أصول الفقه - ج ٢

آية الله الشيخ محمد علي الأراكي

أصول الفقه - ج ٢

المؤلف:

آية الله الشيخ محمد علي الأراكي


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسه در راه حق
الطبعة: ٠
الصفحات: ٧٥٢
  الجزء ١   الجزء ٢
  نسخة غير مصححة

آخر ليس له الأخذ بغير ما اختاره في الوقت الأوّل ، أو أنّه استمراري ، فله الاختيار في كلّ وقت؟.

قد يقال بالثاني نظرا إلى إطلاق قوله عليه‌السلام : تخيّر أحدهما ، أو : بأيّهما أخذت وسعك ، لكلّ وقت ابتلى فيه المكلّف بالواقعة ، وعلى فرض الإغماض عن الإطلاق وأنّه حكم المتحيّر ، ولا تحيّر بعد الأخذ بأحد الخبرين لنا استصحاب بقاء التخيير ، وهو حاكم على استصحاب الحكم المختار ، هذا ما يقال.

وفيه نظر ؛ إذ الظاهر من قولك : خذ بهذا أو ذاك ، إحداث الأخذ ، وأمّا بعد الأخذ ففي الأزمنة المتأخّرة وإن كان يقال : فلان آخذ بقول فلان ، لكن لا يقال : أخذ أو يأخذ ، كما لا يقال على من بقي على هيئة القيام : إنّه قام فلان أو يقوم وإن كان يقال : إنّه قائم ، نعم بعد التجريد عن معنى الحدوث يقال : يقوم أو يقعد ، وإلّا فيقال : هو باق على قيامه أو قعوده السابق ، فكذا الحال في الالتزام والأخذ القلبي.

وإذن فلا معنى للتخيير في حالة البقاء على الالتزام بأحد الخبرين بين حدوث هذا الالتزام أو ذاك ، نعم يتصوّر التخيير بين بقاء هذا الالتزام وحدوث ذاك ، لكنّ الجمع بينهما في إنشاء واحد مستلزم لجمع اللحاظين في لحاظ واحد.

ومن هنا اتّضح أنّه لا معنى للاستصحاب أيضا ، فإنّ التخيير بمعنى بين الحدوثين غير ممكن ، وبمعنى بين البقاء والحدوث أمر مغاير للموجود السابق ، فليس وجوده في اللاحق بقاء لشخص الحكم السابق.

فإن قلت : لا نستصحب التخيير ، بل نستصحب جواز الأخذ بالخبر الآخر الغير المختار في الوقت الأوّل ، فإنّه كان جائز الأخذ سابقا والآن نشكّ فيه ، فمقتضى الاستصحاب بقاؤه.

قلت : جواز الأخذ به كان ثابتا في السابق من باب أنّه أحد عدلي التخيير ، وبعد الأخذ بعدله الآخر ارتفع ذلك التخيير لا محالة ، فارتفع ذلك الجواز أيضا ، فالجواز لو كان في اللاحق كان شخصا آخر غير مرتبط بشخص الجواز السابق.

فإن قلت : ما ذكرت سلّمناه ، ولكن الالتزام أمر اختياري ، فيجوز للإنسان رفع

٤٤١

اليد عنه فيصير متحيّرا كأوّل الأمر ، فيمكن في حقّه التخيير بين الحدوثين.

قلت : إن كان مرادك الأخذ بالإطلاق لا مانع منه عقلا لو ساعده ظاهر اللفظ عرفا ، وإن كان مرادك الاستصحاب ، فلا يجوز لارتفاع شخص الحكم السابق بواسطة تخلّل حالة البقاء على الالتزام ، وقد اعترفت بعدم تمشّي التخيير بين الحدوثين في حالة ، فالتخيير على تقدير ثبوته عند رفع اليد عن الالتزام السابق يكون أمرا حادثا ، وليس بقاء للحادث السابق.

والحاصل أنّ استصحاب الحكم معلّقا على العنوان كعنواني المسافر أو العادل وإن كان يفيد ولو بعد تخلّل حالة الضدّ مثل حالة الحضر والفسق ، ولكنّه في ما إذا شكّ في بقاء الحكم على العنوان الكلّي أو ارتفاعه بالنسخ ، وأمّا لو لم يكن الشك في النسخ وكان المقصود إبقاء الحكم الثابت للشخص فلا يفيده الاستصحاب معلّقا على العنوان ؛ إذ هو غير مفيد بحال هذا الشكّ ، واستصحاب الشخص قد انقطع بطروّ حالة الضدّ.

المقام الثاني في ما إذا كان لأحد الخبرين مزيّة على الآخر ، والكلام فيه يقع في أمرين:

أحدهما : هل يجب الترجيح بواسطة وجود المزيّة في أحد الخبرين أو لا؟ ، الثاني : على فرض ذلك هل يقتصر على مزايا مخصوصة أو يتعدّى إلى كلّ مزيّة.

أمّا الأمر الأوّل :

فالمشهور وجوب الترجيح ، وقبل الشروع في الاستدلال لا بدّ من تأسيس الأصل في المسألة ، فنقول وعلى الله تعالى التوكّل : الكلام تارة على الطريقيّة وأخرى على السببيّة.

أمّا على الطريقيّة فقد عرفت أنّه سواء قلنا بإطلاق أدلّة حجيّة الأخبار أم لم نقل لا يمكن الحكم بالحجيّة في حال التعارض ؛ لوجود السيرة على التوقّف في المدلول

٤٤٢

المطابقي ، وعلى فرض الإغماض فإن كان لها إطلاق ثبت التخيير ، وإن لم يكن كما هو الحقّ فليس هنا باب التزاحم ؛ للعلم بكذب أحدهما ، فيعلم أنّ الطريقيّة التي هي مناط الحجيّة ليست بمحفوظة في كلا الخبرين حتّى يستقلّ العقل بالتخيير في الأخذ والالتزام ، وتعيين كلّ منهما ترجيح بلا مرجّح ، فيكون كلّ منهما على حسب الأصل الأوّلي غير حجّة ، كما قرّر في محلّه أنّ الأصل عدم الحجيّة.

فاعلم أنّه لا فرق في ما ذكر بين حال وجود المزيّة في أحد الطريقين وعدمه ؛ فإنّ بناء العرف على التوقّف لا يختلف باختلاف ذلك ، كما يعلم بمراجعتهم ، وعلى فرض الإغماض فإن كان إطلاق ثبت التخيير أيضا ، وإلّا كما هو الحقّ ثبت التوقّف في المدلول المطابقي بعين التقريب المتقدّم حرفا بحرف ، هذا بحسب الأصل الأوّلي.

وأمّا بعد الأخذ عن الشرع في خصوص باب الأخبار وأنّ المرجع في المدلول المطابقي أيضا ليس هو الأصل المطابق لأحدهما ، ولا هو مرجّح ، بل المرجع والحجّة يكون في ما بين الخبرين ، ولكن لم يعلم في صورة وجود المزيّة أنّ الشارع يحكم بالتخيير أو بالتعيين ، فهل الأصل في هذا التقدير يقتضي ما ذا؟.

لا شكّ أنّ المقام من قبيل دوران الأمر بين التعيين والتخيير في الحجيّة ، ونحن وإن قلنا في المسألة الفرعيّة بالبراءة عن التعيين عند الدوران بينهما وإن لم نقل بذلك فيه أيضا لا بدّ أن نقول هاهنا بالتعيين ؛ لأنّ الحجيّة الشرعيّة لا يخلو عن النسبة إلى الشرع ، فعند الشكّ في الحجيّة تكون النسبة تشريعا ؛ إذ قد نسبنا إلى الشرع ما نشكّ أنّه من الشرع ، فيكون حراما قطعيّا.

ومع قطع النظر عن ذلك أيضا لا يستريح العقل عن احتمال العقوبة إلّا بالقطع بالحجيّة ، والاستناد إلى الأمر المشكوك الحجيّة غير مجد لما هو مهمّ العقل من تحصيل المؤمّن القطعي والفراغ اليقيني ؛ إذ هو بعد احتمال مطابقة ذي المزيّة مع التكليف الواقعي والقطع بحجيّته محتمل للحجّة على التكليف وإن كان محتملا للمؤمّن منه أيضا ؛ لأنّه على تقدير حجيّة غير ذي المزيّة يكون هو مؤمّنا ، ومن المعلوم أنّ احتمال الحجّة كاف في حكم العقل بالاشتغال ، وبعد حكمه بالاشتغال

٤٤٣

لا يقنع إلّا بالفراغ القطعي ، ولا يكتفي بالمؤمّن الاحتمالي ، وهذا واضح ، هذا.

وقد قرّر شيخنا المرتضى قدس‌سره أيضا الأصل على الطريقيّة كما ذكرنا وجعله التعيين ، ولكن ببيان آخر لا يخلو من شيء وهو أنّه قدس‌سره بعد أن ذكر أنّ الأصل الأوّلي هو التوقّف قال : ومرجع التوقّف أيضا إلى التخيير ، بمعنى أنّه لو بنينا على أنّ الأصل في مورد الخبرين مطلقا ساقط عن الحجيّة ، أمّا المخالف لهما فواضح ، وأمّا المطابق لأحدهما عقليّا كان أم شرعيّا فقد استفدنا من الشرع أيضا إلغائه وأنّه ليس بمرجع ولا مرجّح للخبر المطابق له ، وبعد استفادة ذلك فالمتعيّن لا محالة هو التخيير عند فقد المزيّة ؛ إذ لو فرض سدّ باب الحجيّة على المكلّف من ناحية الخبرين أيضا يلزم مساواته مع الحيوانات ، فإنّه لا محالة بريء الذمّة عن الواقع ؛ لفرض عدم الحجّة عليه على تقدير ثبوته ، ولكن هو لا يستند في براءة ذمّته إلى مستند ، كالحيوانات ، فإنّها أيضا فارغة عن حمل التكليف بدون الاستناد في ذلك أيضا إلى مستند ، فحيث لا بدّ من التفاوت فلا بدّ من جعل أحد الخبرين على وجه التخيير في حقّه حجّة.

ثمّ بعد تمهيد هذه المقدّمة قال : فالحاكم بهذا التخيير في صورة التعادل إمّا الشرع وإمّا العقل ، أمّا الشرع فقد قيّد التخيير في لسانه بعدم وجود المزايا ، وأمّا العقل فكذا ، وذكر ما قلنا.

وأنت خبير بأنّه لا يحتاج المقام إلى هذه التجشّمات ، بل يكفي ما قلنا من أنّه بعد أن أخذ الشارع الأصل الأوّلي من يدنا في خصوص الأخبار وألزمنا بالأخذ بأحد الخبرين ودار الأمر بين جعل المعيّن حجّة أو المخيّر ، فحينئذ إذا استفتينا العقل في هذا الشكّ كان الحكم هو التعيين كما عرفت ، هذا كلّه على الطريقيّة.

وأمّا على السببيّة فالمقام من قبيل المتزاحمين مع احتمال الأهميّة في أحدهما ، فلا بدّ من التكلّم في كلّي المسألة ، فنقول وعلى الله التوكّل : إنّه يظهر من شيخنا المرتضى أنّ حكم العقل هو التعيين ، واختار المحقّق الخراساني قدس‌سرهما التفصيل بين ما إذا كان منشأ الاحتمال احتمال أشديّة المناط في أحدهما فالحكم هو

٤٤٤

التعيين ، وبين ما إذا كان احتمال التصادف مع واجب آخر في أحدهما دون الآخر ، فالحكم هو التخيير ؛ لأصالة البراءة عن ذلك الواجب الآخر المحتمل.

وتحقيق المقام أن يقال أوّلا : تارة يقال بإطلاق الهيئة في كلّ من الواجبين مثلا لحال التزاحم ، واخرى يقال بعدمه وكونه حيثيتيّا جهتيّا من هذه الجهات وإن كانت بصدد الفعليّة من الجهات الراجعة إلى الأغراض الشرعيّة.

فإن قيل بالأوّل يعني أنّ إطلاق الأوامر والنواهي ناظر إلى حال القدرة والعجز وأمثالهما ممّا يعتبره العقل شرطا في حسن توجيه الخطاب ، غاية الأمر أنّ العقل يقيّد الإطلاق بحال القدرة ونحوها ممّا يصحّ معه الخطاب دون ما يقبح ، فيتحصّل من الإطلاق مع هذا المقيّد المنفصل العقلي خطاب لبّي مقيّد بحال القدرة ونحوها ، فتكون القضيّة اللبيّة الشرعيّة : أنقذ هذا الغريق إن قدرت ، وأنقذ هذا الغريق إن ، قدرت وعلى مقدار العجز لا خطاب أصلا ، فلا سبيل إلى استكشاف الصلاح في الزائد عن مقدار القدرة أيضا.

فلا يعلم المكلّف العاجز عن الجميع بأنّ هنا غرضين للمولى لا بدّ من فوت أحدهما ، ويكون إغماضه عن أحدهما في الموالي العرفيّة صبرا على المكروه ، والتزاحم فرع هذا العلم.

نعم يعلم بأنّ في هذا على تقدير ترك ذاك مصلحة وكذا في ذاك ، فلو أدرك أحدهما ما فات هنا من مولاه غرض.

وجه ما ذكرنا من عدم استفادة الغرضين حينئذ عند عدم القدرة على الجمع أنّ طريق استكشاف الصلاح الذي يعبّر عنه في لسان أهل هذا العصر وما قاربه بإطلاق المادّة إنّما هو الإرادة اللبيّة المستكشفة بالإرادة الصورية المفاد بالهيئة ، فالهيئة تدلّ على الإرادة اللبيّة ، وحيث قد قرّر من مذهب العدليّة ملازمة الإرادة للصلاح في المتعلّق فيدل عليه أيضا ضرورة أنّ الدالّ على أحد المتلازمين دالّ على الآخر ، وإذا فرضنا تخلّف الدالّ عن المدلول الأوّلي أعني الإرادة اللبيّة في مورد فلا دلالة له على ملازمه حتّى يدخل تحت الحجيّة.

٤٤٥

فلو أخبر الثقة عن حياة زيد ونحن نعلم بطول لحيته على تقدير الحياة ، وعلمنا بكذب هذا الإخبار بالنسبة إلى الحياة فليس هنا كشف بالنسبة إلى الطول حتّى يدخل تحت دليل حجيّة مطلق الكشف الحاصل من قول الثقة ، وهذا في اللازم المساوي كالمثال المذكور واضح.

وكذا في اللازم الأعمّ ، فإذا أخبر بوجود زيد في الدار ولازمه الأعمّ وجود الإنسان فإذا علمنا بكذبه في الإخبار بوجود زيد لا يبقى هنا كشف بالنسبة إلى وجود الإنسان حتّى يشمله دليل الحجيّة.

وبالجملة ، التفكيك بين المتلازمين في الطرق في الحجيّة إذا كانت الملازمة بين الواقع مع الواقع لا الحجيّة مع الواقع إنّما هو في ما إذا كان الكشف الحكائي عن اللازم محفوظا ؛ فإنّ الحجيّة في اللازم غير مترتّبة على الحجيّة في الملزوم ، وأمّا الكشف عن اللازم فلا شبهة في ترتّبه على الكشف في جانب الملزوم ، فإذا فقد الكشف عن الملزوم بواسطة العلم بكذبه لم يكن الكشف في اللازم محفوظا حتّى يشمله دليل الحجيّة ، هذا.

اللهم إلّا أن يدّعى في المقام بقرينة التعارف والعرفيّة أنّ قيد القدرة إذا لم يذكر في اللفظ واعتمد في تقييدها بالقرينة العقليّة فالهيئة القائمة على المادّة المقدورة كاشفة عن وجود الصلاح في الأعمّ من المقدور وغيره ، فحينئذ يتحقّق التزاحم بين الواجبين ، هذا على القول بالإطلاق.

وإن قيل بالعدم وأنّ الحاكم إنّما هو بصدد جمع ما له دخل شرطا أو شطرا وجوديّا أو عدميّا في غرضه ، وساكت عن الجهات الراجعة إلى حسن الخطاب المستقلّ بقبحه العقل عند فقدان أحدها ، وليس تلك الجهات ملحوظة لا إطلاقا ولا تقييدا ، فيكون في حال القدرة والعجز ، سواء العجز التفصيلي أم الإجمالي أعني العجز عن الجمع إرادته الفعليّة من جهة غرضه على حدّ سواء.

وليس هذا من إرادة غير المقدور القبيحة ؛ فإنّها الفعليّة من جميع الجهات لا الفعليّة من غير جهة العجز ، وليس أيضا من قبيل الإرادة الجهتيّة من حيث

٤٤٦

الغرض الشرعي ، حيث إنّها غير موضوع للمحركيّة والباعثية العقليّة ؛ فإنّه فرق عند العقل بين الجهتي في البابين ، فالجهتي من حيث الغرض حكمه ما ذكرت من عدم الباعثيّة عند طروّ الحالة المحتملة المانعيّة ، وأمّا الجهتي من حيث الجهات التي هي وظيفة العقل وإن كان تنالها يد الشرع بتوسّط المنشأ فهو موضوع لحكم العقل وتنجّزه وتحريكه.

إذا تمهّد هذا فنقول : بعد إحراز هاتين الإرادتين الجهتيتين وعدم إمكان الجمع فقد يقال : إنّ الوظيفة حينئذ للعقل فقط ؛ إذ المرحلة مرحلة الامتثال ، وهي ممحّضة للعقل وإن كان للشرع التصرّف بالتصرّف في المنشأ ، لكنّ التصرّف الابتدائي مخصوص بالعقل.

وقد يقال بأنّه للشرع هنا سبيل ، فيكون هو المسئول عنه دون العقل ، وقد يقال بالتفصيل بين التخيير والتعيين عند أهميّة أحدهما ، فيقال بخروج الأوّل عن وظيفة الشرع ودخول الثاني فيها.

لا إشكال على المبنى الثاني والأخير ؛ فإنّه على الأوّل من باب الدوران بين التعيين والتخيير ، والأصل فيه التعيين ، فيتّجه حينئذ التفصيل المتقدّم عن المحقّق المتقدّم قدس‌سره ، كما أنّه يكون المقام على المبنى الأخير من باب الشكّ في التكليف ، والأصل فيه البراءة ، فيتّجه التخيير في مسألتنا في كلا فرضيها.

إنّما الكلام على المبنى الأوّل وهو أنّ الإرادة تمّت من قبل المولى حسب الفرض ، وبعد ذلك تقع الحكومة بيد العقل ، ولا وظيفة للشرع لا في صورة المساواة ولا في صورة التفاوت بالاهميّة وعدمها ، وحينئذ أيضا لا إشكال في البراءة في فرض احتمال تصادف أحد الطرفين مع واجب آخر.

وأمّا مع احتمال أشديّة المناط فيه فقد يقال : إنّ المتعيّن حينئذ هو التعيين ؛ فإنّ الأمر في جانب غير محتمل الأهميّة غير معلوم المحركيّة ؛ لدوران أمره بين المساواة مع عدله حتّى يكون محرّكا وبين أن يكون عدله أهمّ منه فيكون ساقطا عن التحريك بناء على عدم صحّة الترتّب ، وأمّا الأمر في محتمل الأهميّة فمعلوم المحرّكية.

٤٤٧

وفيه أوّلا : صحّة الترتّب كما قرّر في محلّه ، وثانيا : سلّمنا ، ولكن سقوطه عند العلم بالأهميّة مسلّم ، وأمّا عند الشكّ فهو كالشكّ في القدرة يكون محركا عند العقل ، والحكم الجهتى التى لا تحريك له عند طروّ احتمال المانع قد تقدّم أنّه في غير هذا الباب أعني الجهتي من ناحية الجهات العقليّة.

وقد يقال إنّه سلّمنا محرّكيّة الأمر بغير محتمل الأهميّة ، ولكن محركيّة الأمر الآخر مقدّمة على تحريكه كما في صورة العلم بالأهميّة ، وذلك لأنّ الأهميّة وإن كانت غير معلومة ، لكن ذات الأمر معلوم ، ومعلوميّة ذاته كافية في تنجيز مرتبته الواقعيّة وإن كانت غير معلومة ، فلو كان مرتبته واقعا عظيمة وعصيانه موجبا لعقوبة كبيرة كفى في صحّة تلك العقوبة وجود العلم بنفس الأمر ومخالفته ، وإن لم يعلم مرتبته فالأمر في الجانب المحتمل الأهميّة منجّز للمرتبة الأهمّ على تقدير ثبوتها ، فيكون مقدّما في حكم العقل على الأمر في جانب الآخر.

والجواب : إنّا سلّمنا ما ذكرت من أنّ المنجّز في صورة تأكّد المناط وشدّته لحدّ التأكّد والشدّة هو الأمر ، لكن هذا في صورة عدم ابتلائه بالأمر المزاحم ، وأمّا عند ذلك فيسقط عن هذا التنجيز ويبقى الشدّة والتأكّد بلا منجّز من ناحية الأمر ، نعم في صورة العلم بها يكون المنجّز هو العلم بالغرض ، وهذا الغرض حيث لا يمكن إدراكه بالأمر لعدم قابليّة المقام حسب الفرض للأمر المولوي يكون العلم به منجّزا ؛ لأنّه غرض أراد المولى استيفائه من جوارح العبد ، وقرّر في محلّه أنّ مثل هذا الغرض إذا لم يمكن الأمر المولوي به فالعلم به منجّز عند العقل.

وأمّا عند احتمال الاهميّة فلا منجّز بالنسبة إلى حد التأكّد لا من ناحية الأمر ولا من ناحية الغرض ؛ لأنّ المقدار المعلوم منه بمقدار تساوي الطرف الآخر ، وأمّا الزيادة فمنفي بالأصل.

والدليل على ما ذكرنا من اختصاص تنجيز الأمر للمرتبة الأشدّ بحال عدم الابتلاء بالمزاحة أنّه في صورة عدم الابتلاء لا فرق في تنجّزه تلك المرتبة وبين تعلّق العلم بتلك المرتبة ووقوعها طرفا للاحتمال وتعلّق العمل بخلافها.

٤٤٨

فلو فرض أنّ العبد بعد علمه بأمر المولى علم أنّ أمره هذا ليس على حدّ الشدّة والتأكّد ، وإنّما هو واقف على أدنى مرتبة الوجوب ، وأنّ العقاب عليه من أقلّ أفراد العقاب، وكان الواقع خلاف ما علمه بأن كان بالغا أعلى مرتبة التأكّد وعقابه أشدّ أفراد النكال والعذاب فعاقبة المولى بتلك المرتبة الشديدة ، ما كان ملوما وفاعلا للعقاب إلّا بعد إتمام الحجّة.

وحينئذ فلو كان هذه المنجزيّة للأمر ثابتة في حال الابتلاء لزم مع العلم بالمساواة ووجود الأهميّة واقعا صحّة عقوبة المرتبة الشديدة لو اختار في العمل غيرها ، مع أنّا نقطع بخلاف ذلك ، وليس إلّا لأنّ تلك المنجزيّة منوطة بمحفوظيّة محرّكية الأمر نحو متعلّقة على التعيين ، وأمّا عند سقوطه عن ذلك بواسطة معارضة المزاحم فيسقط عن تلك المنجزيّة ، فيكون المنجّز في حال العلم بالأهميّة هو العلم بالغرض الخالي عن اقتضاء الأمر ، فيئول الأمر لا محالة عند احتمال الأهميّة إلى البراءة كما عرفت.

هذا تمام الكلام في تأسيس الأصل على كلا المذاقين من الطريقيّة والسببيّة ، وحيث إنّ المختار هو الأوّل ، فالأصل هو التعيين.

وأمّا الأدلّة التي أقاموها على الترجيح فامور نذكر بعضها :

منها : الإجماع بأقسامه من القولي والعملي المحقّق والمنقول.

وفيه أنّ الإجماع في مثل هذه المسألة التي يكون للعقل والنقل فيه سبيل ، ويحتمل استناد المجمعين إلى تلك الوجوه العقليّة أو النقليّة ، فهو ليس بدليل آخر في المسألة وراء تلك الوجوه ، بل لا بدّ من النظر في تلك الوجوه ، فإن لم نرها تامّة فلا محذور في المصير إلى الخلاف ؛ لسقوط هذا الإجماع عن الكشف ، هذا على تقدير تسليم محصليّة الإجماع القولي، فكيف الحال لو كان منقولا أو عمليّا ؛ فانّ الترجيح العملي لا يلازم الترجيح القولي.

ومنها : أنّ العدول من الراجح إلى المرجوح قبيح عقلا ، بل ممتنع قطعا ، فيجب العمل بالراجح لئلّا يلزم ترجيح المرجوح على الراجح.

٤٤٩

وفيه أنّ المقصود إن كان الراجح بملاحظة الدواعي الشخصيّة للفاعل سلّمنا امتناعه ، ولكن لا نسلّم أنّ تقديم غير ذي المزيّة من هذا القبيل ، فإنّه ما لم يرجّح بنظره حسب دواعيه الشخصيّة لا يعقل أن نختاره ، وإن كان المقصود هو الراجح العقلي فلا نسلّم الكبرى ، بل قد عرفت أنّه مع قطع النظر عن التعبّد ، الأصل الأوّلي هو التوقّف في المدلول المطابقي والرجوع إلى الأصل المطابق لأحدهما ، فليس الداعي إلى العمل بأحد الخبرين إلّا الأخبار ، فلا بدّ من ملاحظتها ، فإن دلّت على التخيير المطلق عمل به ، وإن دلّت على الترجيح فكذلك ، وإن قصرت دلالتها من هذه الجهة فلا بدّ من الرجوع إلى الأصل الذي اسّسناه.

ومنها : الأخبار الواردة من طرقنا المشتملة على جمع من وجوه الترجيح ، وهذه هي العمدة في المقام ، ولا بدّ من التيمّن بذكرها والنظر فيها ، وقبل الشروع بذكر أخبار الترجيح ينبغي تقديم أخبار التخيير ، فلو استفدنا منها التخيير المطلق وترجّح في النظر تقديم هذه الأخبار فالمرجع هو التخيير مطلقا ، وإن ترجّح تقديم أخبار الترجيح أو اجمل الأمر ، ففي موارد تلك المرجّحات المنصوصة في الأخبار نرجع إلى الأصل المؤسّس سابقا ، ويكون المرجع في سائر مقامات الترجيح الغير المنصوصة هو التخيير أيضا.

وبالجملة ، فالمستفاد من هذه الأخبار أصل ثانوي هو التخيير بعد ما عرفت أنّ الأصل الأوّلي بناء على الطريقيّة هو التعيين.

فنقول وبالله التوكّل : أمّا أخبار التخيير

فمنها : خبر سماعه عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : «سألته عن رجل اختلف عليه رجلان من أهل دينه كلاهما يرويه ، أحدهما يأمر بأخذه ، والآخر ينهاه عنه ، كيف يصنع؟ قال عليه‌السلام : يرجئه حتّى يلقي من يخبره ، فهو في سعة حتى يلقاه».

والاستدلال به مبنيّ على أن لا يكون قوله : «في سعة» الخ من قبيل قوله : في سعة ما لا يعلمون ، بأن كان المقصود هو الأمر بالتوقّف والإرجاع في مقام العمل إلى البراءة والسعة ، فيكون هذا موافقا للأصل الأوّلي ، بل كان المقصود هو الوسعة

٤٥٠

والاختيار في ما بين العمل بالخبرين ، ولا يبعد هذا بقرينة قوله في الأخبار الأخر : «موسّع عليك بأيّة عملت» حيث إنّ المراد به معلوم أنّه الحجيّة التخييريّة لا الإرجاع إلى الأصل ، فمقتضى وحدة السياق أن يكون هو المراد في هذا الخبر أيضا ، فيكون إطلاق السعة في خصوص باب الخبرين المختلفين ظاهرا في التخيير في المسألة الاصوليّة أعني الحجيّة.

ومنها : ما عن الحميري عن الحجّة روحي وارواح العالمين له الفداء إلى أن ذلك حديثان إلى أن قال عليه‌السلام : «بأيّهما أخذت من باب التسليم كان صوابا».

والاستدلال به على العموم ـ مع عدم لفظ فيه بدل عليه وإنّما هو حكم في خصوص المورد الخاص ولعلّه لا يتجاوزه أو يتجاوزه إلى ما هو مشارك معه في الصنف من كون الخبرين معا في المستحبّات ـ مبنيّ على استفادة التعليل من قوله في الجواب عن ذلك حديثان ؛ لقوله عليه‌السلام : وبأيّهما أخذت الخ ، كما لعلّة لا يبعد ، فلو كان الحكم خاصّا بباب المستحبّات أو بخصوص الخبرين المتعادلين لكان الواجب التنبيه على ذلك وعدم الاكتفاء بخصوص المورد ؛ فإنّ خصوص المورد لا يخصّص الوارد ، فيعلم منه بعد ذلك أنّ ورود الحديثين المختلفين مطلقا في أيّ واقعة كانت ، متعادلين كانا أم متفاوتين يكون الحكم فيه هو التخيير.

ثمّ إنّ في هذا الخبر إشكالا آخر وهو أنّ الحديثين المذكورين فيه من قبيل العام والخاصّ الذي تقدّم منّا عدم إدراجه في موضوع التعارض ، فلا بدّ إمّا من القول بأنّ العام والخاص أيضا من قبيل المتعارضين ونرجع فيهما إلى اخبار العلاج ، وإمّا من القول بأنّ خصوص هذا العام والخاصّ المذكورين في كلامه صلوات الله عليه كانا بحيث لا بدّ من معاملة التعارض بينهما ؛ لاحتفاف العام بقرائن لم يقبل الحمل على الخاص ، فصار في الظهور مساوقا مع الخاص.

ومنها : ما عن الحسن بن الجهم عن الرضا صلوات الله عليه «قال : قلت له عليه‌السلام : تجيئنا الأحاديث عنكم مختلفة؟ قال عليه‌السلام : ما جاءك عنّا فقس على كتاب الله عزوجل وأحاديثنا ، فإن كان يشبههما فهو منّا ، وإن لم يكن يشبههما

٤٥١

فليس منّا ، قلت : يجيئنا الرجلان وكلاهما ثقة بحديثين مختلفين ، ولا نعلم أيّهما الحق؟ قالعليه‌السلام : فإذا لم تعلم فموسّع عليك بأيّهما أخذت».

دلالة هذا الحديث على التخيير وعمومه لما إذا كان لأحد الخبرين مزيّة ، واضح ، ويستفاد منه مطلب آخر أيضا وهو أنّ ما ذكره عليه‌السلام في الصدر إنّما يكون في مقام التمييز للحجّة عن غير الحجّة وتمييز الصادق عن الكاذب ، وهو غير الترجيح للحجّة على الحجّة ، ويشهد لهذا أنّ السائل ذكر عقيب ذلك «يجيئنا الرجلان وكلاهما ثقة» ففرض أنّ المورد مورد لا يقبل الكذب المخبري ، فاجابه عليه‌السلام بالتخيير ، فيعلم منه أنّ مفروض الصدر هو مورد لم يفرغ عن حجيّة قول المخبر ، فأحاله عليه‌السلام إلى علامات يميّز بها الصادق عن الكاذب.

ومنها : ما عن الحارث بن المغيرة عن أبي عبد الله عليه‌السلام «قال : إذا سمعت من أصحابك الحديث وكلّهم ثقة فموسّع عليك حتّى ترى القائم فتردّ إليه» عجّل الله تعالى فرجه.

والاستدلال بهذا الخبر على التخيير مع عدم ذكر الاختلاف في الحديث فيه أمران ، أحدهما قوله عليه‌السلام : فموسّع الخ ، فإنّه ظاهر بقرينة وحدة السياق مع سائر الأخبار أنّ المفروض فيه صورة الاختلاف ، والثاني قوله عليه‌السلام : حتّى ترى القائم (عج) فإنّ التعبير عن حجيّة أخبار الثقات ليس على وجه المغيّائية ، بل يفرض كلامهم عين الواقع ، فلا يفرق بين زمان الحضور والغيبة ، فالمناسب لذكر الغاية إنّما هو التخيير بين الحديثين المختلفين.

ومنها : ما عن علي بن مهزيار «قال : قرأت في كتاب لعبد الله بن محمّد إلى أبي الحسن عليه‌السلام : اختلف أصحابنا في روايتهم عن أبي عبد الله عليه‌السلام في ركعتي الفجر في السفر، فروى بعضهم صلّهما في المحمل ، وروى بعضهم لا تصلّهما إلّا على الأرض؟ فوقّععليه‌السلام: موسّع عليك بأيّة عملت».

وليس في هذا الخبر ما يدلّ على العموم ؛ فإنّ ذكر الرواية ليس في كلام الإمام عليه‌السلام على وجه يشعر بالعليّة ، وإنّما سأل السائل عن حكم اختلاف الروايتين الخاصتين وأجاب الامام عليه‌السلام في هذا المورد بالتخيير ، ولعلّه كان

٤٥٢

الخبران متكافئين ، فلا دلالة فيه على التعدّي عن مورده.

ومنها : مرفوعة زرارة وفيها بعد ذكر المرجّحات : «إذن فتخيّر أحدهما فتأخذ به ودع الآخر».

هذا ما وقفنا عليه من الأخبار ، وقد عرفت تماميّة دلالة غير ما قبل الأخير منها على التخيير على وجه الإطلاق الشامل لصورة وجود المرجّح ، نعم إطلاق الأخير مختصّ بصورة عدم المرجّح المنصوص ، فينفع في دفع الأصل في غير المنصوص.

وأمّا أخبار الترجيح فهي مختلفة ، ففي بعضها الترجيح بموافقة الكتاب والسنّة ، وفي آخر بمخالفة العامّة ، وفي ثالث الترتيب بينها بتقديم موافقة الكتاب والسنّة.

ولا بدّ أن يعلم أوّلا أنّ في الاخبار الأمر بطرح ما خالف الكتاب بلسان أنّه ليس منّا أو لم نقله ، أو اضربوه على الجدار ، أو زخرف وباطل ، أو شبه ذلك ، وهذه ليست في مقام الترجيح ، بل في مقام بيان أصل سقوط الخبر ذاتا عن الحجيّة الأوّليّة ولو مع قطع النظر عن المعارض ، فلا بدّ من حملها على صورة المخالفة على وجه التباين الكلّي ، فإنّه إذا وصل مخالفة الخبر للكتاب أو السنّة القطعيّة بهذا الحدّ فمعلوم أنّه غير صادر وأنّ راويه كاذب. وبالجملة ، هذا الأخبار غير مرتبطة بمقامنا ؛ إذ هي بمقام تميّز الحجيّة عن غيرها ، ومقامنا ترجيح الحجّة على الحجّة.

ومن جملة هذه الأخبار خبر حسن بن الجهم المتقدّم في أخبار التخيير ومنها أيضا خبر العيون الطويل. وحينئذ فلا بدّ من فرض الكلام في ما كان الحكم فيه بتقديم الموافق للكتاب أو مخالف العامّة على وجه يعلم منه أنّه بصدد الترجيح بأن فرض ذلك في الخبرين بعد الفراغ عن شرائط حجيّتهما الذاتيتين من وثوق الراوي وغير ذلك وكان الموافقة أو المخالفة معتبرة من باب الكشف النوعي القائم في ما بين الكاشفين النوعيين كما ان الحال في المقبولة والمرفوعة كذلك لانه ذكر الموافقة والمخالفة فيهما بعد فرض موثّقيّة كلا الراويين ومامونيّتهما عن الكذب الذي مرجعه إلى موثوقيّة خبرهما في حدّ ذاته لو لا ملاحظة المعارض ، ولا بدّ من حمل مخالفة الكتاب في هذا المقام على المخالفة بنحو التباين الجزئي أعني العموم و

٤٥٣

الخصوص أو الإطلاق والتقييد كما هو واضح.

والحاصل لو فرض أنّ بين هذه الطائفة المعلوم كونها بمقام الترجيح اختلاف من حيث الاقتصار في البعض على موافقة الكتاب وفي البعض على مخالفة القوم ، وفي البعض على الجمع بينهما ، ودار أمر الثالث أيضا بين الترتيب بتقديم الموافقة أو المساواة ، فلا بدّ حينئذ من التقييد في الإطلاقين المتقدّمين أو أحدهما لا محالة ، فإنّه إن كان مفاد الثالث هو المساواة ، فلا بدّ من تقييد كلا الإطلاقين الظاهرين في الحكم التعييني الفعلي بحال عدم اجتماعه مع وجود صاحبه في الطرف الآخر ، وإلّا كان المورد بلا مرجّح.

وإن كان مفاده الترتيب فلا بدّ من تقييد إطلاق ما ذكر فيه مخالفة القوم وحدها بحال عدم اجتماعها مع الموافقة في الطرف الآخر وإلّا كان الترجيح مع الطرف الآخر ، وعلى كلّ حال يلزم خلاف الظاهر ، وهذا غير الأوامر الوجوبيّة الغير المبتلى بالمزاحمات مثل أمر إنقاذ الغريق إلّا نادرا ، حيث قلنا بأنّها من هذا الحيث ساكتة وأحكام حيثيّة لا فعليّة ، فإنّ المقام مضافا إلى عدم كونه من قبيل المتزاحمين ـ بل من باب الطريقين المعلوم عدم وجود الملاك في أحدهما ـ ليس الابتلاء بالمزاحم بتلك المثابة من القلّة حتى يكون عدم تكفّل الهيئة لتلك الحال غير مخالف للظاهر ، هذا لو حملنا الهيئة على الوجوب.

وهذا بخلاف ما لو حملناها على الاستصحاب ، فإنّه يسهّل الأمر من هذه الجهة ، لشيوع عدم التعرّض في الأحكام الاستحبابيّة عن مزاحماتها ولو مع كثرة الابتلاء ، فالأمر دائر بين الحمل على الوجوب وارتكاب التقييد أوّلا في إطلاقات التخيير وثانيا في إطلاقات الترجيح ، وبين الحمل على الاستحباب والاستراحة من كلا ذينك التقييدين ، والظاهر أولويّة الثانى.

لا يقال : إنّ ظهور الهيئة وضعيّ والمادّة إطلاقي ، والأوّل أقوى من الثاني ، فيتعيّن التقييد.

لأنّا نقول : إن كان المراد أنّ رفع اليد عن الإطلاق ليس خلاف الظاهر مع انفصال القيد كما مع اتّصاله ، وبعبارة اخرى يتقوّم انعقاد أصل الظهور الإطلاقي على عدم المتّصل والمنفصل معا ، فهذا خلاف الوجدان الحاكم بعدم توقّف انعقاده

٤٥٤

إلّا على خصوص عدم القيد المتّصل ، مضافا إلى أنّا نقول بأنّ ظهور الهيئة أيضا إطلاقي ، وإن كان المقصود أنّ الظهور الإطلاقي مع محفوظيّته أضعف من الوضعي ففي محلّ المنع أيضا ، هذا.

ولكن استقرّ بناء المشايخ على أنّه متى دار الأمر بين حفظ إطلاق مادّة المطلق وحمل هيئة المقيّد على الاستحباب وبين تقييد مادّة الأوّل والأخذ بظاهر الثاني يرجّحون الثاني ، ولهذا شاع بينهم حمل المطلق على المقيّد ، وعلى هذا المبنى لا بدّ في المقام أيضا من تنزيل إطلاقات التخيير على صورة المساواة ، وكذا إطلاق الترجيح بمخالفة القوم على صورة عدم وجود موافقة الكتاب في الطرف الآخر ، هذا تمام الكلام في هذه الطوائف الثلاث من أخبار الترجيح.

بقي الكلام في المقبولة والمرفوعة المشتملتين على هذين وغيرهما ممّا لم يشتمل غيرهما عليه ، ولا بدّ أوّلا من دفع الإشكالات الواردة على المقبولة ، ثمّ من ملاحظة المعارضة بينهما بنفسهما ، وبينهما مع سائر الطوائف الثلاث المتقدّمة.

فنقول وعلى الله التوكّل : روى المشايخ الثلاثة باسنادهم عن عمر بن حنظلة «قال : سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن رجلين من أصحابنا يكون بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان أو إلى القضاة ، أيحل ذلك؟ قال عليه‌السلام : من تحاكم إليهم في حقّ أو باطل فإنّما تحاكم إلى الطاغوت ، وما يحكم له فإنّما يأخذه سحتا وإن كان حقّه ثابتا ، لأنّه أخذ بحكم الطاغوت وإنّما أمر الله تعالى أن يكفر به ، قال الله تعالى : (يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ).

قلت : فكيف يصنعان؟ قال عليه‌السلام : ينظران إلى من كان منكم ممّن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكما فإنّي قد جعلته عليكم حاكما ، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنّما بحكم الله استخفّ وعلينا قد ردّ ، والرادّ علينا الرادّ على الله وهو على حدّ الشرك بالله.

قلت : فإن كان كلّ رجل يختار رجلا من أصحابنا فرضيا أن يكونا ناظرين في حقّهما ، فاختلفا في ما حكما وكلاهما اختلفا في حديثكم؟ قال عليه‌السلام : الحكم

٤٥٥

ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما ولا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر.

قلت : فإنّهما عدلان مرضيّان عند أصحابنا لا يفضل واحد منهما على الآخر؟ قالعليه‌السلام : ينظر إلى ما كان من روايتهم عنّا في ذلك الذي حكما به المجمع عليه بين أصحابك فيؤخذ به من حكمهما ويترك الشاذ النادر الذي ليس بمشهور عند أصحابك ، فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه ، وإنّما الامور ثلاثة ، أمر بيّن رشده فيتّبع ، وأمر بيّن غيّه فيجتنب ، وأمر مشكل يردّ حكمه إلى الله ، قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : حلال بيّن وحرام بيّن وشبهات بين ذلك، فمن ترك الشبهات نجى من المحرّمات ، ومن أخذ بالشبهات وقع في المحرّمات وهلك من حيث لا يعلم.

قال : قلت : فإن كان الخبران عنكم مشهورين قد رواهما الثقات عنكم؟ قال عليه‌السلام : ينظر فما وافق حكمه حكم الكتاب والسنّة وخالف العامّة فيؤخذ به ، ويترك ما خالف الكتاب والسّنة ووافق العامّة.

قلت : جعلت فداك أرأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب والسنة فوجدنا أحد الخبرين موافقا للعامّة والآخر مخالفا بأيّ الخبرين يؤخذ؟ قال عليه‌السلام : ما خالف العامّة ففيه الرشاد.

فقلت : جعلت فداك فإن وافقهم الخبران جميعا؟ قال عليه‌السلام : ينظر إلى ما هم أميل إليه حكّامهم وقضاتهم فيترك ويؤخذ بالآخر.

قلت : فإن وافق حكامهم الخبرين جميعا؟ قال عليه‌السلام : إذا كان ذلك فارجه حتّى تلقي إمامك ؛ فإنّ الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات» هذا.

وأمّا الإشكالات الواردة على هذا الخبر الشريف فمن وجوه : الأوّل : أنّ ظاهر صدره القضاوة والحكومة وفصل الخصومة وقطع المرافعة ، وهو لا يناسب التعدّد وإنّما المناسب له الاستفتاء.

الثاني : بعد الحمل على هذا الظاهر كيف يختفي على أحد القاضيين معارض مدرك حكمه مع شهرته.

٤٥٦

الثالث : كيف يرجع بعد مساواة القاضيين الى تحرّي المترافعين واجتهادهما في مدرك الحكمين.

الرابع : أنّ اللازم مع التعارض لغويّة حكم اللاحق وتساقطهما مع الوقوع دفعة ، فما معنى الترجيح.

الخامس : أنّ اختيار التعيين بيد المدّعي ، وقد فرض في الرواية الاختيار بيدهما وتحرّيهما بعد اختلافهما في الحكم ، هذا.

وأمّا الدفع فبأحد وجهين ، الأوّل : تنزيل الرواية على مقام الفتوى دون القضاء وفصل الخصومة ، فإنّ المنازعة حيث كانت ناشئة عن الشبهة الحكميّة فطريق ارتفاعها وانفصالها وضوح الحكم وارتفاع الجهل بالرجوع إلى خبرة ذلك ، وقوله عليه‌السلام : فإنّى قد جعلته عليكم حاكما وإن كان له ظاهر أوّلي في مقام القضاء خصوصا مع مقابلته بما في الصدر من الردع عن المحاكمة عند قضاة الجور ، لكن يمكن حملها على معنى أنّ الفاصل كما كان في المرافعة عند القضاة قوّة السلطان يكون الحاسم والفاصل في هؤلاء قوّة الشرع والديانة ، فإنّ من اعتقد بالله وعذابه ونكاله يرتدع بالطبع عن مخالفة احكامه.

وبالجملة ، فالكلام مبنيّ على المسامحة والتجوّز ، ولا يخفى اندفاع جميع الإشكالات حينئذ ؛ لتفرّعها على الحمل على القضاوة.

الثاني إبقائها على ظاهرها من القضاوة وتصحيحها بالحمل على صورة التداعي ؛ إذ حينئذ يرتفع جميع الاشكالات.

أمّا الأوّل فلأنّه إذا كان كلّ منهما مدّعيا ، فليس أحدهما ملزما باختيار الآخر ، وإذا اختار كلّ قاضيا غير مختار الآخر فحكم كلّ قاض إنّما ينفذ في حقّ من اختاره خاصّة ، فلو توافقا في الحكم فلا كلام ، ولو تخالفا وكان حكم كلّ على ضرر من اختاره ينفذ أيضا في حقّ كلّ واحد حكم حاكمه ، وإن كان حكم كلّ بنفع من اختاره فحينئذ يحتاج إلى فاصل آخر ؛ إذ المفروض عدم نفوذ الحكم الصادر من كلّ على ضرر غير من اختاره.

٤٥٧

وأمّا الثاني ، فلأنّه من الممكن عدم غفلته ، بل اطّلاعه على المعارض ، ولكنّه يعتقد عدم صلوحه للمعارضة كما هو غير عزيز.

وأمّا الثالث ، فلأنّ المفروض كون الشبهة حكميّة ، فمع فرض مساواة الحكمين أرجع الإمام عليه‌السلام المترافعين إلى تحرّيهما بنفسهما الخبرين ولم يكن في ذلك الزمان لفهم الحكم من الخبر كثير مئونة ، بل كانت الفتاوى على طبق مضامين الأخبار من غير حاجة إلى إعمال النظر في الامور العلميّة المحتاج إليها في هذا الزمان.

وأمّا الرابع ، فلأنّ المفروض عدم نفوذ حكم واحد من القاضيين إلّا على من اختاره ، وما ذكر من لزوم تقديم الأسبق مع التعاقب ، والتساقط مع التقارن إنّما هو مع كون حكم كلّ نافذا على كلا الطرفين.

وأمّا الخامس ، فلفرض التداعي ، هذا حاصل الكلام في رفع الإشكالات عن المقبولة.

وأمّا ملاحظة المعارضة بينها وبين المرفوعة ، فينبغي أوّلا التّيمن بذكر المرفوعة أيضا.

فنقول : روى ابن أبي جمهور الأحسائي في غوالي اللئالي عن العلّامة مرفوعا إلى زرارة «قال : سألت أبا جعفر عليه‌السلام ، فقلت : جعلت فداك يأتي عنكم الخبران أو الحديثان المتعارضان ، فبأيّهما آخذ؟ فقال عليه‌السلام : يا زرارة خذ بما اشتهر بين أصحابك ودع الشاذّ النادر.

فقلت : يا سيّدي إنّهما معا مشهوران مأثوران عنكم؟ فقال عليه‌السلام : خذ بما يقول أعدلهما عندك وأوثقهما في نفسك.

فقلت : إنّهما معا عدلان مرضيّان موثّقان؟ فقال عليه‌السلام : انظر ما وافق منهما العامّة فاتركه ، وخذ بما خالف ، فإنّ الحقّ في ما خالفهم.

قلت : ربّما كانا موافقين لهم أو مخالفين فكيف أصنع؟ قال عليه‌السلام إذن فخذ بما فيه الحائطة لدينك واترك الآخر.

٤٥٨

قلت : إنّهما معا موافقان للاحتياط أو مخالفان له ، فكيف أصنع؟ فقال عليه‌السلام : إذن فتخيّر أحدهما فتأخذ به ودع الآخر».

فنقول : المعارضة بينها وبين المقبولة من وجوه ، الأوّل : الحكم فيها بعد المرجّحات بالتخيير ، وفي المقبولة بالتوقّف ، الثاني : الحكم فيها بمرجحيّة الموافقة للاحتياط دون المقبولة، الثالث : الحكم في المقبولة بمرجحيّة الموافقة للكتاب والسنّة قبل المخالفة للعامّة دون المرفوعة، وقد فرغنا عن علاج معارضتهما من هذه الوجوه في ما تقدّم ، الرابع : ذكر الشهرة في المرفوعة متقدّمة على الصفات وفي المقبولة متأخّرة عنها.

وأمّا معارضتهما مع سائر الأخبار فلذكر الشهرة والصفات في هاتين دون سائر الأخبار.

ومحصّل القول في علاج كلا هذين الوجهين الأخيرين أن يقال : أمّا المقبولة فذكر الصفات فيها ليس من باب المرجّح الخبري ، بل من باب المرجّح لأحد القاضيين أو المفتيين على الآخر ؛ لأنّه قال عليه‌السلام : الحكم ما حكم به أعدلهما الخ ، وبعد ما فرض السائل مساواة الحاكمين أرجع إلى الروايتين ، فالمعيار في باب الخبر ما ذكره عليه‌السلام بعد هذه الفقرة وهو الشهرة وما بعدها.

فنقول : الظاهر من مادّة الشهرة لغة حيث إنّه بمعنى الوضوح والظهور ، ولهذا يقال : شهر فلان سيفه ، إذا أبرزه عن الغمد ، ومن تعليله عليه‌السلام الأخذ بالمشهور بأنّه ممّا لا ريب فيه ، حيث إنّه ما لا شكّ فيه حقيقة وهو المقطوع الوجداني ، ومن استشهاده عليه‌السلام بحديث التثليث ما ذكره من التثليث في كلامه عليه‌السلام حيث إنّه أدرج المشهور في بيّن الرشد والحلال البيّن أنّه عليه‌السلام في هذه الفقرة ليس بمقام ترجيح إحدى الحجّتين الذاتيتين على الاخرى ، بل في مقام الإرشاد إلى ما هو الحجّة ، والردع عما ليس بحجّة.

فإنّه إذا كان الخبر يرويه كلّ الشيعة ، والمفروض أنّ الفتوى كان في ذلك الزمان على طبق المفاد ، فيكون المحصّل أنّ الكلّ إلّا الشاذ القليل يسندون إلى الإمام عليه

٤٥٩

السلام وجوب صلاة الجمعة مثلا ، ومن المعلوم أنّه لو قام في قبال هؤلاء العدد الكثير والجمّ الغفير رجل واحد ولو كان ثقة عدلا مرضيّا فقال : بل قال الامام عليه‌السلام : الواجب صلاة الظهر ، فهو وإن كان يؤخذ بخبره لو كان منفردا ، لكن ابتلائه بمعارضة الكلّ أوجب القطع بمخالفة قوله للواقع أعني مخالفة مضمون ما نقله لحكم الله الواقعي.

فيتردّد أمره حينئذ بين كذبه في الإخبار وبين صدقه ، ولكن كان الحكم لمصلحة اقتضت ذلك لا لبيان الحكم الواقعي ، وبين صدقه وعدم مصلحة غير بيان الواقع ، ولكن كان مع الكلام قرينة متّصلة يلائم الكلام معها لما نقله الكلّ ولم يسمعها الراوي ، وعلى كلّ حال يدخل التزلزل في أركان حجيّة كلامه ويسقط عن درجة الاعتبار ، ويصير مثل خبر الرجل الواحد الغير المتحرّز عن الكذب ، أو مجهول الحال ، فبهذه الملاحظة يمكن إدراج خبره في ما فيه الريب ، وبملاحظة أنّ ظاهر كلامه على ما هو عليه مقطوع الخلاف يمكن إدراجه في بيّن الغيّ.

نعم الذي ينافي هذا فرض السائل كون الخبرين معا مشهورين ؛ فإنّه ربّما يؤيّد كون المراد بالشهرة في الأوّل أيضا ما لا يساوق القطع ، وإلّا لم يمكن فرضه في كلا الخبرين.

والجواب أنّه حينئذ يدور الأمر بين أحد التّصرفين ، إمّا رفع اليد عن ظاهر جميع ما ذكر وحمل «لا ريب فيه» على نفي الريب بالإضافة مع أنّه بعيد جدّا ، حيث لا يقال في خبر أخبره جماعة يحتمل في حقّهم عادة التخلّف عن الواقع أنّ هذا الخبر لا شكّ فيه واريد بذلك أبعديّته عن الشكّ بالنسبة إلى خبر آخر هناك أخبره بخلافهم رجل واحد.

وإمّا إبقاء هذا الظاهر القوي بحاله والتصرّف في كلام السائل بحمله على إرادة عدم تحقّق ما فرضه الإمام عليه‌السلام ، يعني أنّه إن لم يكن بينهما هذا الذي ذكرت ، بل تساويا في عدد المخبرين بأن روى كلا منهما جماعة من الثقات ، ولهذا ذكر عقيب قوله : مشهورين قوله : قد رواهما الثقات عنكم.

٤٦٠