أصول الفقه - ج ٢

آية الله الشيخ محمد علي الأراكي

أصول الفقه - ج ٢

المؤلف:

آية الله الشيخ محمد علي الأراكي


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسه در راه حق
الطبعة: ٠
الصفحات: ٧٥٢
  الجزء ١   الجزء ٢
  نسخة غير مصححة

في ما يتعلّق بمسألة بقاء الموضوع في الاستصحاب.

يعتبر في الاستصحاب كون الشكّ في بقاء القضيّة المحقّقة في السابق بعينها في الزمان اللاحق ، وهذا المعنى يتوقّف على بقاء الموضوع ، والموضوع مختلف حسب اختلاف القضايا ، ففي قضيّة «زيد موجود» وكذا «قيام زيد موجود» هو الطبيعة المقرّرة ذهنا ، وفي قضيّة «زيد قائم» هو الطبيعة بوصف وجودها الخارجي ، فلا بدّ من تحقّق الموضوع في اللاحق على النحو الذي كان معروضا في السابق.

وعلى هذا فإذا شك في اللاحق في قيام زيد مع الشكّ في وجوده ، سواء كان الشكّ الأوّل مسبّبا عن الثاني أم لا صحّ الاستصحاب إذا كانت القضيّة الشرعيّة على النحو الأوّل ، ولا يصحّ إذا كانت على النحو الثاني.

أمّا الأوّل فواضح ؛ لأنّ الشكّ قد تعلّق بعين ما كان متيقّنا وهو مفهوم قيام زيد ، وأمّا الثاني فلأنّ القضيّة الشرعيّة هو زيد قائم ، وهي محتاجة إلى وجود زيد والفراغ منه ، وهو منتف حسب الفرض ، فما كان موضوعا للأثر ليس مشكوكا حتّى يستصحب ، والذي هو مشكوك ليس له أثر شرعي.

لا يقال : في صورة عدم الموضوع يكون نقيض القضيّة متحقّقا ، وإلّا يلزم ارتفاع النقيضين ، ففي جانب الثبوت وإن ثبت الاحتياج إلى فراغ الوجود ، ولكن في جانب اللاثبوت يكفي عدم الموضوع ، كما يكفي عدم المحمول ، فالقضيّتان مشتركتان في صحّة الاستصحاب.

والحاصل : لا إشكال في صورة الشكّ في أصل حدوث الزيد ، فإنّ المستصحب إمّا عدم تحقّق قيام زيد ، وإمّا عدم تحقّق قضيّة «زيد قائم» وأثره ارتفاع الأثر المترتّب على الأمرين ، وكذا لا إشكال أيضا في صورة العلم بحدوثه وبقائه مع العلم باتّصافه سابقا إمّا بالقيام ، وإمّا بنقيضه ، فإنّ المستصحب هو الحالة السابقة

٥٨١

على كلا الفرضين ، إنّما الإشكال في صورتين.

إحداهما : صورة العلم بالحدوث والشكّ في البقاء إمّا مع وجود الحالة السابقة في الاتّصاف بالقيام أو بنقيضه ، أو مع عدمها ، والثانية : صورة العلم بالحدوث مع البقاء وعدم الحالة السابقة في الاتّصاف ، ففي كلتا الصورتين مع عدم الحالة السابقة يستصحب عدم تحقّق قضيّة «زيد قائم» وعدم خروجها عن العدم الأزلي إلى الوجود ، وكذا في الصورة الاولى مع سبق الاتّصاف بعدم القيام ، وفي الصورة الاولى مع سبق الاتّصاف بالقيام نقول : الأصل بقاء قضيّة «زيد قائم» وبقائها في عالم الكون ، وعدم انقلابها بالنقيض.

لأنّا نقول : استصحاب عدم تحقّق القضيّة أو تحقّقها لا يثبت اتّصاف شيء خارجي بعدم المحمول أو بثبوتها ، وإنّما يثبت معنى بسيطا وهو ثبوت الشيء أو نفيه ، وهو غير ثبوت شيء لشيء ، ونفي شيء عن شيء.

مثلا لو شككنا في الماء الموجود في اتّصافه بالكريّة أو عدمها من أوّل وجوده فعلى قولك يصحّ استصحاب عدم تحقّق قضيّة «هذا الماء كرّ في الازل» فيحكم بترتّب آثار قلّة هذا الماء الخارجي ، ويقال : إنّه بالملاقاة تنجّس ، وذلك لأنّ عدم الانفعال مرتّب على قضية «هذا الماء كرّ» فإذا استصحب نقيض الموضوع لا يبقي شك في نقيض الحكم ، ونقيض عدم الانفعال هو الانفعال ، فيحكم بانفعال الماء الخارجي ، هذا ما يلزم من قولك ، مع أنّه لا يمكن الالتزام به ؛ لأنّ الانفعال أثر الاتّصاف بالقلّة وعدم الكريّة ، والاستصحاب المذكور لا يثبت حال الماء الخارجي وأنّه كرّ أولا ، وإنّما يثبت أنّ قضيّة هذا كرّ غير متحقّق ، وهذا غير أنّ هذا الماء غير كرّ.

وكذلك استصحاب عدم حيضيّة هذا الدم من الأزل لا يفيد بحال هذا الدم ، ولا يحكم بأنّه استحاضة ، فيرتّب عليه ما يرتّب على دم الاستحاضة من الآثار.

ومن هذا الباب استصحاب عدم التكليف الأزلي الذي تمسّك به للبراءة في الشبهة الحكميّة ، فإنّ عدم مجعوليّة الحرمة في شرب التتن من الأزل لا يفيد بحال

٥٨٢

هذا المكلّف وهذا التتن ، فإنّ المستصحب عدم القضيّة لا جعل قضيّة موضوعها الأفراد الفرضيّة ، ومحمولها عدم الحرمة ، فإنّ هذا ليس له حالة سابقة ، فلعلّه كان من الأزل الملازمة بين الوجود والحرمة ثابتة.

لا يقال : يمكن إثبات حال الموضوع الخارجي أيضا بأن يقال : هذا الشيء المفروغ عن وجوده لم يكن في الأزل موجودا أو موصوفا بوصف كذا ، فالفراغ عن الوجود حالّى ، وظرف النسبة استقبالي فيقال : هذا الماء الذي فرغ عن وجوده في الحال لم يكن في الأزل متّصفا بالكريّة.

وبعبارة اخرى : كما يقال : زيد كاتب وشاعر وقائم مع الإشارة إلى الوجود المفروغ ، كذلك يقال : زيد حادث بعين العناية الاولى ، بلا فرق أصلا ، ومعنى حدوثه انعدامه في الأزل ، وكذلك يقال : هو بحيث ينعدم ، وليس هذا اجتماعا للنقيضين ؛ لاختلاف الزمان ، وإنّما يلزم مع اتّحاده ، كما قيل : زيد كان معدوما ، كما يقال : كان كاتبا ، ويلاحظ عناية وجوده في ظرف النسبة ، والمفروض أنّ عناية الوجود في حال النطق.

ولا فرق بين قولنا : هذا الزيد غير كائن في المسجد ، وبين قولنا : هذا الزيد غير كائن في الأزل ، فكما لا يلزم اجتماع النقيضين في الأوّل ، فكذا في الثانى ، غاية الأمر لاختلاف المكان في الأوّل ولاختلاف الزمان في الثاني ، ثمّ بعد ما صحّ سلب أصل الوجود الأزلي ولم يناف مع عناية الوجود فليس حال أعراض الوجود من القيام وغيره بأعلى منه ، فكما أنّ وجود زيد حادث ، كذلك كتابته وقيامه وغير ذلك من عوارضه ، فكما يقال : زيد المتلبّس بالوجود فعلا غير متلبّس بالوجود في الأزل ، كذلك يقال : زيد المتلبّس فعلا بالوجود غير متلبّس بالكتابة الكائنة في الأزل.

لأنّا نقول : لا يخلو الحال إمّا [أن] يجعل الزمان والأزل قيدا للمحمول ، أو يجعل ظرفا للنسبة ، فعلى الأوّل لا ينافي مع عناية الوجود كما ذكرت ، ولكن هذا المعنى غير قابل للاستصحاب ؛ لأنّ العدم الأزلي غير مشكوك حتّى يستصحب ، وعلى الثاني فلا بدّ من تعليق العدم في ظرف الأزل بالموضوع مع عناية الوجود ، كما يقال

٥٨٣

في جانب المكان : هذا الزيد المتلبّس بالوجود فعلا لم يكن في المجلس المنعقد عشر سنين قبل هذا حاضرا ، ومن المعلوم اجتماع النقيضين لو اعتبر هذا المعنى بالنسبة إلى ظرف الأزل ، بأن يقال : هذا الزيد المتلبّس بالوجود لم يكن في الأزل موجودا أو كاتبا ، فالذي يتعلّق به النسبة إنّما هو الذات المعرّاة ، وعناية الوجود يكون من قبيل ضمّ الحجر.

وحينئذ فحقّ الكلام أن يقال : لا مانع من استصحاب نقيض قضيّة «زيد قائم» في صورة الشكّ في أصل الحدوث ، وفي صورة العلم بالحدوث مع عدم الحالة السابقة ، سواء مع العلم بالبقاء ، أم مع الشكّ فيه ، ولكن في صورة العلم بالبقاء لا يفيد اتّصاف هذا الموجود بعدم القيام ، فلا يفيد في إثبات أثر اتّصافه بعدم القيام لو كان له أثر ، وإن كان يفيد في رفع أثر اتّصافه بالقيام ، بل حينئذ يجري استصحاب نقيض قضيّة «زيد ليس بقائم» أيضا ، فيتعارض الاستصحابان لو كان في البين مخالفة عمليّة.

وأمّا في صورة العلم بالحدوث مع الشكّ في البقاء مع الحالة السابقة القياميّة ، فلا يمكن استصحاب قضيّة «زيد قائم» ؛ لأنّه لا يفيد لنا وجودا خارجيّا يحكم عليه بأنّه قائم ، فهو نظير ما قلنا من عدم إفادة استصحاب نقيض القضيّة أنّ هذا الموجود غير قائم.

وبعبارة اخرى : فرق بين قولنا : قضية زيد قائم موجود ، وبين قولنا : زيد قائم ، فإنّ الأوّل من مفاد كان التامّة ، وليس من ثبوت شيء لشيء ، فالذي يستصحب غير ذي أثر، والذي له الأثر لم يستصحب.

نعم لو كان الأثر مرتّبا على الوجود والقيام على تقدير الوجود ، جاز إحراز جزئي الموضوع بإجراء استصحابين ، أحدهما في إثبات الوجود ، والآخر في إثبات القيام على تقدير الوجود ، فإنّ لوجود الموضوع على هذا دخلا في موضوع الحكم ، وكذا لثبوت المحمول على تقدير وجود الموضوع ، من دون حاجة إلى توسّط تشكيل قضيّة كان الناقصة ، نعم هذا في ما إذا كان في كلّ منهما شكّ مستقلّ.

٥٨٤

وأمّا لو كان الشكّ في القيام مسبّبا عن الشكّ في الموضوع فلا يجري إلّا استصحاب الموضوع وحده ؛ إذ ليس في القيام على تقدير الوجود شكّا مستقلّا حتى يجرى فيه الاستصحاب ، ولعلّ من هذا القسم وجود المجتهد واجتهاده وأعلميّته في موضوع التقليد ، فالموضوع هو الشخص الحيّ الذي كان على تقدير حياته مجتهدا أعلم.

لا يقال : ما ذكرت من قبيل الاستصحاب التعليقي في الموضوع ، وقد منع عنه في محلّه.

لأنّا نقول : لا بأس به إذا كان التعليق مأخوذا في لسان الدليل وموضوعا للأثر ، نظير الصوم ، حيث إنّه عند كونه بحيث لو وجد كان غير مضرّ وقع تحت الإيجاب ، فتحقّق أنّ المتصوّر في موضوعيّة قيام زيد للأثر الشرعي انحاء ثلاثة يختلف حكمها في جريان الاستصحاب.

ثمّ إنّ الدليل على اعتبار بقاء الموضوع في الاستصحاب توقّف صدق البقاء والنقض عليه ، فليس عدم الحكم بقيام عمرو نقضا لقيام زيد ، ولا عدم الحكم بقيام زيد نقضا لزيد قائم ، وهكذا ، وعلى هذا فلا يحتاج إلى إقامة برهان وإن أقامه شيخنا المرتضى قدس‌سره.

قال قدس‌سره : الدليل على اعتبار هذا الشرط في جريان الاستصحاب واضح ؛ لأنّه لو لم يعلم تحقّقه لا حقا ، فإذا اريد إبقاء المستصحب العارض له المتقوّم به فإمّا أن يبقي في غير محلّ وموضوع وهو محال ، وإمّا أن يبقي في موضوع غير الموضوع السابق ، ومن المعلوم أنّ هذا ليس ابقاء لنفس ذلك العارض وإنّما هو حكم بحدوث عارض مثله في موضوع جديد ، فيخرج عن الاستصحاب ، بل حدوثه للموضوع الجديد كان مسبوقا بالعدم ، فهو المستصحب دون وجوده.

وبعبارة اخرى : بقاء المستصحب لا في موضوع محال ، وكذا في موضوع آخر ، إمّا لاستحالة انتقال العرض ، وإمّا لأنّ المتيقّن سابقا وجوده في الموضوع السابق والحكم بعدم ثبوته لهذا الموضوع الجديد ليس نقضا للمتيقّن السابق ، انتهى كلامه قدس‌سره.

٥٨٥

واعترض عليه المحقّق الخراساني طاب ثراه بأنّ المحال إنّما هو الانتقال والكون في الخارج بلا موضوع بحسب وجود العرض حقيقة ، لا بحسب وجوده تعبّدا ، كما هو قضيّة الاستصحاب ، ولا حقيقة لوجوده كذلك إلّا ترتيب آثاره الشرعيّة وأحكامه العمليّة ، ومن المعلوم أنّ مئونة هذا الوجود خفيفة ، مع أنّه أخصّ من المدّعى ، فإنّ المستصحب ليس دائما من مقولات الأعراض ، بل ربّما يكون هو الوجود ، وليس هو من إحدى المقولات العشر ، فلا جوهر بالذات ، ولا عرض وإن كان بالعرض.

إن قلت : نعم لكنّه ممّا يعرض على الماهيّة كالعرض.

قلت : نعم إلّا أنّ تشخّصه ليس بمعروضه ، فيستحيل بقائه مع تبدّله ، بل يكون القضيّة بالعكس ، ويكون تشخّص معروضه به ـ كما حقّق في محلّه ـ بحيث لا ينثلم وحدته وتشخّصه بتعدّد الموجود وتبدّله من نوع إلى نوع آخر ، فينتزع من وجود واحد شخصي ماهيّات مختلفة حسب اختلافه نقصا وكمالا ، ضعفا وشدّة ، فصحّ استصحاب هذا الوجود عند الشكّ في بقائه وارتفاعه ولو مع القطع بتبدّل ما انتزع عنه سابقا من الماهيّة إلى غيره ممّا ينتزع عنه الآن لو كان ، هذا ، انتهى كلامه رفع مقامه.

أقول : يمكن توجيه كلام الشيخ على وجه يندفع عنه الاعتراض ، وتوضيحه أنّه ليس مراده قدس‌سره من وجود الموضوع خارجا وجوده الخارجي البحت ، بل المقصود وجوده الذهني الحاكي عن الخارج ، كما في وجوده التقرّري ، ولهذا يصرّح بعد هذا في كلامه بجريان استصحاب العدالة على تقدير الحياة.

وبالجملة ، من الواضح أنّ المقصود ليس العارض والمعروض في الخارج ، بل المقصود بالمعروض ، الموضوع في القضيّة الاستصحابيّة ، وبالعارض المحمول فيها ؛ فإنّ المحمول عارض في الذهن في مقام تشكيل القضيّة على الموضوع ، ولهذا يقال : الأخبار بعد العلم بها أوصاف.

وحينئذ نقول : إنّا عند إبقاء هذا العارض بالحكم ببقائه في القضيّة الاستصحابيّة

٥٨٦

في ما كانت القضيّة المتيقّنة : الصلاة واجبة ، أو هذا المائع خمر مثلا ، إمّا نقول واجبة ، أو خمر ولا نرتبطها بشيء أصلا ، فهذا يلزم منه تركّب القضيّة من جزءين ، وبقاء هذين العارضين بلا معروض ، وإمّا نقول : واجبة أو خمر ونرتبطها بشيء آخر غير الصلاة وهذا المائع ، وحينئذ فإمّا نجعل المرتبط نفس المحمول العارض على الصلاة وهذا المائع ، فهذا انتقال للعرض ، وإمّا نجعله محمولا مستقلّا أجنبيّا عنه ، وهذا ليس إبقاء للمحمول السابق ، بل حكم بحدوث مثله في موضوع جديد.

وعلى هذا فالكون بلا موضوع والانتقال إنّما هما بالنسبة إلى وجود العرض حقيقة ، غاية الأمر لا في الخارج ، بل في الذهن ، ولا فرق أيضا بين حمل الوجود وغيره من العوارض.

لا يقال : لا شبهة أنّه يجوز عند الشكّ في وجود الزيد مثلا تشكيل قضيّة «زيد قائم» على وجه الكذب ، ولا شبهة أنّ التعبّد أيضا من سنخه ، غاية الأمر أنّه مجوّز ، فيصحّ أن يقال في صورة الشكّ : إنّ الاستصحاب مفيد لبقاء هذه القضيّة حتّى ينحلّ إلى تعبّدين ، تعبّد بوجود الزيد وآخر بقيامه على تقدير الوجود لو كان مشكوكا ، بل وإن لم يكن مشكوكا أيضا كان جاريا بملاحظة التعبّد الأوّل ، فهذا أنفع من الاستصحابين المتقدّمين.

لأنّا نقول : لا يخفى أنّ التعبّد الجائي من قبل الحكم الاستصحابي إنّما هو في المحمول في القضيّة الاستصحابيّة ، لا في موضوعها ، وإلّا يلزم اشتمالها على نسبتين ، فلا محيص عن إجراء الاستصحابين ، أحدهما مفاده التعبّد في وجود الموضوع ، والآخر في ثبوت المحمول للوجود المفروض.

فيما يتعلّق بتعيين معيار الوحدة.

اعلم أنّ المعيار لتشخيص وحدة القضيّتين ، والحاكم باتّحاد الموضوع في القضيتين تارة هو العقل ، واخرى هو الدليل ، وثالثة العرف ، فعلى الأوّل لا يجرى

٥٨٧

في الشبهات الحكميّة اصلا بناء على تبعيّة الأحكام الشرعيّة للأحكام العقليّة ، ذلك لأنّ الموضوع في القضيّة العقليّة هو العلّة التامّة للمحمول ، ولا يعقل انتفاء المحمول مع بقاء الموضوع ، ولهذا لا تخصيص في الأحكام العقليّة ، فكلّ موارد عدم المحمول راجع إلى التخصّص ، لأنّ جميع ما له دخل في الحكم حتى عدم المانع مأخوذ في موضوع حكمه ، فكلّما انتفى عنه الحكم فلا محالة خارج عن دائرة الموضوع ، فلا يمكن الشكّ مع حفظ الموضوع ، بل لا بدّ من الشك في بقائه.

نعم لو قلنا بالمصلحة في نفس الحكم كما هو الحقّ أمكن الشكّ مع حفظ الموضوع لاحتمال مفسدة في نفس الحكم ، ولكنّه نادر ، وبالجملة ، على هذا يختصّ الاستصحاب بالشبهات الموضوعيّة دون الحكميّة ، كما هو مذهب أصحابنا الأخباريّين ، ولا يمكن عدّ هذا دليلا على بطلان هذا الوجه كما هو واضح ، بل الوجه ما سيأتي إن شاء الله تعالى في بطلان الوجه الثانى.

وعلى الثانى يختصّ بما إذا كان في البين دليل لفظيّ وكان الموضوع المعتبر فيه باقيا ، فلا يجري في ما كان الدليل لبيّا ، ولا إذا كان لفظيّا ، ولكن لم يبق الموضوع الدليلي ، فيفرق إذن بين ما إذا كان مفاد الدليل اللفظي نحو قولنا : الماء نجس إذا تغيّر ، فيحكم بالبقاء بعد زوال التغيّر ، وبين ما كان نحو قولنا : الماء المتغيّر نجس ، فلا يحكم ، وكذا بين قولنا : ثمرة الكرم إذا كان عنبا لو غلى ينجس ، فيحكم بالبقاء عند الجفاف ، وبين قولنا : العنب لو غلى ينجس ، فلا يحكم ، وبالجملة ، لا بدّ من اتّباع دليل المستصحب في كلّ باب ، واللازم سدّ باب الاستصحاب كثيرا.

وعلى الثالث يجري ولو كان مفاد الدليل نحو قولنا : الماء المتغيّر نجس ، وقولنا : العنب لو غلى ينجس ؛ إذ بعد زوال التغيّر والعنبيّة يرى العرف مشارا إليه محفوظا ، فيقول : هذا كان متغيّرا أو عنبا ، فيصدق في نظره بقاء النجاسة في هذا وارتفاعها عن هذا ، وأمّا وجه عدم جرمه من نفس الدليل فلأجل احتمال اشتراط النجاسة ببقاء التغيّر العنبيّة.

ثمّ الحقّ تعيّن الوجه الأخير ، والدليل عليه أنّ الخطابات المعلّقة على العناوين

٥٨٨

منزّلة بقرينة حكمة الشارع على المصاديق العرفيّة دون الدقيّة ، فإنّ القضايا الملحوظ فيها وجود الطبيعة بنحو السريان حال العنوان فيها حال «هؤلاء» في كونه إشارة إلى الأفراد ، ومحطّ الحكم نفس الأفراد ، غاية الفرق أنّ الحكم في مثل هؤلاء يمكن أن يكون بملاكات عديدة ، وأمّا هنا فالظاهر أنّه في الجميع بملاك واحد وهو وجود العنوان فيها.

وإذن فنقول : إمّا يلحظ الشارع بتوسّط العنوان المصاديق الواقعيّة ، ويجعل نظر العرف طريقا ، وإمّا يضيّق العنوان تارة ويوسّعه اخرى ، مثل أن يقيّده بقيد العرفي ، وإمّا ينزّل نظره ويصير بمنزلة أحد من العرف ويتكلّم مع العرف بلسانهم ، نظير من يتكلّم مع أهل بلدة كلّهم إلّا نادرا أحول يرى الواحد اثنين ؛ فإنّه في تفهيم مراده يتكلّم معهم بلسانهم ويشير إلى الواحد ويقول : يا هذا ايتني بهذين الاثنين.

وليس هذا منه تصرّفا في لفظ اثنين واستعمالا له في غير معناه ، بل هو سنخ المجاز السكّاكي ، غاية الأمر كان التنزيل والتصرّف هناك في الشيء الخارجي المطبق عليه العنوان ، ويكون هنا في نظر المتكلّم ، فيجعل نفسه أحولا ثمّ يتكلّم مثل الأحول بلا تصرّف ، لا في الكلمة ولا في الإسناد ولا في الأمر العقلي.

ثمّ المتعيّن من بين الوجوه الثلاثة هو الأخير ؛ لأنّه المحفوظ عن المحذور ، بخلاف الأوّلين ، أمّا محذور الأوّل فهو أنّه في مقام التفهيم ما اتي بشيء مفهم للمقصود ، بل اتي بما يدلّ على خلاف المقصود في بعض الموارد ، وذلك للعلم بتخلّف نظرهم نوعا عن الواقع ، وأمّا الثاني فهو تصرّف في اللفظ على وجه بارد ، فيدفعه ظاهر اللفظ ، فتعيّن الثالث ، ولازمه عدم رجوع أحد من العرف لو اتّضح له الواقع عن الحكم ؛ لأنّه وإن كان يصدّق عدم مصداقيّة المورد ، ولكن يحكم بكونه مصداقا لموضوع حكم الشارع بالدقّة ، أو أنّه مع كونه مصداقا للعنوان ليس بمصداق لموضوع الحكم كذلك.

إذا عرفت ذلك فنقول : من جملة الخطابات قول الشارع : «لا تنقض اليقين بالشكّ» ولو قال واحد من أهل العرف هذا الكلام لآخر لا شبهة أنّه يعامل على نحو ما مضى في الوجه الثالث من عدم الاعتناء بالموضوع الدليلي ولا العقلي ، وإنّما

٥٨٩

يلاحظ أنّ المشار إليه المحفوظ في أيّ موضع تحقّق وفي أيّ موضع غير متحقّق ، فيعمل القاعدة في الأوّل دون الثاني ، هذا.

تذييل : وإذ قد عرفت أنّ المتّبع هو العرف فاعلم أنّ العرف يختلف نظره ، فتارة يرى المشار إليه محفوظا واخرى يراه مرتفعا وأنّ الموجود فعلا مباين معه ، وعلى الأوّل تارة يجزم بالحكم بعد زوال العنوان بنفس الدليل من غير حاجة إلى الأصل ، واخرى لا يجزم ، بل يحتاج في حكمه ببقاء الحكم إلى الأصل المقتضى للبقاء ، فهذا ثلاثة أقسام.

مثال الأوّل ـ أعني ما كان المشار إليه محفوظا ورأى بقاء الحكم بنفس الدليل ـ مثل قولك في الحنطة المغصوبة : هي حرام على الغاصب ، فإنّه يحكم ببقاء الحرمة على ذات الحنطة في أيّ صورة دخلت من الدقيقيّة والعجينيّة والخبزيّة.

مثال الثاني هو هذه الصورة مع الاحتياج في الحكم بالبقاء إلى الاستصحاب ، مثل ما تقدّم من مثالي الماء المتغيّر والعنب.

مثال الثالث نحو ما إذا صار الخشب رمادا ، فإنّهم يحكمون بأنّهما وجودان ، أحدهما صار منشأ للآخر وسببا لتوليده ، ونظير الأب والابن ، وكما في الماء والسماد الغائرين في الأرض ، فيورث الثمر في الشجر المغروس فيها ، فإنّه بحسب الدقّة وإن كان عين ذلك الماء والسماد ، ولكنّ العرف يراهما منعدمين في أعماق الارض ومورثين لاستعداد الشجر لحمل الثمر.

وعلى هذا فنقول : لا فرق بين استحالة النجس والمتنجّس في أنّه متى صارت الاستحالة إلى حدّ صار المستحال منه مبائنا ومعدّا عند العرف لحدوث المستحال إليه ، كما في العذرة يصير دودا ، والخشب يصير رمادا ، فهنا لا مجرى لاستصحاب النجاسة ، بل نرجع إلى إطلاق دليل طهارة المستحال إليه لو كان ، وإلّا فإلى قاعدة الطهارة ، ومتى لم يصل إلى هذه الحدّ ، بل كان عندهم شيء مشار إليه بهذا محفوظا كما لا يبعد أن يكون منه استحالة الجسم النجس أو المتنجّس ملحا ، فاستصحاب النجاسة حينئذ جار في كليهما ، والله العالم.

٥٩٠

ايضا فى ما يتعلّق بمسألة بقاء الموضوع في الاستصحاب

اعلم أنّ في مسألة بقاء الموضوع في الاستصحاب مطلبين لا يحتاج شيء منهما إلى زيادة مئونة.

أوّلهما : أنّ البقاء بمعنى اتّحاد القضيتين المتيقّنة والمشكوكة موضوعا ومحمولا إلّا في جهة اليقين والشكّ ممّا لا بدّ منه ، فإنّه بدونه لا يصدق النقض العملي ، فإنّا لو علمنا سابقا بوجوب الجمعة وعملنا بها ، وشككنا في اللاحق في وجوب الدعاء عند الرؤية فلم نعمل ، فلا يصدق في حقّنا أنّا نقضنا عملنا السابق.

وبالجملة ، لا إشكال في احتياج صدق عنوان خطاب «لا تنقض» إلى وحدة الموضوع والمحمول ، ولا نحتاج إلى إقامة برهان كما تكلّفه شيخنا المرتضى قدس‌سره الشريف.

وثانيهما : أنّ الوحدة المذكورة تارة تكون بالدقّة ، واخرى بالعرف بحسب النظر في المدلول اللفظي للدليل الدالّ على الحكم المستصحب ، وثالثة بالعرف بحسب تشخيص الموضوع الذي شكّ في محموله ، ولا يخفى الفرق بين الأوّل والأخيرين ، فإنّ العقل يدرج الشرائط وعدم الموانع في الموضوع ، فباختلاف كلّ من الامور المحتملة الدخل نحتمل اختلاف موضوعه ، نعم إلّا في ما إذا شكّ في محمول الوجود للماهيّة ، أو إذا احتملنا ارتفاع الحكم لمحض طروّ مفسدة في نفس الحكم مع القطع بتماميّة ملاكه في المتعلّق على ما هو عليه.

وأمّا الفرق بين نفس الأخيرين فهو أنّ الأوّل إعمال نظر العرف في تشخيص موضوع القضيّة اللفظيّة الحاكية للحكم ، والثاني إعماله في تشخيص الموضوع الذي شكّ في محموله، وهما مقامان ولا تلازم بينهما.

لا يقال : كيف لا تلازم والحال أنّه إذا حكم العرف بأنّ الموضوع في القضيّة اللفظيّة مثلا هو الماء المقيّد بالتغيّر ، ثمّ شككنا بعد زوال التغيّر من قبل نفسه في

٥٩١

زوال النجاسة ، فكيف نحكم بأنّ موضوع هذه النجاسة المشكوكة هو الماء ، فادّعاء ذلك مساوق لادّعاء أنّ العرف لا يرى التفاوت بين المطلق والمقيّد ، بل لا حاجة حينئذ إلى التشبّث بذيل الاستصحاب ، بل نتشبّث بنفس دليل نجاسة الماء المتغيّر.

لأنّا نقول : المقصود أنّ العرف بعد جزمه بأنّ الموضوع المقيّد والموضوع المطلق متغايران لا يراهما موضوعين كزيد وعمرو ، ولا يرى بينهما المباينة والتعدّد الموضوعي بحيث لا يرى بينهما هذيّة محفوظة.

مثلا لو علّق البيع بهذا الفرس بشرط كونه عربيّا ، فتبيّن أنّه عجميّ ، فهو يفهم أنّ واجد القيد غير فاقده ، ولكنّه لا يرى هذا الفرس غيره في حال العربيّة مثل تفاوت الفرسين، بل يقول : هذا هو الذي وقع العقد عليه ، فوجه عدم التشبّث بالدليل أنّه قد أخذ فيه القيد، والمفروض انتفائه ، والمقيّد لا يصدق على فاقد القيد ، فلا يمكن التمسّك بإطلاق الدليل.

وأمّا التمسّك مع ذلك بالاستصحاب مع احتمال دخالة القيد حدوثا وبقاء فهو أنّ هاهنا هذيّة محفوظة ، ولهذا لو قطع بأنّ القيد دخيل حدوثا وبقاء يصدق عند العرف عنوان الارتفاع والذهاب ، ولو قطع بعدم دخالته بقاء يصدق عندهم عنوان البقاء ، وهذا كاشف عن محفوظيّة الموضوع ، فلو شكّ في الأمرين فلازمه الشكّ في البقاء والارتفاع ، ولازم ذلك أن يصدق على عدم ترتيب العمل السابق أنّه نقض عملي.

إذا عرفت ذلك فنقول : المعتبر من هذه الوحدات الثلاثة هو الأخيرة ، وهذا المطلب أيضا كالمطلب السابق لا يحتاج إلى زيادة مئونة ؛ لأنّ الخطاب الصادر في المقام ينصرف إلى ما هي مصاديق بنظر العرف لكبرى نقض اليقين بالشكّ ، لا إلى مصاديقها العقليّة كما هو الحال في كلّ مقام.

فإذا فرضنا أنّ الدليل اللفظي قد أخذ الموضوع للنجاسة ، الماء المتغيّر ، فالموضوع بحسب الدليل والعقل كليهما غير باق مع زوال التغيّر ، ولكن مع ذلك رأينا العرف يطلقون بواسطة روية الهذيّة المحفوظة عنوان نقض اليقين بالشكّ على

٥٩٢

ترك الامتناع من التوضّؤ بالماء المذكور بعد ما كان ممتنعا منه ، كنّا تابعين لنظر العرف دون نظر العقل ، كما في اختلافهما في تشخيص مصداق الدم في اللون ، حيث يراه العقل مصداقا ، ولا يراه العرف ، فكما نتّبع في ذاك الباب طريقة العرف ونقول بعدم نجاسة اللون من هذه الجهة ، نقول هنا أيضا بأنّ المعيار في الوحدة هي الوحدة العرفيّة بالطريق الثالث ، دون الوحدة العقليّة ودون العرفيّة الدليليّة.

وهذا لا إشكال فيه بناء على مذاق من يقول بأنّ العناوين الواقعة في لسان الشارع يقع عبرة ومرآتا للأفراد العرفيّة ، بمعنى أنّ الشارع ينظر بها إلى الأفراد بالنظر العرفي المسامحي ، لا الدقّي العقلي ، فيقع حكمه بالدقّة على المصاديق العرفيّة للعناوين.

وإنّما الإشكال يكون بناء على مذاق آخر في المسألة وهو أنّ العناوين يجب أخذ مفهومها ومدلولها اللفظي من العرف لو وقع الاختلاف بين الحقيقة الواقعيّة للشيء وبين مدلوله ومتفاهمه من لفظه ، كما في حقيقة الدم والماء ومدلولي لفظهما في اللون والماء الممزوج بمقدار كثير من التراب ، حيث إنّ الحقيقة الواقعيّة بخواصّها وآثارها باقية في الموردين ، ولكن لا يصدق مفهوم لفظي الماء والدم.

ووجهه أنّ الواضع هو العرف وهم ينتزعون من المصاديق الخاصّة بخصوصيّة مفقودة في الموردين ـ كالكون ذا جسميّة محسوسة أو غير ممزوج بشيء آخر بمقدار ـ جامعا ويضعون اللفظ لهذا الجامع ، هذا في الموارد التي يكون بين العرف والعقل اختلاف مفهومي.

وأمّا في ما إذا لم يكن بينهما اختلاف في المفهوم كالبيع والباطل ، فإنّ المبادلة المسببيّة ومقابل الحقّ أمران غير قابل للاختلاف بين العقل والعرف ، وإنّما الاختلاف في تعيين أسباب هذين المسبّبين ، ففي هذه الموارد نقول : إنّ نظر الشارع حين الخطاب تعلّق بالمصاديق الحقيقيّة لهذه العناوين.

وأمّا وجه كوننا آخذين بنظر العرف ما لم يرد تخطئة من الشرع فهو من باب تقرير الشارع وعدم تخطئته لنظرهم ، كما في سائر السير العرفيّة الغير المخطئة في لسان الشارع.

٥٩٣

ويظهر الثمر بين المذاق الأوّل وهذا المذاق في هذا القسم في ما إذا قطعنا من الخارج بخطاء العرف ، فإنّه لا وجه للأخذ به بعد انكشاف خطاء الطريق بناء على المذاق الثاني ، ويجب الأخذ به بناء على الأوّل ؛ لأنّه من المصاديق الحقيقيّة لمحلّ الحكم ، وكذا في ما لو ورد من الشرع حكم بعدم ترتيب الأثر على مصداق عرفي ، فإنّه تخصيص بناء على المذاق الأوّل وليس بتخصيص بناء على المذاق الثاني ، وإنّما هو تخطئة للطريق وأنّ ما عيّنه الطريق مصداقا ليس بمصداق.

وبالجملة ، فعلى هذا المذاق الثاني يشكل الحال في مسألتنا هذه كما في مسألة حجيّة الاستصحاب في ما إذا كان في البين واسطة خفيّة ، ووجه الإشكال أنّ صاحب هذا المذاق يلتزم في موارد اختلاف العقل والعرف إمّا بالاختلاف المفهومي كما في الدم والماء ، وإمّا بالطريقيّة لنظر العرف ، وشيء من الأمرين لا يجيء في هذين المبحثين.

أمّا الثاني فواضح ؛ لأنّ الطريق إنّما هو طريق ما لم ينكشف خطائه بالقطع ، وقد فرضنا أنّه لا يصدق كبرى نقض اليقين بالشكّ بحسب الدقّة العقليّة في الموردين ، أعني في مورد خفاء الواسطة وفي مورد تخلّف الوصف الذي يراه العرف تخلّف حال الموضوع لا تخلّف ذاته ، فكيف مع القطع بهذا نتّبع نظره؟.

وأمّا الوجه الأوّل فلأنّ في لفظي الدم والماء أمكنه أن يقول بأنّ هنا جامعا مغايرا للجامع الدقّي الحقيقي مثل ما هو ذو الجسميّة المحسوسة أو ما هو ممتاز عمّا عداه غير مخلوط بغيره ، وأمّا في المقام فألفاظ اليقين والشكّ والنقض ليس في شيء منها تطرّق لمثل هذه الدعوى ؛ إذ كما أنّ اليقين ليس بين العقل والعرف في مفهومه خلاف وكذا لفظ الشكّ ، كذلك حال لفظ النقض ، فإنّه بمعنى واحد عندهما وهو ضدّ الابرام ، وإذا كان مفردات الدليل هكذا فكيف يحصل الخلاف من هيئة تركيبهما؟.

والحاصل أنّ في العناوين الواقعة في الخطابات الشرعيّة مذاقين.

أحدهما للمولى الخراساني وهو أنّها مرايا للمصاديق الواقعيّة الحقيقيّة التي لا مسامحة في مقام التطبيق أصلا ، بل العقل يشخّصها مصاديق لتلك العنوانات ، نعم في مقام أخذ حدود أصل المفهوم يكون المرجع هو العرف ، وأمّا بعد أخذه بماله من

٥٩٤

السعة والضيق عندهم فهى عبرة للمصاديق النفس الامرية فلو فرض ان العرف تخيّل خطأ ما ليس بمصداق مصداقا فهو اجنبيّ عن الحكم ، وإلّا يلزم ان يكون اللافظ استعمل اللفظ في معناه الغير الواقعي ، بل التخيّلي للسامع ، وهو مقطوع الخلاف ، كما هو الحال في عامّة الألفاظ ، فمن يقول : أنا مجتهد ، يريد بلفظ المجتهد معناه الواقعي ، لا المقيّد بالعنديّة ، وهكذا الشارع إذا قال : حكم العنوان الكذائي كذا. يريد به افراده النفس الأمريّة لا الخياليّة المعتقدة عند المخاطبين والمكلّفين.

ثانيهما للسيّد المحقّق الفشاركي الأصفهاني استاد استادنا اعلى الله مقامه ، وهو أنّ اللافظ لا يريد في مقام الاستعمال غير معناه الحقيقي ، بل يجعله قالبا له ، لا المقيّد بالعنديّة للسامع حتى يقال : إنّه مقطوع الخلاف مخالف للوجدان ، بل اللفظ المعطى معناه قد استعمل على نحو يستعمله واحد من أهل العرف وينزّل المتكلّم نفسه مع كونه عالما بحقيقة الحال وأنّ مخاطبيه مخطئون كثيرا في تشخيص المصاديق كواحد منهم ، وبعد جعل عينه إلى المصاديق الخارجيّة عينا عرفيا يجعل المفهوم عبرة للخارج ، ولا محالة يقع حكمه حينئذ على المصاديق العرفيّة ، ولنعم ما قيل في الفارسيّة :

چون که با کودک سرو کارت فتاد

پس زبان کودکی باید گشاد

فهذا مشترك في النتيجة مع التقييد في مقام الاستعمال بقيد العنديّة العرفيّة ، ولكنّه سالم عن محذوره ، ألا ترى أنّ واحدا من أهل العرف متى يستعمل اللفظ لا يريد منه غير معناه الحقيقي ، ومع ذلك لا يريد بالإرادة الجديّة إلّا الأفراد التي هي أفراد في نظره ، لا الأفراد النفس الأمريّة ، فلا فرق بينه وبين الشارع غير أنّ الشارع عالم بحقيقة الحال وجاعل نفسه كذلك عن التفات وعمد ، وهم مجبولون غير شاعرين بذلك.

مثلا لو أردت من عبدك الأحول العين المجيء برجل واحد أمامكما ، فأمرك دائر بين أن تقول : جئني بهذا الرجل الواحد ، فيبقى عبدك متحيّرا ؛ لأنّه لا يرى في أمامه إلّا اثنين ولا يرى في غيرهما شخصا.

وبين أن تقول : جئني بهذين الاثنين حتى تصل إلى مقصودك بسهولة ، فأنت تختار هذا الطريق الثاني ، وأنت حين تقول : لفظ الاثنين ، لا تريد به غير معناه في سائر الأحيان، ولكنّ التفاوت إنّما هو في نظرك التطبيقي ، فمورد حكمك جدّا هو

٥٩٥

الواحد الحقيقي ، والاثنان الحقيقيّان غير مورد لحبّك جدّا.

وهكذا في خطابات الشرع ، فالمصاديق النفس الأمريّة التي لا يفهما العرف غير متعلّق لحبّ الشارع وبغضه وجعله جدّا ودقّة وحقيقة ، والأشياء الأجنبيّة التي يتخيّلونها أفرادا موضوعات لأحكامه كذلك أعني دقّة وحقيقة.

إذا عرفت المذاقين فنقول : موارد اختلاف الحقيقة النفس الأمريّة عن النظر العرفي على قسمين ، أحدهما : ما يمكن إرجاعه إلى الاختلاف المفهومي ، بمعنى أنّ الحقيقة النفس الأمريّة وإن كان أعمّ أو اخصّ ، لكنّ العرف في وضعهم اللفظ اعتبروا خصوصيّة زائدة غير دخيلة فيها ، مثلا حقيقة الدم التي هي واحد من الأخلاط الأربعة لها واقعيّة محفوظة لا مدخليّة في تحقّقها وجود الجرم المحسوس لها ، ولهذا يراه العقل مع اللون أيضا ، ولكنّ العرف قد أخذوا في مفهوم لفظ الدم كونه مع الجسميّة المحسوسة.

وكذا حقيقة الماء التي من أحد العناصر الأربع له حقيقة محفوظة ولو مع الاختلاط بمقدار كثير من التراب ، بحيث صار اسمه عند العرف طينا ، فإنّ حقيقة المائيّة والترابيّة محفوظتان فيه قطعا ، ولكنّ العرف في وضعهم لفظ الماء اعتبروا خلّوه عن المزج بالغير بهذا المقدار.

فالاختلاف بين العقل والعرف في أمثال هذه الموارد يكون في أصل العنوان ، ويمكن في مثله القول بأنّ العنوان العرفي عبرة لمصاديقه بالنظر التدقيقي العقلي ، لا المسامحي العرفي ، فالمسامحة وإن اعملت في عالم استعمال اللفظ وإرادة المفهوم ، ولكن في عالم التطبيق روعي التدقيق والتحقيق.

والقسم الثاني ما لا يجري فيه الكلام المذكور أعني القول بأنّ هنا حقيقة واقعيّة نفس أمريّة ومفهوما عرفيّا مخالفا له بالعموم والخصوص ، بل المقطوع أنّ الحقيقة الواقعيّة والمتفاهم العرفي واحد لا تفاوت بينهما أصلا ، بل منشأ الاختلاف إنّما هو ضعف ونقصان في فهم العرف ، حيث يرون غير المصداق مصداقا ، أو المصداق أجنبيّا ، كما كان المنشأ في الأحول ضعفا ونقصانا في حاسّته ، وإلّا فليس للأحول

٥٩٦

اصطلاح واختراع جديد في لفظ الاثنين.

فنقول : هكذا الكلام في عنوان نقض اليقين بالشكّ في مورد خفاء الواسطة وفي مورد زوال الوصف المحتمل الدخل عن الموضوع ، فإنّه بحسب الحقيقة ونفس الأمر لا مصداق للنقض في الموردين ؛ لاختلاف الواسطة وذيها حقيقة وعدم ترتيب أثر شيء على شيء آخر لا يسمّى نقضا حقيقة ، وكذلك الموصوف بالوصف العنواني إذا زال عنه الوصف وقد كان الحكم منوطا به وجودا وعدما ، فقد تبدّل ما هو الموضوع للحكم حقيقة ؛ إذ لا فرق بين تبدّل الذات وتبدّل الوصف مع بقاء الذات في أنّ الموصوف بما هو موصوف قد انتفى في كليهما حقيقة.

وعلى هذا فإن احتملنا دخالته في الحكم بقاء بعد القطع بدخالته حدوثا فزال ، كان من باب الشكّ في بقاء الموضوع وتبدّله.

هذا بحسب الحقيقة ونفس الأمر ، وأمّا بحسب نظر العرف فلو فرض القطع أيضا بدخالة الوصف حدوثا وبقاء ودوران الحكم مداره وجودا وعدما ، فزال الحكم بزوال الوصف ، فالعرف يحكمون مع ذلك بأنّ الحكم على هذه الذات قد ارتفع بعد ما ثبت ، كما أنّه لو حدث فيه الحكم متّصلا بزوال الوصف بواسطة ملاك آخر يقولون : حكمه ما ارتفع ، وليس الحال هكذا عندهم في ما إذا تبدّلت الصورة النوعيّة للشيء ، كما إذا صارت النطفة إنسانا ، فلا يقولون : هذا كان نجسا ثمّ ارتفع عنه حكم النجاسة ، بل يقولون : النطفة شيء آخر وهذا موضوع آخر ، ولم يكن قطّ محكوما هذا الموضوع بالنجاسة حتّى يرتفع عنه.

وقد عرفت أنّ ما يحكمونه في هذه الصورة هو الحقّ الواقع في صورة تبدّل الوصف العرضي أيضا إذا فرض تقيّد الحكم به وجودا وعدما.

ففي الصورتين لا يكون مصداق للبقاء والارتفاع حقيقة ، وفي صورة الشكّ في الدخالة بحسب البقاء يكون من باب الشكّ في بقاء الموضوع ، فليس تصحيحهم لإطلاق عنواني البقاء والارتفاع في صورة تبدّل الوصف العرضي إلّا ناشئا عن أحوليّة عين عقلهم والتباس الأمر عليهم ، حيث مع التفاتهم إلى دخالة الوصف في

٥٩٧

الحكم ثبوتا وعدما والتفاتهم إلى أنّ الكلّ ينتفي بانتفاء جزئه ، والموصوف بما هو موصوف ينتفي بانتفاء واحد من الذات ووصفه يرون في صورة زوال الوصف صحّة إطلاق الانتقاض والارتفاع حقيقة.

فنقول : صاحب المذاق الثاني في فسحة في هذا المقام ، فإنّه يقول : قد ألقى الشارع خطاب «لا تنقض» بالنظر العرفي ، فوقع نظره على هذه الأشياء الموهومة المتخيّلة للعرف كونها نقضا ، مع أنّه لا واقعيّة لنقضيّتها ، فوقعت موردا لحكمه بالدقّة والحقيقة.

وأمّا صاحب المذاق الأوّل فلا مخلص له هنا بالذهاب إلى الاختلاف المفهومي بأن يقول : هنا نقض حقيقي نفس أمري ، ونقض خيالي موهومي والعرف في وضعهم لفظ النقض أخذوا الجامع ممّا يشمل الأفراد الموهومة ، وذلك لأنّا نقطع بأنّ ألفاظ النقض واليقين والشكّ والنسب التركيبيّة الواقعيّة بينها ليس شيء منها محلّ اصطلاح خاصّ لأهل العرف وراء حقائقها النفس الأمريّة ، كما عرفت في مثال الاثنين عند الشخص الأحول العين ، بحيث كان لها حقائق يدركها العقل ، وكان لها مفاهيم يدركها العرف ، وكان بينهما العموم والخصوص المطلقان أو من وجهين ، وإنّما نشأ الاشتباه من نقص الفهم كما نشأ في الأحول من نقص الحاسّة.

تتميم : حكى شيخنا المرتضى قدس‌سره عن بعض المتأخّرين أنّه فرّق في الاستحالة بين نجس العين والمتنجّس ، فجعل الأوّل طاهرا بعدها دون الثاني ، نظرا إلى أنّ النجاسة فيه غير معلّقة إلّا على عنوان الجسميّة المحفوظ بعد الاستحالة ، وبالجملة ، الموضوع في نجس العين قد زال ، فارتفع النجاسة بارتفاع الموضوع ، وأمّا في المتنجّس فهو محفوظ غير زائل ؛ لأنّه مطلق الجسم من غير مدخليّة صورة من الصور.

وأورد عليه شيخنا المرتضى قدس‌سره بأنّه وإن كان جسما في بادي النظر ، ولكن دقيق النظر يقتضي خلافه ؛ إذ لم يعلم أنّ موضوع النجاسة في المتنجّس مطلق الجسم ، وأمّا قاعدة «كلّ جسم لاقى النجس برطوبة فهو نجس» فليست مورد خبر ، وإنّما هي معقد الإجماع ، ومن الممكن أنّ المقصود بها الإشارة إلى عموم الحكم لكلّ فرد من أفراد الجسم بلا استثناء شيء منها ، وكانت متّخذة من الأخبار

٥٩٨

الواردة في الموارد المخصوصة.

ألا ترى أنّه لو قال قائل : كلّ جسم له خاصيّة ، فليس مراده أنّ الخاصيّة قائمة بعنوان الجسميّة بحيث لو تبدّلت صورته النوعيّة أو الصنفيّة أيضا لم يزل تلك الخاصيّة ، بل المقصود منه إلقاء العموم ، وإلّا فالخاصيّة في كلّ جسم قائمة بصورته النوعيّة أو الصنفيّة ، فمن المحتمل أن يكون الأمر في مقامنا أيضا كذلك ؛ إذ بعد احتمال أن يكون منشأ القاعدة هي هذه الأخبار ، فالمدرك في الحقيقة ليس إلّا تلك الأخبار.

ولو كنّا نحن وهذه الأخبار التي قد وردت في الموارد المختلفة في الثوب واليد والإناء والقربة إلى غير ذلك ، لم يكن لنا استفادة أنّ قوام التنجّس بالملاقاة إنّما هو بعنوان الجسميّة ، نعم الذي كنّا نستفيد هو العموم وعدم الاختصاص بفرد من أفراد الجسم ، وأمّا أنّ القوام بحيث الجسميّة أو بحيث الصورة الفعليّة فليس على شيء منهما دليل ؛ إذ العموم مع كلّ منهما تمام.

وبعبارة اخرى : يمكن أن يكون الأثر قائما بالهيولى القابلة للصور التي ليس إلّا صرف الاستعداد والشأنيّة لقبول الصور ، ويمكن أن يكون للوجود الفعلي الحاصل حال الملاقاة ، ولازم الأوّل بقائه بعد التبدّل ، ولازم الثاني انتفائه ، فإذا تردّد الأمر بين الوجهين فلا دليل لنا عند تغيّر الصورة ، بحيث عدّ الوجود الفعلي عند العرف غير الوجود الفعلي الثابت حال الملاقاة يدلّ على ثبوت التنجّس ، وحينئذ فالموارد بين ثلاثة.

أحدها : ما يستقلّ العرف بنفس الدليل الأوّل ، لعدّهم التغيّر من باب تغيّر الحال ، ولعلّ منه تبدّل الحنطة المتنجسة بالدقيق.

وثانيها : ما يقع فى الشكّ معه ولا يرى للاستصحاب أيضا مجال ، ولعلّ منه تبدّل الماء المتنجّس بولا لمأكول اللحم أو ماء للبطيخ.

وثالثها : ما يقع معه في الشّك من حيث الدليل ولكن يراه موردا للاستصحاب ، ولعلّ منه تبدّل الخشب المتنجّس بالفهم ، كما أنّ هذه الأقسام بعينها موجودة في طرف الأعيان النجسة ، فعلم أنّ الحقّ عدم الفرق ، هذا محصّل ما يستفاد من كلماته

٥٩٩

قدس‌سره في هذا المقام.

ولكن استشكل عليه شيخنا العلّامة الاستاد أدام الله علينا وعلى المحصّلين أيّام إفاداته بأنّ احتمال كون العموم المذكور ملقاة لأجل محض العموم ، ولو كان معقدا للإجماع ، خلاف الظاهر ، ألا ترى أنّه لو قام الإجماع على أنّ كلّ جسم نجس كان الظاهر أنّ النجاسة معلّقة بعنوان النجاسة ، فكذلك إذا قام على أنّ كلّ جسم ملاق للنجس نجس يفهم أيضا بملاك الجسميّة والملاقاة.

وأمّا التنظير بقولهم : كلّ جسم له خاصيّة ، فالإنصاف أنّه مع الفارق ، فإنّ أشخاص الأجسام في أشخاص الخاصيّة مختلفة ، فكلّ صنف أو نوع يفيد خاصيّة غير ما يفيده الآخر ، وهذا بخلاف ما نحن فيه ، حيث إنّ المحمول شيء واحد وهو النجاسة ، فالظهور المذكور إنّما نشأ من اختلاف المحمولات هناك ، فلا ربط له بالمقام المفروض فيه وحدة المحمول.

قال الاستاد دام ظلّه : وما ذكرناه في الدرر أيضا غير مرضيّ ، وهو أنّ الموضوع هو مطلق الجسم ، ولكن نحتمل أن يكون تبدّل الصورة من المطهّرات والمزيلات للنجاسة ، والدليل المثبت للنجاسة غير متعرّض لحيث المزيل ، فلا ينافي الاعتراف بموضوعيّة الجسم الاحتياج إلى الاستصحاب مع بقاء الموضوع في الحكم ببقاء النجاسة ، بخلاف ما إذا لم يبق الوحدة العرفيّة ، فحينئذ لا يكفي الدليل ، لما مرّ ، ولا الاستصحاب ، لعدم الموضوع العرفي.

إذ فيه أنّا بعد تسليم كون الموضوع مطلق الجسم لا نحتمل كون التبدّل الصورى من المطهرات الشرعيّة ، بل من المقطوع كونه من باب زوال الحكم بزوال الموضوع ، والاعتراف المذكور سدّ لهذا الباب.

فالأولى والأسدّ بعد تسليم موضوعيّة مطلق الجسم أن يقال : إنّ الجسم إذا لاقى يصير هو ما دام محفوظيّة هذائيّته العرفيّة نجسا ، وأمّا بعد ما صار جسما آخر ووجودا آخر بنظرهم ، فلا يبقى موضوع الملاقي ، لأنّهم يقولون كان في البين جسم لاقى وهو ارتفع ، وهذا جسم آخر ولم يلاق من أوّل وجوده.

٦٠٠