبر في كلّ قضيّة هو الأوّل ، و

__________________

(١) راجع ص ٥٨١

٣٧١

ما يخصّ به السالبة في القسم الثاني هو الثاني ، فكما أنّ الموجبة لا بدّ فيها من وجود زيد مثلا حتّى يحمل عليه القيام ، فكذا في السالبة في القسم الثاني أيضا لا بدّ من وجود زيد حتى يرفع عنه القيام.

لا إشكال في القسم الأوّل ، فإنّ الموضوع فيه ماهيّة القيام وماهيّة الزيد القابلتان للاتّصاف بالوجود والعدم ، وهذا المعنى كما يتوقّف القطع به على القطع بوجود طرفيه ، يتحقّق الشكّ فيه بالشكّ في وجود أحد طرفيه ، فمع الشكّ في وجود زيد لا تختلف القضيّة المتيقّنة والمشكوكة ، إذ يصدق أنّ قيام زيد كان معلوما في السابق وصار مشكوكا في اللاحق.

وكذا الكلام في القسم الثالث ؛ فإنّ قضيّة «ليس زيد بقائم» لم يعتبر فيها إلّا ماهيّة الزيد وماهيّة القيام ، فيصدق مع الشكّ في وجود زيد ، بل ومع القطع بعدمه ، فلو قطع بهذه القضيّة في زمان وشكّ فيها في الزمان الثاني من جهة الشكّ في وجود زيد ، كما لو قطع بأنّه لو كان موجودا يكون قائما ، كان الاستصحاب جاريا ؛ لاتّحاد القضيّة المتيقّنة والمشكوكة.

إنّما الكلام والإشكال في القسم الثاني والرابع ، حيث لوحظ مفروغيّة الوجود الخارجي للموضوع فيهما ، فصريح شيخنا المرتضى قدس‌سره اعتبار إحراز وجود الموضوع في الاستصحاب، وصريح بعض الأساتيد قدس‌سره العدم ، نظرا إلى أنّ الشكّ في ثبوت النسبة بين الأمرين الخارجيين كما قد يكون من جهة الشكّ في المحمول ، فقد يكون من جهة الشكّ في الموضوع ، والشكّ في الموضوع لا ينافي إحرازه المعتبر في باب الاستصحاب ، فإنّ المراد بإحرازه في هذا الباب انسحاب المستصحب إلى عين المعروض الذي كان معروضا له في السابق وهذا المعنى متحقّق مع الشكّ في وجود زيد ، فإنّ الشكّ إنّما وقع في القيام أو عدم القيام لزيد الذي هو الشخص الذي كنّا على يقين من قيامه أو عدم قيامه في السابق ، وإنّما لم يحرز الموضوع لو كان الشكّ في القيام أو عدم القيام لشخص آخر غير الزيد.

٣٧٢

والحقّ هو الأوّل ، فإنّه لا بدّ من تعلّق الشكّ بنفس ما أفاده المتكلّم لا بشيء آخر أجنبيّ عنه حتى يتحقّق اتّحاد متعلّق اليقين والشكّ ، ولا شكّ أنّ ما أفاده المتكلّم في قضيّة «زيد قائم» أو «ليس بقائم» هو إثبات الحالة الوجوديّة أو العدميّة لزيد بعد الفراغ عن وجود زيد في الخارج ، فالشكّ في هذا المعنى إنّما يتحقّق بالشكّ في الحالة التي أثبتها المتكلّم في تقدير هذا الفراغ ، وأمّا الشكّ في نفس التقدير فهو أجنبيّ عمّا كان المتكلّم بصدد إفادته ؛ فإنّ وجود زيد كان مفروغا عنه بين المتكلّم والمخاطب.

فإن قلت : إنّ الشكّ في المقيّد يتحقّق بالشكّ في أحد قيوده ، فالشكّ في قولك : زيد الموجود قائم ، كما يتحقّق بالشكّ في القيام ، فكذلك يتحقّق بالشكّ في الوجود.

قلت : فرق بين اعتبار الوجود قيدا وبالمعنى الاسمي ، وبين فرضه حاصلا ولحاظه على نحو المرآتيّة وبالمعنى الحرفي ، فما ذكرته وارد في الأوّل ، وما ذكرناه وارد في الثاني.

فإن قلت : لا يعتبر في الاستصحاب إلّا تعلّق الشكّ بتبدّل القضيّة المتيقّنة إلى رفعها ونقيضها ، ولا شبهة أنّ رفع القضيّة المذكورة في ما نحن فيه حاصل في تقدير عدم زيد ، وإلّا يلزم ارتفاع النقيضين في هذا التقدير ، فلهذا يكون الشكّ في عدم زيد موجبا للشكّ في رفع القضيّة.

قلت : يعتبر في النقيضين وحدة المحلّ ، فإذا كان محلّ وجود القيام زيدا الملحوظ وجوده باللحاظ الفراغي فنقيضه عدم القيام في هذا المحلّ ، لا في محلّ آخر ، وإن شئت توضيح الحال فلاحظ القضيّة التعليقيّة ؛ فإنّ نقيض هذه القضيّة إنّما هو رفع المعلّق في ظرف حصول المعلّق عليه لا في ظرف آخر ، وكذلك الشكّ في هذه القضيّة إنّما هو بالشكّ في المعلّق في ظرف حصول المعلّق عليه لا بالشكّ في نفس المعلّق عليه ، فإنّ القطع بصدق هذه القضيّة يجتمع مع القطع بعدم المعلّق عليه ، فضلا عن الشكّ فيه.

فنقول : حال وجود الموضوع في ما نحن فيه حال المعلّق عليه في القضيّة التعليقيّة ، فكأنّ المتكلّم يضع نفس الموضوع في جنبه في الخارج ثمّ يشتغل بذكر

٣٧٣

حالاته ، فيستغنى عن تعليق القضيّة على وجوده ، ولكنّها في الحقيقة في معنى التعليق ، هذا حاصل ما أفاده شيخنا الاستاد دام بقاه.

ويمكن الخدشة فيه بأن حال المتكلّم ب «زيد قائم» بحسب الواقع وإن كان بهذا المنوال ، يعني أنّه يعلم بأنّ زيدا موجود ، وفي تقدير وجوده يعلم بأنّه قائم ، ولكن ما له الدخل في حقيقة هذه القضيّة ليس إلّا ماهيّة الزيد وماهيّة القيام وإيقاع الربط بينهما ، وما سوى ذلك خارج عن حقيقة هذه القضيّة.

إلّا أن يقال : نعم ، ولكن قد يكون الملحوظ في نسبة المحمول وجود الموضوع ، وحينئذ يكون مفاد القضيّة ثبوت الشيء وقد يكون الملحوظ نسبة المحمول فقط من دون تعرّض لوجود الموضوع ، وحينئذ يكون مفادها ثبوت شيء لشيء ، فمن الثاني ما لو سئل المتكلّم عن حال شخص ، فأجاب بأنّه رجل عالم عادل فاضل كامل ، فإنّه لو انكشف موت هذا الشخص قبل صدور هذا الكلام لا يصحّ نسبة الكذب إلى المتكلّم ، فإنّه أخبر بهذه الصفات على تقدير الحياة.

ومن الثاني ما لو سئل عن حضور شخص في مجلس فلان في يوم الجمعة إذا كان لحضوره في كلّ يوم أثر خاص ، فأجاب بأنّه قد حضر في يوم الجمعة في محضره ، فإنّه لو تبيّن أنّه مات قبل يوم الجمعة يصحّ نسبة الكذب إلى المتكلّم ؛ لأنّ إخباره كان متضمّنا لوجود الموضوع.

ومن هذا القبيل أيضا قوله عليه‌السلام : «الّا أن تكون المرأة قرشيّة» فإنّ الظاهر أنّ القرشيّة ملحوظة على وجه الموضوعيّة ومحطّ النظر بالاستقلال ، وكذلك قوله : «لا يحلّ مال امرئ إلّا بطيب نفسه ، فإنّ الظاهر إرادة كون المالك طيّب النفس على نحو ثبوت الشيء ، لا كونه كذلك على نحو ثبوت شيء لشيء.

ثمّ إنّه قد استدلّ شيخنا المرتضى قدس‌سره على لزوم إحراز الموضوع في الاستصحاب بما لفظه أنّه : لو لم يعلم تحقّقه أي تحقّق الموضوع لا حقا ، فإذا اريد إبقاء المستصحب العارض له المتقوّم به ، فإمّا أن يبقى في غير محلّ وموضوع وهو محال ، وإمّا أن يبقى في موضوع غير الموضوع السابق ، ومن المعلوم أنّ هذا

٣٧٤

ليس إبقاء لنفس ذلك العارض ، وإنّما هو حكم بحدوث عارض مثله في موضوع جديد ، فيخرج عن الاستصحاب ، بل حدوثه للموضوع الجديد كان مسبوقا بالعدم ، فهو المستصحب دون وجوده.

وبعبارة اخرى : بقاء المستصحب لا في موضوع محال ، وكذا في موضوع آخر إمّا لاستحالة انتقال العرض ، وإمّا لأنّ المتيقّن سابقا وجوده في الموضوع السابق والحكم بعدم ثبوته لهذا الموضوع الجديد ليس نقضا لمتيقّن السابق ، انتهى كلامه رفع مقامه.

واعترض على هذا الكلام بعض الأساتيد قدس‌سره بأنّ المحال إنّما هو انتقال العرض خارجا ، وكذا بقاء العرض بلا موضوع خارجا ، لا بحسب الوجود التعبّدي الذي هو مفاد الاستصحاب ومعناه ترتيب الآثار العلميّة والأحكام الشرعيّة ، فإنّ مئونة هذا الوجود خفيفة ، فكما يصحّ أن يحكم الشارع مع بقاء الموضوع بلزوم المعاملة مع عرضه معاملة الموجود ، كذلك يصحّ مع عدم الموضوع أيضا أن يحكم بالمعاملة مع عرضه معاملة الموجود بمعنى ترتيب آثاره ، وكذلك يصحّ أن يحكم ببقاء عرض موضوع في موضوع آخر ، بمعنى ترتيب آثار ذاك العرض في هذا الموضوع ، ولا يلزم من هذا محال عقلي ، نعم يرد عليه أنّه خلاف مفاد دليل الاستصحاب ، فإنّ الظاهر منه وحدة متعلّق اليقين والشكّ ، وهذا أمر آخر لا ربط له بالمحال العقلى.

وقد يقال في توجيه كلام شيخنا المرتضى قدس‌سره بأنّ النسبة في كلّ قضيّة سواء كان مفادها إخبارا عن الواقع أم إنشاء أمر عرضي يحتاج إلى موضوع ، فإذا جعلت هذه النسبة في قضيّة فلا يمكن جعل عين هذه النسبة بعد ذلك بلا موضوع ، وكذا في موضوع آخر ، لاستحالة الانتقال.

توضيح ذلك أمّا في الشبهة الحكميّة فهو أنّا لو شككنا في بقاء حرمة الخمر فإن حكم الشارع ببقائها فلا يخلو إمّا يحكم ببقائها في عين موضوع الخمر ، فهذا هو المطلوب ، وإمّا أن يحكم ببقائها بلا موضوع فهذا محال ، وإمّا أن يحكم ببقائها في

٣٧٥

موضوع آخر ، وحينئذ فإمّا أن يحكم ببقاء عين الحرمة المتعلّقة بالخمر فهذا انتقال العرض ؛ لأنّ عين النسبة القائمة بالخمر في قضيّة «الخمر حرام» لا يمكن جعلها قائمة بموضوع آخر ، وإمّا أن يحكم ببقاء مماثلها ، وهذا خارج عن الاستصحاب.

ومن هنا يعلم الحال في الشبهة الموضوعيّة ، فإذا شككنا في خمريّة مائع علم بخمريّته سابقا ، فإن حكم الشارع ببقاء الخمريّة لاحقا فإمّا أن يحكم في عين الموضوع السابق فهو المطلوب ، أو بلا موضوع وهو المحال ، أو في موضوع آخر مع الحكم ببقاء عين الخمريّة السابقة فهذا انتقال العرض ، أو بمماثلها ، فهذا خارج عن الاستصحاب.

ويمكن إجراء هذا التقريب في استصحاب الحرمة في هذا الفرض ، لكن مع كون الخلّ والخمر موضوعين عند العرف.

والحاصل أنّه ليس المراد بالعرض في كلامه هو المستصحب ـ كما توهّم ـ حتّى يرد عليه أنّه يمكن استصحاب نفس العدالة ونفس التحريم ومعناه ترتيب آثارهما ، فهذا بقاء العرض بلا موضوع ، نعم لا يثبت به اتّصاف الشخص الخارجي بالعدالة والموضوع الخارجي بالتحريم ، لا من باب الاستحالة العقليّة ، بل من باب عدم حجيّة الأصل المثبت ، وإلّا فهو بمكان من الإمكان عقلا وليس فيه استحالة انتقال العرض.

بل المراد به حكم الشارع بإبقاء المستصحب السابق ، كما يدلّ عليه قوله : فإذا اريد إبقاء المستصحب ، لوضوح أنّ المراد به الحكم بالبقاء الصادر من الشارع ، لا الإبقاء العملي الصادر من المكلّف ، وقوله : «فإمّا أن يبقى» يكون بصيغة المجهول من باب الإفعال.

وحينئذ فتوجيه الكلام أنّه لا يخفى أنّ الإنشاء يحتاج إلى النسبة ، ولا يمكن بدونها ، بل هو عين النسبة الحقيقيّة الكليّة في القضيّة الإنشائيّة ، كما أنّ الإخبار عين النسبة الحقيقيّة الكائنة في القضيّة الإخباريّة ، ومن المعلوم أنّ النسبة محتاجة إلى طرفين ، فالجعل محتاج إلى محلّ وموضوع كون الجعل فيه وكان المجعول

٣٧٦

ثابتا له ، كما أنّ الإخبار يحتاج إلى محلّ وموضوع كان الإخبار فيه وكان المخبر به ثابتا له ؛ إذ مع انتفاء هذا المحلّ والموضوع يلزم كون العرض وهو النسبة الجعليّة أو الإنشائيّة بلا محلّ وموضوع.

وأمّا ما ذكرت من المثال فليس من باب كون العرض بلا محلّ ، فإنّ المحلّ فيه ذات العدالة وذات التحريم ، والمجعول فيه وجودهما ، فإذا ثبت احتياج الجعل إلى الموضوع فإن كان هو الموضوع السابق فهو المطلوب ، وإن كان موضوعا آخر فإن كان الجعل على نحو الإبقاء للجعل السابق فهذا غير ممكن ؛ إذ لا يخفى أنّه لا بدّ حينئذ من وحدة هذا الجعل مع الجعل السابق في المحلّ والموضوع ، وإلّا يلزم انتقال العرض ، كما أنّ الإخبار على نحو الإبقاء للإخبار السابق لا بدّ فيه من وحدة هذا الإخبار مع الإخبار السابق في المحلّ والموضوع ، وإلّا يلزم انتقال العرض ، وإن كان على نحو الإحداث فهذا خارج عن الاستصحاب.

ثمّ إنّك عرفت أنّه لو اخذ عرض شيء موضوعا للحكم على نحو ثبوت شيء لشيء فلا تصير القضيّة المتيقّنة مشكوكة بواسطة الشكّ في وجود الموضوع ، بل المشكوك قضيّة اخرى مفادها ثبوت الشيء.

فاعلم أنّ الظاهر من الكلام في هذه الموارد هو اعتبار وجود الموضوع أيضا ، فلو قال: من كان عادلا ومجتهدا أعلم فللعوام الأخذ بقوله ، فكما يعتبر العدالة والأعلميّة على تقدير الحياة ، فكذلك نفس الحياة ، وحينئذ لو شكّ في حياة المجتهد فلا مانع من الاستصحاب في إثبات نفسها ، لما فرض من كونها جزءا للموضوع ، وأمّا العدالة والأعلميّة فإن كانتا معلومتين فلا كلام ، وإن كانتا مشكوكتين أيضا فلا بدّ من استصحاب آخر لإحرازهما ، ولا ينافي الشكّ في الحياة الفعليّة إحراز الموضوع المعتبر في الاستصحاب الثاني ، فإنّ الموضوع فيه هو الحياة التقديريّة.

واعترض بعض الأساتيد قدس‌سره على الكلام المذكور لشيخنا بعد ما ذكر من الاعتراض بما حاصله : أنّه أخصّ من المدّعى ، فإنّ المستصحب لا يكون دائما من مقولات الأعراض حتّى يلزم من بقائه مع انتفاء موضوعه أحد المحذورين ،

٣٧٧

بل قد يكون هو الوجود ، وهو ليس أحد المقولات العشر ، فلا جوهر بالذات ولا عرض كذلك وإن كان أحدهما بالعرض.

فإن قلت : نعم ولكنّه عارض على الماهيّة كالعرض.

قلت : نعم ولكن ليس تشخّصه بمعروضه حتّى يستحيل بقائه مع تبدّل معروضه ، بل تشخّص معروضه به بحيث لا ينثلم وحدة الوجود بتعدّد الموجود وتبدّله من نوع إلى نوع آخر، فيمكن أن يكون الوجود الواحد الشخصي حسب اختلافه نقصا وكمالا ، ضعفا وشدّة منشئا لانتزاع ماهيّات مختلفة ، فيمكن استصحاب هذا الوجود لو شكّ في بقائه وارتفاعه ولو مع القطع بتغاير الماهيّة المنتزعة عنه سابقا مع الماهيّة التي تنتزع عنه الآن لو كان ، فلو علم بزوال المرتبة السابقة من السواد ، ولكن شكّ في زوال أصل السواد بالمرّة أو تبدّل مرتبته السابقة إلى مرتبة اخرى أقوى أو أضعف ، فلا مانع من استصحاب الوجود السابق وإن كان الماهيّة المنتزعة عنه سابقا هو الضعيف ، مثلا ، وما ينتزع عنه الآن ـ لو كان ـ هو القوي.

وفيه أنّ تعدّد المنتزع إذا كان أمرا واقعيّا نفسا أمريّا لا شكّ أنّه لا بدّ وأن يكون من جهة تعدّد منشأ الانتزاع في الخارج ، فإن كان منشأ الانتزاع هو الامور الخارجة عن حقيقة الذات والعارضة على الوجود الخارجي كما في الضارب والقائم ، فلا يوجب تعدّد المنتزع تعدّد الذات ، وأمّا لو كان منشأ الانتزاع نفس الذات دون الضمائم الخارجيّة كما هو المفروض في محلّ البحث فإنّ القوي والضعيف منتزعان من نفس السواد لا من شيء آخر ، فلا يمكن تعدّد المنتزع حينئذ إلّا مع تعدّد الذات.

فإن قلت : يكفي تعدّد المرتبة ، فالمرتبة الدنيا مغايرة مع المرتبة العليا.

قلت : إن أردت أنّ بينهما أمرا واحدا جامعا فهذا موجود بين الزيد والعمرو أيضا ، وإن أردت أنّهما متّحدان في الوجود الشخصي ، فهذا غير معقول ؛ إذ بعد فرض أنّ المميّز بينهما يكون من سنخ الوجود ، فلا بدّ أن يكون التعدّد بينهما في الوجود ، نعم هذا مختص بما إذا كان تبدّل إحدى المرتبتين بالاخرى بعد تخلّل

٣٧٨

القطعة من الزمان وحصول الوقفة ، وأمّا لو كان على التدريج بدون حصول الوقفة فلا بدّ من وحدة الوجود ، وإلّا يلزم الوجودات الغير المتناهية المحصورة بين الحاصرين ؛ إذ بعد فرض أنّ كلّا من المبدا والمنتهى الحقيقيين منحصر في الواحد فكلّ جزء يفرض في البين يكون له سابق ولا حق.

فإن قلت : كيف يكون الوجود حينئذ واحدا والحال أنّ عين الدليل المتقدّم من تعدّد الماهيّات المنتزعة موجود هنا.

قلت : بعد فرض عدم حصول الوقفة لا يحصل هنا حدّ خارجي غير المبدا والمنتهى حتّى ينتزع عنه الماهيّة ، وإنّما المتحقّق حدود فرضيّة لا واقع لها سوى الذهن ، وبعبارة اخرى: المتحرّك ما دام متحرّكا لا يطلق عليه الزائد أو الناقص إلّا باعتبار ما يعرضه في المستقبل من الحدّ ، وأمّا باعتبار الحال فلا يتّصف بالزيادة ولا بالنقيصة ، وإنّما يقال : إنّه مشتغل بالزيادة.

ثمّ بعد ما عرفت من اعتبار وحدة الموضوع في الاستصحاب فلا بدّ من بيان أنّه مأخوذ من العقل أو الدليل أو العرف ، فإن كان مأخوذا من العقل قال شيخنا المرتضى قدس‌سره ينحصر مورد الاستصحاب حينئذ في ثلاثة مواضع :

الأوّل : في ما اذا كان الشكّ في مدخليّة الزمان الأوّل ، فإنّ الاستصحاب مبنيّ على إلغاء خصوصيّة الزمان الأوّل ، و

الثاني : أن يكون الشكّ من جهة الرافع ذاتا أو وصفا ، و

الثالث : أن يكون المستصحب هو الوجود.

ويرد على الأوّل أنّه لا فرق بين الزمان وسائر الخصوصيّات في كونها على تقدير المدخليّة من أجزاء الموضوع بنظر العقل ، فعلى هذا لو شكّ في النسخ لا يجوز الاستصحاب؛ لأنّ ما تيقّن به سابقا قد ارتفع قطعا ، وما يشكّ في تحقّقه الآن يشكّ في أصل حدوثه ، نعم يجري بناء على المسامحة العرفيّة ، لكنّه خلاف ما فرضناه من تحكيم العقل.

وأورد بعض الأساتيد قدس‌سره على الثاني أنّ أخذ عدم الرافع

٣٧٩

في الموضوع بحسب حدوث الحكم وإن كان مستلزما للدور لتوقّف تحقّق هذا العدم على تحقّق الحكم في مقدار من الزمان وتوقّف تحقّق الحكم على هذا على تحقّق هذا العدم أيضا ، ولكن لا مانع من أخذه فيه بحسب بقاء الحكم ، فكلّ من المانع والرافع مأخوذ في الموضوع ، غاية الأمر أنّ أحدهما مأخوذ حدوثا والآخر بقاء.

إلّا أن يقال : إنّه بعد فرض أنّ الموضوع في القضيّة المتيقّنة والمشكوكة واحد فلا عبرة باحتمال اعتبار شيء في بقاء الموضوع على حكمه ، لصدق نقض اليقين بالشكّ ولو مع المداقّة العقليّة على عدم ترتيب الحكم على الموضوع.

وفيه أنّ كلّا من عنواني المانع والرافع ليس له أثر عقلا ؛ لأنّهما عنوانان منتزعان عن التأثير كالعليّة ، فلا بدّ من ملاحظة ذاتهما ، وهو أمر واحد فيهما ، غاية الأمر ينتزع عنه عنوان المانع والدافع بإضافته إلى حدوث الحكم ، وعنوان الرافع بإضافته إلى بقاء الحكم ، واعتبار عدم هذه الذات في الموضوع بمكان من الإمكان ، إلّا أن يقال : إنّ تأثير العدم في الوجود غير معقول ، فيكون عدم ذات المانع والرافع خارجا عن الموضوع.

ثمّ الفرق بين الأخذ من الدليل والأخذ من العرف أنّه على الأوّل لا بدّ من اتّباع ما يستفاد من القضيّة اللفظيّة حسب اختلافه باختلاف الموارد ، فربّما يكون الشيء مذكورا في القضيّة اللفظيّة بصورة القيديّة ، فيستفاد كونه داخلا في الموضوع ، كما لو قال : الماء المتغيّر نجس ، وربّما يكون مذكورا فيها بصورة الشرطيّة ، فيستفاد كونه خارجا عن الموضوع ، كما لو قال : الماء نجس إذا تغيّر ، فعلى الأوّل لا يجرى الاستصحاب لو زال التغيّر ؛ لانتفاء الموضوع ، وعلى الثاني يجري ؛ لأنّ الشكّ في أمر خارج عن الموضوع وهو كون التغيّر علّة محدثة فقط ، أو علّة محدثة ومبقية معا.

وعلى الثاني لا بدّ من اتّباع نظر العرف حسب اختلافه باختلاف المناسبات بين الموضوعات والأحكام ، فربّما يحكم حسب مناسبة الحكم والموضوع بكون الشيء خارجا عن الموضوع وإن كان مذكورا في القضيّة اللفظيّة بصورة القيديّة كما في مثال

٣٨٠