أصول الفقه - ج ٢

آية الله الشيخ محمد علي الأراكي

أصول الفقه - ج ٢

المؤلف:

آية الله الشيخ محمد علي الأراكي


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسه در راه حق
الطبعة: ٠
الصفحات: ٧٥٢
  الجزء ١   الجزء ٢
  نسخة غير مصححة

بناء على التزاحم ، وإمّا من جهة القاعدة العقليّة بناء على التعارض ، ولكن جوازه لا ينافي ثبوت الضمان ، بمعنى أنّ المالك لو حفر البئر كان عليه تدارك ضرر الجار ، لكونه داخلا في عموم «من أتلف» ولا يمكن رفع هذا الحكم بقاعدة لا ضرر باعتبار أنّ الحكم على المالك بالتدارك ضرر عليه ، وجه عدم الإمكان أنّ هذا حكم وارد في مورد الضرر ، فيلزم من نفي القاعدة إيّاه عدم بقاء المورد له أصلا ، بل اللازم تخصيص القاعدة بهذا الحكم ، فيكون دليل الضمان مخصّصا للقاعدة لا محكوما لها.

بقي الكلام فيما يقال تمسّكا بقاعدة نفي الضرر من أنّه لو كان الضرر متوجّها إلى أحد الشخصين فلا يجوز له دفعه إلى الغير ، فلو كان ماء السيل جاريا سمت الدار ، أو السهم مقبلا سمت الشخص وفي رديفه شخص آخر فلا يجوز له أن يفتح سبيل الماء إلى دار الغير أو يخفض رأسه مثلا ليقع السهم على الغير ، فإنّه قد يشكل عليه بأنّ منع الشخص عن دفع الضرر عن نفسه ضرر وحرج عليه وليس فيه منّة شخصيّة ولا نوعيّة كما هو واضح.

ويمكن أن يقال في توجيهه بأنّه إذا كان الماء جاريا بحسب المقتضيات الطبيعيّة الخارجيّة مع قطع النظر عن المقتضيات الشرعيّة الإلهيّة إلى دار شخص فخربها فليس المخرّب هو الشارع ، بل هو الماء ، ولكن لو جوّز حينئذ إرسال الماء الى دار الغير فخر بها كان المخرّب هو الشارع ؛ لأنّ التخريب يستند إلى فعل المرسل ، وهو مستند إلى تجويز الشرع ، فيكون التخريب مستندا إلى تجويزه ، وهذا بخلاف ما إذا لم يجوّز ذلك ومنع عن إيجاد المانع عن دخول الماء في الدار ، فإنّ حصول الخراب حينئذ وإن كان ناشئا من أمرين : أحدهما جريان الماء بحسب المقتضي الطبيعي والآخر منع الشارع عن إيجاد المانع ، إلّا أنّ إسناد التخريب لا يصحّ إلّا إلى الماء ، فإنّ الأثر إنّما يستند إلى المقتضي دون عدم المانع ، فالمحرق إنّما هو النار دون عدم الرطوبة.

وبالجملة ، عنوان الإضرار حاله كعنوان القتل ، فكما لا يصدق عنوان القاتل إلّا

٢٦١

على من أوجد المقتضي للقتل دون من حصل عدم المانع عنه ، فلو أنّ قائلا قال : لا أرتكب القتل ، فرأى أحدا يقصد إيجاد مقتضيه من إمرار السكّين على حلق الغير ، وآخر يقصد إيجاد مانعة من أخذ السكّين ، فمنع الآخر عن إيجاد المانع لا يعدّ هذا منافيا مع قوله المذكور ، ولا يصدق عنوان القاتل إلّا على فاعل الإمرار ، نعم يصدق على كليها أنّه ترك حفظ النفس ، فيشترك المعصية بينهما ، إلّا أنّ عنوان القاتل مختصّ بالثاني ، فيختصّ القصاص والدية به ، فكذلك الحال في عنوان الإضرار.

فلو منع الشارع من إيجاد مانعة مع حصول مقتضيه لا يكون منافيا مع قوله : «لا ضرر» وأمّا حكم التجويز المذكور فهو راجع إلى إيجاد المقتضي من ناحية الشارع ، فيكون منافيا معه ، فالمعيار حينئذ ملاحظة أنّه إلى أيّ الشخصين يوجّه الضرر بحسب مقتضيه الطبيعي.

فإن كان متوجّها إلى النفس فحكمه ما ذكر ، وإن كان متوجها إلى الغير فلا يجب عليه تحمّله للدفع عن صاحبه ، فلو رأى الماء جاريا بحسب مقتضيه الطبيعي إلى دار صاحبه لا يجب عليه فتح سبيله إلى دار نفسه ؛ لأنّه لو أوجب عليه الشارع ذلك كان هو المخرّب لداره ، فيكون منافيا مع قوله : «لا ضرر» وأمّا لو لم يوجب ذلك لم يستند إليه التخريب أصلا ، أمّا بالنسبة إلى هذا الشخص فلعدم الإيجاب ، وأمّا بالنسبة إلى صاحبه فلأنّ المقتضي للتخريب هو الماء دون الشارع ، فلا يكون عدم الإيجاب منافيا مع قوله المذكور.

٢٦٢

المسألة الثالثة : في دوران الامر بين المحذورين

الشبهة الحكميّة الغير المسبوقة بالقطع الراجعة إلى حقيقة التكليف قد مرّ أنّ الحكم فيها البراءة عقلا ونقلا ، وكذلك الراجعة منها إلى المكلّف به المشوبة بالقطع بحقيقة التكليف مع إمكان الاحتياط قد مرّ أنّ الحكم فيها الاحتياط عقلا ، وأمّا الشبهة الحكميّة الغير المسبوقة بالقطع الراجعة إلى المكلّف به المشوبة بالقطع بحقيقة التكليف مع عدم إمكان الاحتياط بواسطة دوران الأمر بين الوجوب والحرمة فهي المقصود بالبحث هنا.

فنقول : دوران الأمر بين وجوب شيء وحرمة شيء آخر خارج عن مقامنا ؛ لإمكان الاحتياط فيه بإتيان الأوّل وترك الثاني ، فهو من قبيل القسم الوسط ، وأمّا الدوران بين وجوب شيء وحرمة هذا الشيء فقد يكون في الواقعة الواحدة الشخصيّة ، وقد يكون في الوقائع المتعدّدة.

فالأوّل لا مثال له في الشبهة الكليّة ، وإنّما يفرض في الموضوعيّة كالمرأة الشخصيّة المردّدة بين كونها محلوفا على وطئها في الزمان الذي لا يسع إلّا الوطي ، وبين كونها محلوفا على ترك وطئها في شخص هذا الزمان المعيّن ، وهذا القسم له صورتان :

الاولى : أن يكون كلّ من الفعل والترك توصليّا لا يعتبر فيه قصد القربة كالمثال المذكور ، وفي هذه الصورة لا يمكن المخالفة القطعيّة ، لعدم إمكان الخلوّ من الفعل والترك في الزمان الواحد ، ولا الموافقة القطعيّة ؛ لعدم إمكان الجمع بينهما في الزمان الواحد ، والاحتماليّة منهما قهريّة لا ينفك.

٢٦٣

والثانية : أن يكون كلّ من الفعل والترك أو واحد منهما تعبّديا يعتبر فيه قصد القربة ، بأن يدور الأمر بين وجوب الفعل بقصد القربة ووجوب الترك كذلك ، أو بين وجوب الفعل بهذا القصد ووجوب الترك مطلقا أو بالعكس ، وفي هذه الصورة لا يمكن الموافقة القطعيّة لما ذكر ، ولكنّ المخالفة القطعيّة ممكنة لحصولها بإتيان الفعل لا بقصد القربة أو الترك كذلك ، وأمّا القسم الثاني وهو الدوران في الوقائع المتعدّدة فله الوقوع في الشبهة الكليّة كالصلاة الجمعة المردّدة بين الوجوب في تمام الجمعات وبين الحرمة في جميعها ، وفي هذا القسم لا يمكن الموافقة القطعيّة ، لعدم إمكان الجمع بين الفعل في تمام الوقائع والترك في جميعها ، ولكنّ المخالفة القطعيّة ممكنة لحصولها بإتيان العمل في واقعة وتركه في اخرى ، فلو صلّى الجمعة في الاسبوع الأوّل وتركها في الثاني حصل المخالفة القطعيّة ؛ لأنّها إن كانت محرّمة حصل مخالفتها في الاسبوع الأوّل ، وإن كانت واجبة حصل المخالفة في الاسبوع الثاني.

ففي صورة عدم إمكان الموافقة القطعيّة والمخالفة القطعيّة جميعا وهي صورة دوران الأمر بين الوجوب والحرمة في الشيء الواحد في الواقعة الواحدة الشخصيّة في التوصليّات يجب تحصيل الظنّ بأحد الطرفين معيّنا مع الإمكان ؛ لأنّ العلم الإجمالي بالتكليف يقتضي أوّلا الامتثال القطعي ، وبعد عدم إمكانه بشيء من الوجوه لا بنحو الاحتياط ولا بموافقة العلم أو العلمي ولا بالرجوع إلى الاصول يعيّن التنزّل منه إلى الامتثال الظنّي مع الإمكان.

فهذه مقدّمات الانسداد ، غاية الأمر جريانها في العلم الشخصي في هذا المورد الشخصي ، فيفيد حجّية مطلق الظنّ في هذا المورد الشخصي ، وأمّا مع عدم إمكان تحصيل الظنّ فلا محيص من التخيير عقلا ، هذا هو الكلام بحسب الأصل العقلي.

وأمّا بحسب الأصل الشرعي فلا مانع من التمسّك للإباحة بأدلّة حلّ الأشياء

٢٦٤

عند الشكّ من مثل قوله : «كلّ شيء حلال حتى تعلم أنّه حرام» و «كلّ شيء مطلق حتى يرد فيه نهي» و «رفع ما لا يعلمون» فإنّها بإطلاقها شاملة للمقام ؛ فإنّ العلم الإجمالي لا يوجب انتفاء موضوعها اللفظي ، لأنّ الغاية فيها هو خصوص العلم التفصيلي لا الأعمّ منه ومن الإجمالي ، وأمّا وجه عدم التمسّك بها في سائر موارد العلم الاجمالي فهو لزوم المخالفة القطعيّة ، والمفروض عدم إمكانها في المقام.

نعم لو قلنا بلزوم الالتزام بالأحكام الواقعيّة بشخصها وعلى وجه التفصيل لزم المخالفة الالتزاميّة ؛ فإنّ اللازم حينئذ الالتزام بشخص الوجوب أو بشخص الحرمة ، وهو ينافي الالتزام بالإباحة ، ولكن من المعلوم بطلان هذا القول ، فإنّ الالتزام بشخص الوجوب واقعا أو شخص الحرمة كذلك مع فرض الشكّ في الحكم الواقعي ليس إلّا تشريعا محرّما.

وأمّا وجوب الالتزام بالأحكام الواقعيّة على ما هي عليه في الواقع وعلى وجه الإجمال فلا ينافي الالتزام بالإباحة في مرحلة الظاهر ؛ فإنّ نفس كون الحكم الواقعي هو الوجوب أو الحرمة لا ينافي كون الحكم الظاهري المجعول في حال الشكّ هو الإباحة ، فكيف يكون الالتزام بهما غير ممكن.

فتحصّل أنّ الإشكال من حيث لزوم المخالفة القطعيّة غير متوجّه ، نعم يمكن منع أصل الإطلاق في تلك الأدلّة بأن يدّعى اختصاص مواردها بصورة تردّد الأمر بين الوجوب أو الحرمة وبين الإباحة ، فلا يعمّ صورة تردّده بينهما مع عدم احتمال الثالث.

وأمّا صورة عدم إمكان الموافقة القطعيّة ، مع إمكان المخالفة القطعيّة وهي صورة دوران الأمر بين الوجوب والحرمة في الشيء الواحد في الواقعة الواحدة الشخصيّة مع تعبّدية كلا الطرفين أو أحدهما ، وصورة الدوران بينهما في الشيء الواحد في الوقائع المتعدّدة ، فاللازم بحكم العقل ترك المخالفة القطعيّة ، فيلزم في القسم الأوّل اختيار واحد من الفعل والترك مع قصد الرجاء لا بدونه مع تعبديّة كلا الطرفين ، و

٢٦٥

يلزم هذا القصد في صورة اختيارهما فقط مع عدم لزومه في صورة اختيار الآخر مع تعبديّة أحد الطرفين.

ويلزم في القسم الثاني اختيار إتيان العمل في تمام الوقائع أو تركه في جميعها ، ويلزم البقاء في الوقائع المتأخّرة على ما بنى عليه في الواقعة الاولى ، وليس له العدول عنه إلى غيره ، فيكون التخيير بدويّا.

ولكن قد يقال في القسم الثاني بعدم إمكان المخالفة القطعيّة كالموافقة القطعيّة بملاحظة أنّ القطع بالمخالفة لا يحصل إلّا بملاحظة كلّ واقعة منضمّة إلى الواقعة اللاحقة ، وإلّا فلو لوحظت منفردة كانت واقعة واحدة شخصيّة لا يمكن فيها شيء من الموافقة القطعيّة والمخالفة القطعيّة.

ولا يخفى أنّ الواقعة اللاحقة عند ابتلاء المكلّف بالواقعة السابقة لا يكون محلّا لابتلاء المكلّف ولا يكون التكليف الموجود فيها منجّزا على المكلّف ؛ لعدم حصول شرطه ، فصلاة الجمعة في الاسبوع الثاني لا يكون المكلّف مأخوذا بها في الاسبوع الأوّل ، فلا وجه لملاحظة التكليفين في حال واحد مع خروج أحدهما عن محلّ الابتلاء ، وعلى هذا فيكون حكم العقل في كلّ واقعة هو التخيير في نفسها ، فيكون التخيير استمراريّا.

قلت : بعد ما عرفت في بحث مقدّمة الواجب من أنّ الواجب المشروط المعلوم حصول شرطه في المستقبل يكون كالواجب المطلق بلا فرق ، يتّضح لك دفع هذا ، فإنّ صلاة الجمعة في الاسبوع الثاني مشروط بشرط شرعي معلوم الحصول في المستقبل وهو وجود الاسبوع الثاني ، وبشروط عقليّة يكون بحكم المعلوم بواسطة الأصل العقلائي وهي وجود المكلّف وحياته وقدرته في الاسبوع الثاني ، فيكون كالتكليف المطلق الموجود في الاسبوع الأوّل ، فكما يجب على المكلّف مقدّمات وجوده يجب عليه أيضا مقدّمة العلم به.

٢٦٦

فإن قلت : سلّمنا ذلك ولكن نقول : كما يحكم العقل بقبح المخالفة القطعيّة يحكم أيضا بلزوم الموافقة القطعيّة ، فإذا اختار المكلّف الفعل في تمام الوقائع أو الترك في جميعها ، فهو وإن لم يصدر منه المخالفة القطعيّة ، لكن لم يحصل منه الموافقة القطعيّة أيضا ، وهذا بخلاف ما إذا اختار الفعل في واقعة والترك في اخرى ؛ فإنّه يحصل منه الموافقة القطعيّة أيضا كما هو واضح.

وبالجملة ، فالتخيير الاستمراري وإن كان فيه محذور المخالفة القطعيّة ، لكنّه سالم عن محذور ترك الموافقة القطعيّة ، والتخيير البدوي وإن كان سالما عن محذور المخالفة القطعيّة ، ولكن فيه محذور ترك الموافقة القطعيّة ، فهما في نظر العقل على حدّ سواء ، فلا وجه لترجيح الثاني على الأوّل.

قلت : حكم العقل بقبح المخالفة القطعيّة ليس بمثابة حكمه بقبح ترك الموافقة القطعيّة ، فحكمه في الثانى يكون على وجه اللولائيّة ، والترخيص الشرعي يكون رافعا لموضوعه ، وحكمه في الأول يكون على وجه البتّ والقطع ، ولهذا كثيرا ما دلّ الدليل على الترخيص في الموافقة القطعيّة ولم يكن منافيا لحكم العقل ، ولكن لو كان دليل موهما للترخيص في المخالفة القطعيّة وجب تأويله والتزام التخصيص العقلي فيه ، وعلى هذا فالتخيير البدوي مقدّم على الاستمراري ؛ لأنّ محذور الثاني أشدّ عند العقل من محذور الأوّل.

فإن قلت : ما ذكرته من أنّه لو كان دليل موهما للترخيص في المخالفة القطعيّة وجب تأويله مناف للأخبار العلاجيّة الدالّة على التخيير في الأخذ بأحد الخبرين المتعارضين عند فقد المرجّحات السنديّة ، فإنّه وقع النزاع بين العلماء في كون هذا التخيير بدويّا ، أو استمراريا ، ومنشأ نزاعهم اختلاف الأنظار في ثبوت الإطلاق لهذه الأخبار وشمولها للوقائع المتأخّرة وعدم الإطلاق لها واختصاصها بالحيرة الأوّليّة ، فالكلّ مطبقون على أنّه على تقدير ثبوت الإطلاق لتلك الأخبار كان

٢٦٧

القول بالتخيير الاستمراري بلا مانع ، والحال أنّه لو كان لهذه الأخبار إطلاق كان من جملة الموارد الداخلة تحت هذا الإطلاق ما إذا دلّ أحد الخبرين على الوجوب والآخر على الحرمة.

كما لو دلّ أحدهما على وجوب صلاة الجمعة والآخر على حرمتها ، والتخيير الاستمراري في هذا المورد مستلزم للمخالفة القطعيّة ، فيعلم من ذلك أنّ الترخيص في المخالفة القطعيّة غير مناف لحكم العقل ، وإلّا كان اللازم على القائلين بالتخيير البدوي ردّ القول الآخر بمنافاته لحكم العقل في هذا المورد ثمّ تتميم المرام بعدم القول بالفصل ، فحيث لم يفعلوا ذلك علم عدم منافاة الترخيص المذكور لحكم العقل ، وإذن فالتخيير الاستمراري والبدوي في مقامنا سيّان.

قلت : الترخيص في المخالفة القطعيّة للواقع مع إيجاب ما هو البدل عن الواقع غير قبيح ، فإنّ المخالفة القطعيّة للواقع ببدله غير قبيحة ؛ لرجوعها في الحقيقة إلى عدم المخالفة ، وهذا هو الحال في الأخبار المذكورة على تقدير الإطلاق لها ، فإنّ مفادها إيجاب التسليم والانقياد ، فهي وإن كانت بإطلاقها شاملة للوقائع المتأخرة وبعمومها لما إذا كان أحد الخبرين دالّا على الوجوب والآخر على الحرمة ، ولازم التخيير حينئذ هو الترخيص في المخالفة القطعيّة ، إلّا أنّه لا بأس بها مع إيجاب التسليم المذكور ، فإنّا نلتزم بأنّ عنوان التسليم القلبي يكون عند الشارع بدلا عن الواقع الذي خولف.

وبالجملة ، ففي كلّ مورد ورد الترخيص في العمل المستلزم للمخالفة القطعيّة لكن مع إيجاب عمل آخر ، نستكشف ـ بواسطة حكم العقل بامتناع الترخيص في المخالفة القطعيّة ـ عن جعل الشارع هذا العمل الآخر بدلا عن الواقع ، وهذا بخلاف ما إذا لم يكن في البين عمل آخر أوجبه الشرع كما في مقامنا ؛ فإنّ الترخيص حينئذ ليس إلّا ترخيصا في المخالفة القطعيّة الصرفة ، ولا شبهة في قبحه.

٢٦٨

«الاستصحاب»

وقد عرّف الاستصحاب بتعاريف كلّها مخدوشة ، والتعريف الأسدّ الأخصر ما يقال من أنّه «إبقاء ما كان» وليس المراد بالإبقاء إبقاء نفس ما كان حقيقة ، بل المراد إبقائه من حيث العمل ، مثلا وجوب صلاة الجمعة كان عمله في حال اليقين إتيان صلاة الجمعة ، فإبقاء هذا الوجوب في حال الشكّ عملا إتيان هذه الصلاة في تلك الحال ، وكذلك حياة زيد كان عملها في حال اليقين إنفاق وكيله على زوجته من ماله ، فإبقاء حياته في حال الشكّ عملا إنفاق الوكيل في تلك الحال ، وهكذا.

فالإبقاء في باب الاستصحاب نظير التصديق في باب الأمارات ، فكما يكون المراد بالتصديق في باب الأمارات ـ كالبيّنة مثلا ـ هو التصديق العملي دون الحقيقي ، فكذلك الإبقاء هنا هو الإبقاء العملي دون الحقيقي.

ثمّ إنّ إبقاء ما كان في العمل قد يكون لأجل أنّه كان ، وقد يكون لأجل علّة اخرى ، مثلا إتيان الصلاة اليوميّة في كلّ يوم أو صوم شهر رمضان في كلّ سنة يصدق عليه أنّه إبقاء الوجوب السابق في العمل ، لكن ليس مستنده ثبوت الوجوب في السابق ، بل هو القطع به في اللاحق ، وحينئذ فربّما يخدش بذلك طرد التعريف.

ويمكن الدفع بأنّ ذكر لفظ «ما كان» مع إفادة لفظ الإبقاء مفاده يشعر بعليّة الكون السابق للإبقاء ، فالكلام بمنزلة أن يقال : إنّه إبقاء ما كان ؛ لأنّه كان ، فلا يشمل المثال المذكور وأشباهه.

وربّما يخدش أيضا بأنّ في هذا التعريف إخلالا بركنى الاستصحاب وهما اليقين السابق والشكّ اللاحق ؛ فإنّهما مع كونهما ركنين لم يصرّح باعتبارهما في التعريف ، وكفى عيبا في التعريف أن يكون محلّا بركني المعرّف.

ويمكن الدفع أيضا بأنّهما وإن لم يصرّح بهما ولكنّهما مفهومان من التعريف من جهة كونهما من لوازمه ، فإنّ كون المستند في الإبقاء العملي هو الكون السابق فرع إحراز الكون السابق وثبوت الشكّ في الكون اللاحق ؛ لوضوح أنّه مع عدم

٢٦٩

إحراز الكون السابق لا يصلح الاستناد إليه ، ومع عدم ثبوت الشكّ في اللاحق وثبوت القطع يكون الاستناد إلى الكون اللاحق دون السابق.

ثمّ إنّ لفظ الاستصحاب في الاصطلاح عبارة عن العمل الصادر من المكلّف على ما يظهر من مشتقّاته مثل تستصحب ونستصحب واستصحب وغيرها ، وهذا العمل هو الإبقاء العملي المذكور ، فهو لا يختلف باختلاف جهات الاعتبار على حسب اختلاف الأنظار ؛ فإنّ الإبقاء العملي الصادر من المكلّف شيء واحد في الجميع ، غاية الأمر أنّ وجه وجوبه واعتباره على رأى هو الأخبار وقول الشارع «لا تنقض» وعلى آخر هو السيرة وبناء العقلاء ، وعلى ثالث هو الظنّ الحاصل من الكون السابق باعتبار أنّ ما ثبت يدوم في الغالب.

وذكر بعض الأساتيد قدس‌سره في الحاشية إشكالا على التعريف المذكور حاصله أنّ الاستصحاب يختلف معناه وحقيقته على حسب اختلاف الأنظار في وجه حجّيته واعتباره بحيث لا ينضبط معانيه تحت جامع واحد ، فلا يصحّ جعل التعريف له على جميع الأقوال ، وذلك لأنّه على رأى من يقول باعتباره من جهة الأخبار عبارة عن حكم الشارع الذي هو مفاد «لا تنقض» وعلى رأي من يقول باعتباره من جهة بناء العقلاء عبارة عن حكم العقلاء والتزامهم ، وعلى رأى من يقول باعتباره من جهة إفادة الكون السابق للظنّ عبارة عن المظنّة الحاصلة من الحالة السابقة ، ومن المعلوم عدم الجامع بين هذه الثلاث.

ثمّ تفصّى عن الإشكال مستمدّا بكلمة «اللهم» بما حاصله أنّ الجامع هو حكم الشارع بالبقاء سواء كان بلا واسطة كما على الرأي الأوّل ، أم معها كما على الأخيرين ؛ فإنّ بناء العقلاء والمظنّة المذكورة لا بدّ من انتهائهما إلى حكم الشارع وإمضائه ، هذا ما ذكره قدس‌سره.

وأنت خبير بأنّ الإشكال والدفع المذكورين مبنيّان على كون الاستصحاب عبارة عن حكم الشرع بالبقاء ، وقد عرفت أنّه عبارة عن الإبقاء العملي الصادر من المكلّف وأنّ الاختلاف في جهة اعتباره لا يوجب اختلافا فيه.

ثمّ إنّه يعتبر في الاستصحاب فعليّة اليقين والشكّ بحيث يدور مدار فعليّتهما

٢٧٠

وجودا وعدما ، ففي حال الغفلة لا موضوع للاستصحاب واقعا ، فلا يكون خطابه متوجّها واقعا ، لعدم تحقّق الوجدانين والحالتين للنفس مع الغفلة ، لا أنّ الخطاب موجود والغفلة مانعة عن تنجّزه ، والدليل على ذلك أنّا إمّا أن نقول بحجّية الاستصحاب من باب الأخبار أو من باب الطريقية أو من باب السيرة وبناء العقلاء.

فإن قلنا بالأوّل فواضح أنّ مفاد قوله : «لا تنقض اليقين بالشكّ» هو اليقين والشكّ الفعليّان ، فلا يشمل الغافل الفاقد لهما فعلا ، والواجد لهما على تقدير الالتفات.

وإن قلنا بالثاني فمعنى الطريقيّة أنّ الكون السابق طريق للثبوت في اللاحق بملاحظة القاعدة المتوهّمة من أنّ كلّ ما ثبت يدوم بحسب الغالب ، فالثبوت في السابق يفيد الظنّ النوعي بحسب هذه الغلبة بالثبوت في اللاحق ؛ لأن الظنّ يلحق الشيء بالأعمّ الأغلب ، ولا يخفى أنّ طريقيّة الكون السابق وإفادته الظنّ مخصوصة بحال ذكره والالتفات إليه ؛ لوضوح أنّه مع غفلة الذهن وعزوبه عن الكون السابق لا يعقل طريقيّته وإفادته الظنّ لا شخصا ولا نوعا ، وقد فرض أنّ موضوع الحجّية هو موضوع الطريقيّة والظنّ النوعي ، فإذا انتفى الطريقيّة والظنّ النوعي انتفت الحجيّة بانتفاء الموضوع.

وإن قلنا بالثالث فواضح أنّ المتيقّن من السيرة وبناء العقلاء هو اليقين والشكّ الفعليّان.

وقد فرّع على هذا الأصل شيخنا المرتضى قدس‌سره فرعين :

الأوّل : أنّه لو أحدث ثمّ غفل ، ثمّ صلّى غافلا ثمّ التفت فشكّ في كونه متطهّرا حال الصلاة أو محدثا ، فالاستصحاب لا موضوع له حال الصلاة ولا قبلها ، لوجود الغفلة وعدم وجود اليقين والشكّ الفعليّين وإن كان لو التفت كان متلبّسا بهما.

نعم يتحقّق موضوعه بعد الصلاة لمكان اليقين والشكّ الفعليّين حينئذ ، فيحكم بمقتضى هذا الاستصحاب بكونه محدثا حال الصلاة ، فيترتّب عليه بطلان الصلاة ، ولكن قاعدة الفراغ قاضية بالصحّة ، وذلك لوجود موضوعها وهو الشكّ الحادث بعد العمل في المقام ، وهى مقدّمة على الاستصحاب المذكور للحكومة.

الثاني : أنّه لو قطع بالحدث ، ثم شكّ ، ثمّ غفل ، ثمّ صلّى ، ثمّ التفت وحصل له

٢٧١

اليقين والشكّ فمقتضى الاستصحاب الجاري في الشكّ المتحقّق قبل الصلاة هو الحكم ببطلان الصلاة ؛ لأنّه دخل في الصلاة محدثا بحكم الاستصحاب ، ولا مجرى للقاعدة حينئذ كما هو واضح.

أقول : أمّا ما ذكره قدس‌سره في الفرع الأوّل من عدم جريان الاستصحاب حال الصلاة وقبلها لوجود الغفلة فمتين ، وكذا ما ذكره من جريانه بعدها لتحقّق الموضوع متين أيضا ، وأمّا ما ذكره من جريان قاعدة الفراغ وتقدّمها على الاستصحاب من باب الحكومة فمخدوش ؛ لأنّا إن بنينا في القاعدة على الطريقيّة كما هي الظاهر من الأخبار الواردة بعدم الاعتناء بالشكّ في بعض أفعال الوضوء بعد الفراغ منه ، وتعليل ذلك بقوله : «لأنّه حين العمل أذكر منه حين يشكّ» فإنّ ظاهره أنّ الغالب عدم غفلة من يشتغل بعمل عن عمله حال الاشتغال ، فإذا شكّ المكلّف في غفلته حال العمل وعدمها بنى على عدمها للغلبة المذكورة. (١)

فعلى هذا يخرج عن مورد القاعدة ما إذا كان المكلّف بعد الفراغ قاطعا بالغفلة حال العمل ، وينحصر فيما إذا احتمل بعد الفراغ عدم الغفلة حاله.

ولهذا استشكل في جريان القاعدة فيما إذا قطع بعد الفراغ من الوضوء بغفلته عن تحريك الخاتم الذي في اليد ، ولكن احتمل وصول الماء تحته من باب الاتّفاق ، فيتقيّد بهذه الأخبار المطلقات الواردة بعدم الاعتناء بالشكّ بعد الفراغ مطلقا من دون ذكر للتعليل المذكور ، وحينئذ يكون الفرع المذكور خارجا عن مورد قاعدة الفراغ ؛ لفرض كون المكلّف بعد الفراغ قاطعا بالغفلة حال الصلاة ، فيكون الاستصحاب جاريا بلا معارض وإن كان على فرض جريان القاعدة محكوما لها ؛ لكونها من الطرق والأمارات وكونه من الاصول.

وأمّا إن بنينا في القاعدة على عدم الطريقيّة وأنّ التعليل المذكور في الأخبار

__________________

(١) فيه أنّه فرق واضح بين جعل الظنّ الحاصل من العادة والغلبة حجّة ، وبين كونه علّة لتشريع الحكم للشاك ، ومفاد الطريق هو الأوّل كذا أفاده دام ظلّه. منه قدس‌سره الشريف.

٢٧٢

يكون للتقريب إلى ذهن المخاطب والإشارة إلى الحكمة دون بيان العلّة (١) ، وإلّا فالحكم ثابت لمطلق من يشكّ بعد الفراغ وإن كان قاطعا بكونه غافلا حال العمل ، والشاهد على ذلك وجود الإطلاقات الواردة في مقام البيان مع خلوّها عن ذكر التعليل المذكور ، فيكون الفرع المذكور موردا لقاعدة الفراغ ، ولكن لا حكومة لها على الاستصحاب ، لكون كلّ منهما حكما واردا على موضوع الشك ، بل الاستصحاب ـ بملاحظة برزخيّته بين الطريقيّة والأصليّة ولهذا يقدّم على سائر الاصول ـ أولى بالتقدّم ، ولكنّ القاعدة مقدّمة عليه من جهة أنّ أكثر أفراد الشكّ بعد العمل تكون لها الحالة السابقة وإن كان يمكن فرض انفكاكه عن الحالة السابقة ، لكنّه فرض نادر ، فلو قدّم الاستصحاب على القاعدة يلزم لغويّة القاعدة من جهة خروج أكثر أفرادها عن تحتها.

فتحصّل أنّه بناء على الطريقيّة لا جريان للقاعدة أصلا وإن كان حكومتها على تقدير الجريان تامّة ، وبناء على عدم الطريقيّة تكون جارية ومقدّمة على الاستصحاب لكن لا من باب الحكومة ، بل من جهة اللغوية ، هذا هو الكلام في الفرع الأوّل.

وأمّا الكلام في الفرع الثاني فهو أنّ ما ذكره قدس‌سره من جريان الاستصحاب في الشكّ المتقدّم على الصلاة ، والحكم ببطلان الصلاة من جهته مخدوش ، بأنّا بعد ما قلنا بدوران الاستصحاب مدار الشكّ واليقين الفعليّين ، فبانقلابهما إلى الغفلة لا بدّ وأن نقول بارتفاع الاستصحاب ؛ إذ كما أنّ الاستصحاب في الحدوث يحتاج إلى الشكّ واليقين الفعليّين ، كذلك في البقاء محتاج إليهما أيضا ، ففي حال بقاء الشكّ يكون المكلّف محكوما بعدم جواز الدخول في الصلاة

__________________

(١) فيه أنّ كون التعليل المذكور من باب الحكمة أو العلّة لا ربط له بما نحن فيه من استظهار الطريقيّة منه ، فإنّه على فرض تماميّته في نفسه يتمّ على التقديرين ، نعم هذا الكلام إنّما ينفع للفرع الفقهي وهو أنّه هل يندرج تحت القاعدة صورة القطع بعدم الالتفات حال العمل أو لا ، كذا أفيد. منه قدس‌سره الشريف.

٢٧٣

بحكم الاستصحاب ، وأمّا بعد انقلابه إلى حال الغفلة يرتفع عنه هذا الحكم بارتفاع الموضوع، ففي حال الدخول في الصلاة كان غير محكوم بالحدث الاستصحابي ، فيكون حال هذا المكلّف حال المكلّف الذي دخل في الصلاة غافلا من الأوّل كما في الفرع المتقدّم.

وحينئذ لا بدّ من نقل الكلام في الشكّ المتأخّر عن الصلاة ، فنقول : جريان الاستصحاب فيه معلوم ، وأمّا جريان قاعدة الفراغ فهو هنا أشكل منه في الفرع المتقدّم ، ووجهه أنّا إن قلنا بالطريقية فعدم الجريان واضح ممّا ذكر في الفرع المتقدّم ، وإن قلنا بعدمها فيمكن القول بعدم الجريان هنا من جهة أنّ موضوع القاعدة لا شكّ أنّه الشكّ الحادث بعد العمل ؛ لوضوح أنّه لو لم يكن كذلك فالشكوك الحادثة في أثناء العمل يمكن الصبر عليها والحكم بالصحّة في ما بعد العمل ، ومن المعلوم بطلان ذلك.

وحينئذ فيمكن أن يقال : إنّ الشكّ الحاصل بعد الصلاة عند العرف عين الشكّ الحاصل قبلها ، فيحكمون بأنّه كان مخفيّا فظهر ، لا أنّه صورة جديدة طارئة على النفس ، كما أنّ الحال كذلك بحسب الدقّة العقليّة ، ألا ترى أنّ صورة زيد إذا حصلت في النفس ثمّ غفل عنها ، ثمّ عادت يحكم العرف بأنّها عين الصورة الاولى وإن كانت مغايرة لها بالدقّة العقليّة؟ فكذلك الحال في الشكّ هنا.

وبالجملة ، فجريان قاعدة الفراغ في هذا الفرع مبنيّ على مقدّمتين ، إحداهما القول بعدم الطريقيّة ، والاخرى إحراز أنّ العرف يحكمون بمغايرة الشكّ الثاني مع الأوّل ؛ إذ مع الشكّ أو إحراز عدم المغايرة لا مجرى للقاعدة ، أمّا على الأوّل فللشبهة في المصداقيّة ، وأمّا على الثاني فللقطع بعدم المصداقيّة ، والظاهر حكمهم بعدم المغايرة ، فلا تكون القاعدة جارية مطلقا ، سواء قلنا بالطريقيّة أم لم نقل ، فيكون الاستصحاب جاريا بلا معارض ونحكم ببطلان الصلاة من جهته لا من جهة الاستصحاب في الشكّ المتحقّق قبل الصلاة كما زعمه قدس‌سره.

ثمّ اعلم أنّ للاستصحاب تقسيمات باعتبارات ثلاثة ، باعتبار نفس المستصحب ، وباعتبار دليل وجوده ، وباعتبار الشكّ ، وله تقسيمات بغير هذه الاعتبارات أيضا ، ولكن لا فائدة فيها ، وإنّما المحلّ للنقض والإبرام أمور :

٢٧٤

الامر الأوّل :

هل الاستصحاب جار في ما إذا كان المستصحب حكما ثابتا بدليل العقل ، بمعنى أنّه لو أدرك العقل الحسن أو القبح في شيء ثمّ شكّ في حسن هذا الشيء أو قبحه في اللاحق ، فهل يجرى الاستصحاب لإثبات الحسن أو القبح السابقين أو لا يجري؟. (١)

ذهب شيخنا المرتضى أعلى الله مقامه الشريف إلى عدم الجريان مصرّا عليه ، وحاصل ما أفاده في تقريب ذلك بطوله أنّ العقل يستقصي أوّلا جميع ما له الدخل في موضوع حكمه من الأوصاف والقيود والخصوصيات فيأخذ الجميع في الموضوع ثمّ يحكم بالحسن أو القبح.

مثلا إذا لا خط عنوان ضرب اليتيم لا يرى له في حدّ نفسه قبحا ، بل يراه متّصفا به في بعض الأحوال وبالحسن في آخر ، فيزيد عليه عنوان الإيذاء فيراه أيضا كذلك ، فيضمّ إليه عنوان كونه صادرا لا عن غرض التأديب فيدرك فيه حينئذ القبح اللازم الثابت في جميع الأحوال.

وكذلك إذا لاحظ عنوان الصدق لا يرى له في حدّ ذاته حسنا ، وإذا زيد عليه عنوان النافع يدرك فيه الحسن الفعلي الحاصل في جميع الحالات ، وكذلك الحال في عنوان الكذب حيث إنّه من حيث هو لا يحكم العقل فيه بالقبح ، ويحكم به بعد انضمام قيد الضارّ.

وحينئذ فنقول : ما دام هذا الموضوع المشتمل على جميع القيود الدخيلة باقيا

__________________

(١) راجع هذا البحث فى ص ٤٩٦

٢٧٥

لا يمكن أن يرتفع عنه حكم الحسن أو القبح ، بل هو حسن دائما وفي جميع الأحوال ، أو قبيح كذلك ، فمع بقاء هذا الموضوع لا يمكن أن يشكّ العقل في الحسن والقبح.

نعم إذا زال بعض القيود يمكن أن يشكّ العقل حينئذ في الحكم من جهة الشكّ في دخل القيد الزائل وعدم دخله واحتمال خطائه في حكمه بدخله ، ويمكن أيضا أن يعرض للعقل الشكّ في الحسن والقبح من جهة الشكّ في التطبيق ، كما إذا كان الموضوع الخارجي منطبقا عليه عنوان الصدق النافع ، فشكّ في اللاحق في انطباقه عليه وعدمه ، فيحصل الشكّ في الحسن والقبح فيه من هذه الجهة.

فشكّ العقل في حكمه منحصر في قسمين ، أحدهما : الشكّ في الكبرى وإن لم يكن شكّ في مقام التطبيق ، والآخر : الشكّ في التطبيق وإن لم يكن شكّ في أصل الكبرى ، والاستصحاب غير ممكن الجريان في كلا القسمين ، أمّا في الأوّل ، فلأنّه يعتبر في الاستصحاب بقاء الموضوع بلا شبهة ، لتوقّف صدق نقض اليقين بالشكّ عليه ، ومع فرض انتفاء بعض القيود يكون الموضوع بنظر العقل غير الموضوع السابق بلا شبهة ، فلا يصدق عنوان نقض اليقين بالشكّ ، وأمّا في الثاني فلفرض الشكّ في انطباق العنوان الذي هو الموضوع للحكم بنظر العقل ، ومعه يكون المقام شبهة مصداقيّة لنقض اليقين بالشكّ ، فلا يمكن التمسّك بعموم دليله.

فإن قلت : إنّا نرجع في تشخيص الموضوع في باب الاستصحاب إلى العرف دون العقل ، ولا ينافي أن يكون موضوع الاستصحاب مأخوذا من العرف ونفس المستصحب مأخوذا من العقل ، فإن جريان الاستصحاب دائر مدار صدق نقص اليقين بالشكّ ، فيمكن أن يكون العقل حاكما بالحسن أو القبح في شيء ، فشكّ في بقاء الحسن أو القبح فيه في اللاحق من جهة الشك في الانطباق أو الكبرى وكان

٢٧٦

الموضوع مع كونه مقطوع الانتفاء أو مشكوك البقاء في نظر العقل معلوم البقاء في نظر العرف ، فيكون عنوان نقض اليقين بالشكّ صادقا ،

مثلا عنوان الصدق وحده في نظر العرف موضوع للحسن وإن كان لعنوان النافع دخل في الموضوع بنظر العقل ، فإذا شكّ في بقاء الحسن فيه في اللاحق مع القطع بحسنه في السابق من جهة الشكّ في التطبيق أو الكبرى ، فيصدق على عدم ترتيب الحسن عليه أنّه نقض لليقين بالشك.

قلت : إذا كان الدليل على المستصحب لفظيّا واختلف الموضوع بنظر العرف باختلاف التعبيرات كاختلافه في قولنا : الماء إذا تغيّر نجس ، وقولنا : الماء المتغيّر نجس ، حيث إنّ الموضوع في الأوّل بنظر العرف هو الماء وحده ، وفي الثاني هو الماء مع وصف التغيّر ، فعند زوال التغيّر من قبل نفس الماء والشكّ في بقاء حكم النجاسة يكون الموضوع باقيا بنظر العرف على الأوّل ، وغير باق على الثانى ، كان ما ذكر حقّا ، فنرجع في تشخيص كيفيّة الموضوع في الدليل إلى فهم العرف واستفادته من الدليل ، هذا إذا كان الدليل على المستصحب لفظيّا.

وأمّا إذا كان لبيّا وعقليّا كما هو المفروض في محلّ الكلام فليس في البين موضوع مأخوذ من الشرع حتى نرجع في تشخيص كيفيّته إلى العرف ؛ لعدم وجود الدليل اللفظي ، فليس إلّا الموضوع المأخوذ من العقل الذي حكم العقل فيه بالحسن أو القبح ، وقد فرضنا أنّ الموضوع العقلي إمّا مقطوع الارتفاع أو مشكوك البقاء.

ومن هنا يظهر أنّه كما لا مجرى للاستصحاب في حكم العقل لا مجرى له أيضا في حكم الشرع الذي يجيء بتبع حكم العقل ، فإنّه ليس لهذا الحكم الشرعي موضوع مستقل وراء الموضوع المأخوذ من العقل ، بل موضوعه وموضوع حكم

٢٧٧

العقل واحد ، هذا ما ذكره قدس‌سره.

والحقّ جريان الاستصحاب في الأحكام العقليّة ، وتقريبه أنّ حكم العقل تارة يراد به نفس إدراكه لحسن شيء أو قبحه وجزمه بذلك ، وحصول الشك للعقل في حكمه بهذا المعنى غير معقول ، فلو كان موضوع إدراك العقل للحسن وجزمه به هو عنوان الصدق مع قيد النافع ، فزال هذا القيد ينتفي لا محالة إدراك العقل وجزمه ، ولا يعقل حصول الشكّ في بقائهما وعدمه للشكّ في دخالة القيد الزائل فيهما وعدمها ؛ إذ لا يعقل أن يشكّ الحاكم في موضوع حكمه ويجهل الجازم بمحلّ جزمه.

واخرى يراد به ما هو ملاك الإدراك والجزم المذكورين ، أعني نفس الحسن والقبح الكامنين في ذوات الأشياء الذين يكون بتبعهما الإدراك والجزم المذكوران ، وحصول الشكّ في هذا المعنى للعقل الغير التام بمكان من الإمكان ، فقد يصير هذا المعنى مشكوك التحقّق في العنوان ابتداء ، وقد يصير مشكوكا بعد زوال بعض قيوده مع معلوميّته قبل زواله ، فحينئذ وإن كان إدراك العقل وجزمه بعد زوال القيد معلوم العدم ، كما كان معلوم التحقّق قبله ، ولكن يمكن أن يصير ملاكه أعني الحسن والقبح الذاتيّين مشكوكا بأحد نحوين.

الأول : أن يكون منشأ الشكّ احتمال كون القيد غير دخيل في ملاك الحسن والقبح أصلا ، ويكون ضمّه كضمّ الحجر إلى الإنسان.

والثاني : أن يكون منشؤه احتمال وجود الملاك اللزومي في المطلق مع القطع بدخالة القيد مردّدة بين دخالته في اصل اللزوم أو في الأكمليّة ، مع قيام أصل اللزوم بالمطلق ، ويمكن أيضا حصول الشكّ في الملاك في الخارجيّات من باب الشكّ في التطبيق مع عدم الشكّ فيه بحسب الكبرى ، فهذه أنحاء ثلاثة للشكّ في

٢٧٨

الملاك ، ولا إشكال في عدم جريان الاستصحاب في شيء من هذه الأنحاء بحسب نفس الملاك ، فلا يمكن استصحاب الحسن والقبح الموجودين في السابق في شيء من هذه الصور.

وجهه أنّ المفسدة والمصلحة الكامنتين في ذوات الأشياء ليستا موضوعين للأثر الشرعي ؛ إذ لم يرتّب الشارع عليهما حكما شرعيّا ، والكشف عنهما وإن كان من وظيفة الشارع من حيث إنّه أعقل العقلاء ، لكنّه خارج عن وظيفته من حيث إنّه شارع ؛ لعدم انتهائهما إلى العمل ، فليستا كالطهارة والنجاسة ؛ لانتهاء هذين إلى العمل ، وأمّا وجوب الإتيان بما فيه المصلحة ، والتحرّز عمّا فيه المفسدة فهو حكم الشرع يستكشفه العقل من قاعدة الملازمة بين المفسدة والمصلحة وبين حكم الشرع ، لا أنّه أثر لنفس المصلحة والمفسدة.

هذا هو الكلام في استصحاب الحسن والقبح العقليّين ، وأمّا استصحاب حكم الشرع التابع لهما فلا مانع عنه سوى ما ذكره قدس‌سره من أنّ الموضوع مقطوع العدم في بعض الصور ومشكوك البقاء في بعض آخر ، فعنوان النقض غير صادق قطعا في الأوّل ، ومشكوك الصدق في الثاني.

والحقّ عدم هذا المانع ، بيانه أنّ في طريق تشخيص الموضوع في باب الاستصحاب أوجها ثلاثة : الرجوع إلى العقل ، والرجوع إلى ما يستفاد من الدليل بحسب فهم العرف ، والرجوع إلى العرف ابتداء مع قطع النظر عن الدليل ، وحيث إنّ المختار كما يأتي في محلّه إن شاء الله تعالى هو الوجه الثالث ـ وحاصل وجهه أنّ الوجه الأوّل مستلزم لسدّ باب الاستصحاب كما هو واضح ، وأمّا الثاني فلأنّا متعبّدون في باب الاستصحاب بصدق النقض والإبقاء وعدم صدقهما لا بغير ذلك ـ ففي كلّ موضع كان وجود الأثر والحكم السابق في اللاحق بقاء وعدمه ارتفاعا ، و

٢٧٩

الالتزام بوجوده إبقاء وبعدمه نقضا نحكم بمشموليّته لعموم «لا تنقض» وإن كان مقتضى الموضوع المأخوذ في الدليل عدم صدق النقض والإبقاء.

كما لو قال الشارع : الماء المتغيّر نجس ، فإنّ العرف يرون الطهارة والنجاسة عارضتين على الجسم ، وأمّا التغيّر وعدمه فيرونهما من حالات الموضوع وعوارضه دون معدّداته ومقوّماته ، فالتغيّر على فرض قيديّته يكون عندهم قيدا للحكم دون الموضوع ، وفي كلّ موضع كان وجود الأثر والحكم السابق في اللاحق حدوثا وعدمه انعداما بانعدام الموضوع يحكم بعدم مشموليّته للعموم المذكور.

وإن كان مقتضى الموضوع المأخوذ في الدليل صدق النقض والإبقاء كان المانع الذي ذكره قدس‌سره مفقودا ، فإنّ العقل وإن كان لا يلقي حكمه إلى العرف بدليل لفظي ، لكن وصل إلى العرف خطاب «لا تنقض» فالعاقل عند حكم عقله بحسن الصدق النافع مثلا واستكشافه حكم الشرع بوجوب هذا العنوان يقطع النظر عن جنبة عاقليّته ويصير عرفا بحتا ويقول : الصدق النافع كان في السابق واجبا بحكم الشرع وشككت في حال زوال قيد نافعيته في ثبوت هذا الحكم فيه ، وقد قال الشارع : «لا تنقض اليقين بالشكّ» فيجد من نفسه مشموليّة المقام لهذا الخطاب.

وبالجملة ، إنّا لا نرى فرقا أصلا بين ما إذا قال الشارع : الماء المتغيّر نجس وبين حكم العقل بالنجاسة في موضوع الماء المتغيّر ، فكما لو عرض على العرف في الأوّل حكم النجاسة المعلّقة على الموضوع المقيّد ، وعرض عليه خطاب لا تنقض ، يحكم عند زوال التغيّر من قبل نفس الماء بمشموليّة المورد للخطاب المذكور ، كذلك لو عرض عليه في الثاني الحكم المعلّق على المقيّد مستكشفا من العقل وعرض عليه الخطاب المذكور يحكم بمشموليّة المورد المذكور لهذا الخطاب بلا فرق.

٢٨٠