أصول الفقه - ج ٢

آية الله الشيخ محمد علي الأراكي

أصول الفقه - ج ٢

المؤلف:

آية الله الشيخ محمد علي الأراكي


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسه در راه حق
الطبعة: ٠
الصفحات: ٧٥٢
  الجزء ١   الجزء ٢
  نسخة غير مصححة

التغيّر ، وربّما يحكم حسب تلك المناسبة بكون الشيء داخلا في الموضوع وإن كان مذكورا في تلك القضيّة بصورة الشرطيّة ، كما لو أشار إلى شيء وقال بعتك هذا إن كان فرسا. فإنّ العرف يحكم بأنّ الفرس نفس المبيع ، فتخلّفه تخلّف المبيع لا تخلّف الشرط.

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ القاعدة الأوّليّة يقتضي حمل النقض وعدمه على مصاديقهما العقليّة ، أعني ما كان ملحوظا بالإضافة إلى الموضوعات العقليّة ، ولكن حيث إنّ المحكّم في باب الألفاظ هو العرف فلا بدّ من حملهما على مصاديقهما العرفيّة اعني : ما كان ملحوظا بالإضافة إلى الموضوعات العرفية ؛ إذ هي التي يراها العرف مصاديق للنقض وعدمه ، ويلزم من عدم إرادتها وإرادة المصاديق الملحوظ بالإضافة الى الموضوعات العقليّة ، أو بالإضافة إلى الموضوعات النقليّة نقض الغرض ، فيتعيّن الحمل على المصاديق العرفيّة فرارا عن هذا المحذور ، ولا يخفي أنّ هذا رجوع إلى العرف في مقام التطبيق ، وإلّا فمن الواضح أنّ مفهوم النقض وعدمه مفهوم مبيّن عند العقل والعرف ، ولا اختلاف بينهما في مفهومه ، وإنّما الاختلاف في المصاديق حسب اختلاف أنظارهما في الموضوعات.

الثاني من شروط تحقّق الاستصحاب أن يكون المكلّف في حال الشكّ في الاستمرار قاطعا بالمتيقّن السابق ، فلو كان في حال الشكّ في الاستمرار شاكّا في أصل الحدوث أيضا فهو أجنبيّ عن الاستصحاب ، ولو كان فيه قاعدة فهي موسومة بقاعدة الشكّ الساري وقاعدة اليقين (١) ، سواء اريد بها إثبات نفس المتيقّن فقط أو إثباته مع الاستمرار ، ومن هنا يظهر عدم إمكان الجمع بين القاعدتين في كلام واحد ؛ فإنّ مفاد الاستصحاب الحكم بالاستمرار ، ومفاد القاعدة الاخرى الحكم بالحدوث فقط أو مع الاستمرار.

__________________

(١) راجع ص ٦٦٢

٣٨١

فإن قلت : إنّ اليقين بعدالة زيد يوم الجمعة يمكن اعتباره بنحوين ، الأوّل : اليقين بعدالة يوم الجمعة لزيد ، والثاني : اليقين بكون زيد في يوم الجمعة عادلا ، والشكّ في الأوّل شكّ في الحدوث ، وفي الثاني مع اختلاف متعلّق المتيقّن والمشكوك شكّ في البقاء ، فالكلام مفيد لعدم نقض هذين اليقينين بهذين الشكّين.

قلت : هذان الاعتباران ليسا بفردين لليقين ، فإنّ أفراد اليقين عبارة عن اليقين بعدالة زيد وفسق عمرو وهكذا ، وأمّا اليقين بعدالة زيد فلا ينحلّ إلى فردين لليقين ، وحينئذ فلا بدّ من أخذ هذين الاعتبارين في لفظ اليقين ، ولا ريب في اتّحاد متعلّق الشكّ واليقين ، فلا بدّ إمّا من ملاحظة المتعلّق في كليهما مقيّدا ، أو في كليهما مطلقا ، فعلى الأوّل يتعيّن في القاعدة ، وعلى الثاني في الاستصحاب ، ولا يمكن الجمع.

فإن قلت : لا نحتاج إلى هذين الاعتبارين ، بل يعتبر اليقين بأصل العدالة والشكّ في أصل العدالة ، وكما أنّ الشك في الحدوث شكّ في أصل العدالة ، كذلك الشكّ في البقاء أيضا شكّ في أصل العدالة.

قلت : ليس الشكّ في البقاء شكّا في أصل العدالة ، فإنّ الشكّ في المقسم شكّ في جميع الاقسام ، فالشكّ في الإنسان لا بدّ وأن يكون شكّا في جميع الأفراد ، فلو كان واحد من الأفراد معلوما فليس الشكّ في الإنسان ، فكذلك هاهنا أيضا لو كان الحدوث معلوما فليس الشكّ في أصل العدالة الجامع بينه وبين البقاء ، بل يكون الشك في الوجود الخاص وهو البقاء ، فعلى هذا أيضا يكون الكلام متعيّنا في القاعدة الثانية.

فإن قلت : نعتبر متعلّق اليقين مقيّدا ، ولكن لا يلزم اتّحاد متعلّق اليقين والشكّ ، بل اللازم عدم البينونة بينهما على وجه يصحّ إطلاق المضيّ وعدم النقض ، فالمراد باليقين ، اليقين بعدالة يوم الجمعة لزيد ، ولكنّ الشكّ يشمل بإطلاقه الحالي الشكّ في عدالة يوم الجمعة لزيد ، والشكّ في عدالة يوم السبت له ، فالكلام باعتبار عدم نقض اليقين بالشكّ الأوّل يشمل القاعدة ، وباعتبار عدم نقضه بالثاني يشمل الاستصحاب.

٣٨٢

قلت : سلّمنا تعميم الشك بإطلاقه الحالي ، ولكن حيث فرضت التقييد في اليقين يكون معنى المضيّ عليه وعدم نقضه هو الأخذ بعدالة يوم الجمعة لزيد ، وفرق بين المضيّ على اليقين السابق وإلغاء الشكّ اللاحق ، ونحن إنّما فسّرنا الأوّل بالثاني في باب الاستصحاب لما فرضناه هناك من اتّحاد متعلّق اليقين والشكّ بتجريده عن الزمان ، وأمّا بعد اختلافهما كما هو المفروض فحال الشكّ حال الحجر في جنب الإنسان ، فلو اريد شمول الكلام للاستصحاب فلا بدّ من الإتيان بقضيّة اخرى مشتملة على موضوع ومحمول آخرين، وهو قولنا : واذا ثبت عدالة زيد في زمان فلو شككت في استمرارها في ما بعد هذا الزمان فابن على الاستمرار ، فالموضوع هو الشكّ في الاستمرار ، والمحمول هو الحكم به.

ومن هنا يظهر أنّه لا يمكن إرادة الحكم بالحدوث والحكم بالاستمرار معا من الكلام حتّى لو اريد منه القاعدة الثانية فقط ، فإنّ غاية تقريب الإمكان أن يقال : إنّ المراد باليقين اليقين بعدالة زيد في يوم الجمعة مثلا ، والشكّ قد يكون في عدالته في يوم الجمعة فقط مع القطع بالعدالة أو الفسق في ما بعده ، أو يكون في عدالته فيه وفي ما بعده ، فقضيّة الإطلاق عدم نقض اليقين بكلّ من الشكّين.

وفيه أنّه إن اريد اليقين على وجه التقييد فقد مرّ الكلام فيه ، وإن اريد على وجه الإطلاق حتّى يكون المراد أنّه إذا حصل اليقين بعدالة زيد في زمان فالشكّ في ما بعده ملغى ، سواء تعلّق بالحدوث أم به وبالبقاء ، ففيه أنّه لا يمكن الجمع ؛ لاختلاف القضيّتين موضوعا ومحمولا ، فالموضوع في إحداهما الشكّ في الحدوث والمحمول الحكم بأصل الثبوت ، والموضوع في الاخرى الشكّ في الاستمرار والمحمول الحكم به ، ولا يمكن إرادة كلا الشكّين من لفظ الشكّ ، ولا إرادة كلا المحمولين من لفظ عدم النقض في ما إذا قيل لا تنقض اليقين بالشكّ.

* * *

٣٨٣

قاعدة التجاوز والفراغ (١)

وربّما يستدلّ على قاعدة اليقين بأخبار عدم الاعتناء بالشكّ في الشيء بعد تجاوز محلّه ، ولا بدّ من التيمّن بذكر الأخبار والتكلّم في مدلولها وتنقيح مضمونها ، فنقول وبالله المستعان وعليه التكلان :

في الوسائل «محمّد بن الحسن بإسناده عن أحمد بن محمّد عن أحمد بن محمّد بن أبى نصر عن حمّاد بن عيسى عن حريز بن عبد الله عن زرارة ، قلت لأبي عبد الله عليه‌السلام : رجل شكّ في الأذان وقد دخل في الإقامة؟ قال : يمضي ، قلت : رجل شكّ في الأذان والإقامة وقد كبّر؟ قال : يمضي ، قلت : رجل شكّ في التكبير وقد قرأ؟ قال : يمضي ، قلت : شكّ في القراءة وقد ركع؟ قال : يمضي ، قلت : شكّ في الركوع وقد سجد؟ قال : يمضي على صلاته ، ثمّ قال : يا زرارة إذا خرجت من شيء ثمّ دخلت في غيره فشككت فليس بشيء».

«محمّد بن الحسن بإسناده عن سعد بن عبد الله عن أحمد بن محمّد عن أبيه عن عبد الله بن المغيرة عن إسماعيل بن جابر عن أبي عبد الله عليه‌السلام في حديث قال : إن شكّ في الركوع بعد ما سجد فليمض ، وإن شكّ في السجود بعد ما قام فليمض ، كلّ شيء شكّ فيه ممّا قد جاوزه ودخل في غيره فليمض عليه».

«محمّد بن الحسن عن المفيد عن أحمد بن محمّد عن أبيه عن سعد بن عبد الله عن أحمد بن محمّد بن عيسى عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر عن عمرو بن عبد الكريم بن عمرو عن عبد الله بن أبي يعفور عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : إذا شككت في شيء من الوضوء وقد دخلت في غيره فليس شكّك بشيء ، إنّما الشكّ إذا كنت في شيء لم تجزه».

__________________

(١) راجع ص ٦٧١.

٣٨٤

ورواه ابن إدريس في آخر السرائر نقلا من كتاب النوادر لأحمد بن محمّد بن أبي نصر مثله.

«محمّد بن الحسن باسناده عن الحسين بن سعيد عن صفوان عن ابن بكير عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه‌السلام قال : كلّما شككت فيه ممّا قد مضى فامضه كما هو».

والكلام يقع في مواضع :

الموضع الأوّل : اعلم أنّ لنا قاعدتين إحداهما : قاعدة التجاوز ، وموردها الشكّ في وجود نفس الشيء وعدمه بعد تجاوز محلّه ، والثانية : قاعدة الفراغ ، وموردها الشكّ في جامعيّة المركّب لما يعتبر في صحّته شطرا أو شرطا بعد الفراغ عن هذا المركّب ، والثمرة بينهما واضحة من جهة أعميّة الاولى من الثانية من حيث اشتمالها للشكّ في أجزاء العمل في الأثناء ، وأعميّة الثانية من الاولى من حيث اشتمالها للشكّ في الكيفيّة ، وللشكّ الواقع في غير باب الصلاة إن قلنا باختصاص الاولى بالشكّ في غير الكيفيّة وبباب الصلاة ، ففي القاعدة الثانية يكون في البين شيء موجود مفروغ عنه ووقع الشكّ في صحّته وفساده ، وفي الاولى يكون الشكّ في أصل وجود الشيء وعدمه.

إذا عرفت ذلك فلا بدّ أن لا يفرق بين هذه الأخبار الأربعة في المضمون ، بمعنى أنّه إن كان المراد من واحد منها هو القاعدة الاولى أو الثانية أو الجامع بينهما إن قلنا بتصويره بينهما فلا بدّ أن يكون الحال في الباقي على هذا المنوال ، ولا سبيل إلى التفرقة بينها في المضمون بتنزيل بعضها على ارادة معنى وتنزيل الآخر على إرادة معنى آخر ، وحيث إنّ من المعلوم كون الخبرين الأوّلين دليلين على القاعدة الاولى من جهة كون موردهما الشكّ في الوجود تعيّن كون الأخيرين أيضا دليلين على هذه القاعدة.

فإن قلت : الشكّ في الشيء وإن كان ظاهرا في الشكّ في أصل الوجود ، ولكن التقييد بالخروج والتجاوز والمضيّ ظاهر في الشكّ في الصحّة بعد الفراغ عن

٣٨٥

أصل الوجود ، ففي الخبرين الأوّلين قامت القرينة على رفع اليد عن هذا الظاهر وإرادة الشكّ في الوجود الذي هو مورد القاعدة الاولى ، وأمّا في الخبرين الأخيرين فحيث انتفت هذه القرينة ، فلا وجه لرفع اليد عن ظاهرهما الأوّلي الذي هو الشكّ في الصحّة ، فيكون هذان دليلين على قاعدة الفراغ.

قلت : إذا قامت القرينة على إرادة خلاف الظاهر في بعض الأخبار يكشف عن إرادة ذلك في الباقي أيضا ، للقطع باتّحاد ما سيق الجميع لإفادته وتأديته ، ونظير ذلك أخبار عدم نقض اليقين بالشكّ ، حيث إنّ الظاهر الأوّلي منها اتّحاد متعلّق اليقين والشكّ حتّى من حيث الزمان الذي هو مورد قاعدة اليقين ، ومع ذلك حملناها على الاستصحاب من جهة كون مورد بعضها إيّاه.

فإن قلت : نعم ولكنّ المتعيّن في موثّقة ابن أبى يعفور إرجاع الضمير في «غيره» إلى الوضوء لا إلى الشيء المشكوك فيه ، لئلّا يخالف الإجماع والصحيحة الواردة فى باب الوضوء الدالّين على وجوب الالتفات إلى الشكّ في بعض أجزاء الوضوء بعد الدخول في جزئه الآخر، وحينئذ يكون الذيل أعني قوله : إنّما الشكّ الخ مسوقا لبيان حال الشكّ في أجزاء المركّب بعد الفراغ منه.

قلت : كما أنّه لو حمل الذيل على قاعدة التجاوز يلزم تخصيص الرواية بالنسبة إلى بعض مصاديق موردها أعنى الوضوء من جهة أنّ التجاوز عن الشيء المشكوك فيه لا ينحصر بالدخول في غير الوضوء ، بل يحصل بالدخول في جزء آخر من الوضوء غير الجزء المشكوك فيه ، فيكون مخصّصة بالنسبة إلى هذا الفرد بالإجماع ، والصحيحة كذلك لو حمل على قاعدة الفراغ أيضا يلزم تخصيصها بالنسبة إلى بعض مصاديق المورد من حيث اشتمالها على أنّ الشكّ في غسل اليد باعتبار جزء من أجزائه لا يعتنى به إذا جاوز غسل اليد ، فتكون مخصّصة بالنسبة إلى هذا الفرد بالإجماع والصحيحة.

فكما لا بدّ على الثاني دفعا لمحذور تخصيص بعض مصاديق المورد من تمحّل أنّ المراد بالشيء ليس مطلق الشيء ، بل خصوص ما كان له استقلال وعنوان لدى العرف

٣٨٦

والشرع مثل الوضوء والغسل والصلاة والسعي والطواف من أفعال الحج ، فلا يشمل مثل غسل اليد الذي ليس له عنوان واستقلال عند العرف ولا الشرع ، فكذلك لا بدّ على الأوّل من تمحّل أنّ الوضوء بتمامه في نظر الشارع أمر واحد وفعل واحد ، ويوجب ذلك التوسعة في محلّ الشيء المشكوك فيه.

فالشكّ ما دام الاشتغال بالوضوء يكون من باب الشكّ في الشيء قبل تجاوز محلّه ، وإنّما يكون من باب الشكّ بعد تجاوز المحلّ إذا كان الشكّ بعد الفراغ من الوضوء ، فإنّ الوضوء أمر واحد بنظر الشارع ، لبساطة أثره الذي هو الطهارة.

ونظير ذلك الشكّ في الركوع في حال الهويّ إلى السجود ، فإنّ الهويّ وإن كان فعلا في نفسه ، ولكنّه غير ملحوظ بنظر الشارع ، فالمكلّف ما دام اشتغاله بالهويّ بمنزلة كونه مشتغلا بنفس الركوع.

والفرق بين الوضوء وسائر المركّبات ـ حيث إنّ الأثر فيها أيضا واحد كالانتهاء عن الفحشاء في الصلاة ـ هو أنّ المأمور به في سائر المركّبات هو نفس الأمر الخارجي المركّب من الامور المتشتّتة ، وأمّا في الوضوء فهو الأمر الوحدانى البسيط المتحصّل من الأمر الخارجي ، والامور الخارجيّة من باب المحصّل للمأمور به ، فالشارع لاحظ هذه الامور شيئا واحدا من جهة وحدة ما هو المأمور به والمحصل منها ، وبالجملة ، فإذا كان التمحّل على أيّ حال محتاجا إليه فلا إشكال في ترجيح التمحّل الثاني على الأوّل ، من جهة مساعدة ما ذكرنا من اتّحاد المساق في الروايات.

ويؤيّد ما ذكرنا أنّه لا ريب في كون المراد بالشكّ في الصدر هو الشكّ في الوجود ، وعلى ما ذكره لا بدّ من حمل الشكّ في الذيل على الشكّ في الصحّة وحمل الشيء فيه على العمل المركّب ، فتحصل المخالفة بين الصدر والذيل في كلا الأمرين ، وعلى ما ذكرنا تحصل الموافقة بينهما في كليهما ؛ لأنّ المراد بالشكّ في الذيل هو الشكّ في الوجود ، وبالشيء فيه هو الشيء المذكور في الصدر.

ومن هنا يظهر الخدشة في ما ذكره بعض الأساتيد من التفرقة بين صحيحتى

٣٨٧

زرارة وابن جابر وبين موثقتي ابن أبي يعفور وابن مسلم بجعل الأوّلين ظاهرين في قاعدة التجاوز والأخيرين في قاعدة الصحّة ، هذا.

ثمّ إنّ له قدس‌سره هنا كلاما آخر وهو أنّ قاعدة الصحّة تعمّ جميع الأبواب ، وقاعدة التجاوز تختصّ بباب الصلاة ، وذكر في بيان وجه الاختصاص ما حاصله أنّ تقدّم الأسئلة المتعلّقة بباب الصلاة لو لم يجعل الكليّة المذكورة في الجواب ظاهرا في خصوص باب الصلاة فلا أقلّ عن المنع عن الأخذ بإطلاقها ؛ لأنّ وجود القدر لمتيقّن في مقام التخاطب في البين يمنع عن الأخذ بالإطلاق.

فإن قلت : هذا إنّما يتمّ في قوله عليه‌السلام في صحيحة زرارة : إذا خرجت من شيء الخ ، ولا يجري في قوله عليه‌السلام في صحيحة ابن جابر : كلّ شيء شكّ فيه الخ ؛ لأنّ العموم فيه وضعي وليس بالإطلاق.

قلت : عموم الكلّ تابع لسعة المدخول وضيقه ، فلا بدّ أوّلا من ملاحظة جريان المقدّمات في المدخول وعدمه ، فإن كانت جارية كان الاستيعاب بالنسبة إلى أفراد المطلق وإن كانت غير جارية كان العموم بالنسبة إلى أفراد المقيّد ، وحيث إنّ المفروض عدم جريانها لوجود القدر المتيقّن في البين كان الاستيعاب بالنسبة إلى أفراد المقيّد ، كما أنّ إطلاق نفس المدخول لا يشمل أزيد منه ، هذا ما ذكره.

وفيه أنّ ما ذكره وإن كان تامّا في ما إذا كان المدخول منصرفا إلى شيء ؛ فإنّ الانصراف بمنزلة التقييد المذكور في الكلام ، فقولك : «كلّ إنسان» لكونه منصرفا إلى ذي رأس واحد بمنزلة قولك : كلّ إنسان ذي رأس واحد ، فإن كان تقدّم الأسئلة في هذه الأخبار موجبا لانصراف كلمة «الشيء» في الأفعال الصلاتيّة كما لا يبعد ، فلا كلام ، وإلّا فمجرّد وجود القدر المتيقّن في البين من دون انصراف وإن سلّمنا كونه مانعا عن الأخذ بالإطلاق ـ وإن كان فيه أيضا كلام مذكور في محلّه ـ ولكن لا نسلّم كونه مانعا عن الأخذ بعموم الكلّ ، ووجهه أنّ الكلّ وارد على المدخول في عرض المقدّمات لا في طولها.

وبعبارة اخرى : وضع لاستيعاب أفراد المدخول على حسب المراد اللفظي لا

٣٨٨

على حسب المراد اللبيّ حتّى نحتاج إلى إحراز أنّ المراد اللّبي هل هو المطلق أو المقيّد ثمّ نحكم بالاستيعاب على حسبه ، فلو لم يعلم الحال وتردّد بين الأمرين وجب التوقّف ، بل نحكم بالاستيعاب على حسب المراد الاستعمالي ونستكشف منه كون المراد اللّبي هو المطلق.

وبالجملة ، لا بدّ من ملاحظة المفاد اللفظي والتفرقة بين إجماله وبين إهماله وإجمال المراد اللبيّ ، فإن كان في المفاد اللفظي إجمال يسري هذا الإجمال الى الكلّ ، وأمّا إن كان فيه الإهمال بمعنى الصالحيّة للحمل على الإطلاق والتقييد والمقسميّة بينهما فالكلّ حينئذ يرفع الإجمال عن المراد اللبيّ ويعيّنه في الإطلاق ، وعلى هذا فقول القائل : جئني بأحد وإن كان محتاجا إلى ملاحظة المقدّمات ، ولكن قوله : جئني بكلّ أحد لا يحتاج إلى ذلك ، ومن هنا يظهر أنّه لو تكلّم بكلمة «كلّ» في مقام الإهمال كان ذلك استعمالا على خلاف وضعه.

وممّا يشهد لما ذكرنا أنّه لو صرّح بقيد الإطلاق في الكلام عوضا عن كلمة «كلّ» فقيل : جئني بأحد مطلقا ، فعلى ما ذكره يحتاج إلى ملاحظة المقدّمات ، والبديهة تشهد بخلافه.

ونظير هذا الكلام يجري في صيغة «افعل» فإنّه كما لو قيل : «كلّ رجل أبيض» لا يلزم تجوّز في الكلّ ، كذلك لو قيل : أكرم زيدا ، بضميمة قوله : أو عمروا ، لا يلزم تجوّز في صيغة «افعل» ومع ذلك لو قيل : أكرم زيدا ، لا يتوقّف بمجرّد صالحيّة المفاد اللفظي لكلا الأمرين وإجمال المراد اللبيّ بينهما ، بل يؤخذ بما هو مفاد اللفظ ويرفع بسببه الإجمال عن المراد اللبيّ.

الموضع الثاني : بعد ما عرفت من اتّحاد المضمون والمفاد من هذه الكليّة الواردة في الأخبار بعبارات ثلاث من التجاوز والمضيّ والخروج يقع الكلام في أنّه هل يمكن إرادة الأعمّ من قاعدة التجاوز وقاعدة الصحّة منها أو لا؟

فنقول : الشكّ في الشيء يكون في قاعدة التجاوز بمعنى الشكّ في وجود الشيء وعدمه ، وفي قاعدة الصحّة بمعنى الشكّ في صحّة الشيء بعد الفراغ عن

٣٨٩

أصل وجوده ، والجمع بين هذين اللحاظين في كلام واحد غير ممكن ، نعم يمكن تصوير الجامع بينهما بأن يقال : إنّ المتكلّم في كلمة «في» في قوله : «كلّ شيء شكّ فيه وقد جاوزه ودخل في غيره فليمض عليه» لاحظ مطلق التعلّق الأعمّ من التعلّق بالصحّة أو بأصل الوجود ، فإنّ الشاكّ في أصل صدور القراءة مثلا والشاكّ في كيفيّة صدورها من الجهر والإخفات مع الفراغ عن أصل الصدور يصدق على كلّ منهما أنّه شاكّ في القراءة ، فالمتكلم تصوّر هذا الجامع تصوّرا حرفيّا واستعمل فيه كلمة «في» ولا غرو في تصوّر الجامع تصوّرا حرفيّا.

كما وقع نظيره في موثقة ابن بكير الواردة في لباس المصلّي حيث استعمل فيه كلمة «في» في مطلق التلبّس الأعمّ من اللباسي الظرفي ومن المحمولي المصاحبي ، ومثله الكلام في كلمة «في» في قولك : من تيقّن بشيء فشكّ فيه فليمض على يقينه ، إذا استعملتها في مطلق التعلّق الأعمّ من التعلّق بأصل الحدوث أو بالاستمرار بعد الفراغ عن أصل الثبوت ، وممّا يؤيّد هذا في ما نحن فيه صحّة تعقيب قولك : كلّ شيء شكّ فيه وقد جاوزه ودخل في غيره فليمض عليه ، بقولك : سواء تعلّق الشكّ بأصل وجوده أو بصحّته بعد الفراغ عن أصل وجوده.

فإن قلت : وإن أمكن تصوير الجامع بحسب صدر القضيّة وهو قوله : كلّ شيء شكّ فيه ، ولكن لا يمكن بحسب ذيله وهو قوله : وقد جاوزه ، فإنّ المجاوزة في قاعدة التجاوز بمعنى مجاوزة محلّ الشيء ، وفي قاعدة الصحّة بمعنى مجاوزة نفس الشيء ، ففي الاولى نحتاج إلى التقدير وفي الثانية لا نحتاج إليه ، والجمع بين التقدير واللاتقدير غير ممكن.

قلت : تصوير الجامع من هذا الحيث أيضا ممكن بتقدير المحلّ في كليهما إمّا بأن يلاحظ خصوص المحلّ الشرعي ، فإنّ صيرورة الشكّ في الشيء شكّا بعد مضيّ المحلّ الشرعي لا يفرق فيه بين تحقّق هذا الشيء في هذا المحلّ وعدم تحقّقه ، فالشكّ في الفاتحة بعد الدخول في السورة مثلا شكّ بعد مضيّ المحلّ الشرعي للفاتحة ، وهو ما قبل السورة ، ولا فرق في صدق ذلك بين أن يكون

٣٩٠

الشكّ في أصل تحقّق قراءة الفاتحة وبين أن يكون الشكّ في كيفيّة قراءتها بعد أصل تحقّق القراءة في هذا المحلّ ، وعلى هذا فيتوقّف إجراء قاعدة الصحّة على الدخول في السورة.

وإمّا بأن يلاحظ مطلق المحلّ الأعمّ من المحلّ الشرعي والمحلّ العرفي الحاوي للأجزاء الخارجيّة للشيء ، فالشكّ في أصل قراءة الفاتحة إنّما يصير شكّا بعد مضيّ المحل بعد الدخول في السورة ، وأمّا الشكّ في كيفية قراءتها فيصير شكّا بعد مضيّ المحلّ بمحض الفراغ عن قراءة الفاتحة ؛ إذ يصدق أنّه قد مضى محلّها الحاوي لأجزائها الخارجيّة ، وعلى هذا فلا يتوقّف إجراء قاعدة الصحّة بعد الفراغ من نفس العمل على الدخول في شيء آخر ، هذا كلّه هو الكلام في إمكان تصوير الجامع.

وأمّا في وقوعه بحسب ظاهر القضيّة فلا يخفى أنّ ظاهر الشكّ في الشيء هو الشكّ في الوجود ، كما أنّ ظاهر التجاوز عن الشيء هو التجاوز عن نفسه ، فالصدر ملائم مع قاعدة التجاوز ، والذيل مع قاعدة الصحّة ، فكلّ منهما كان أظهر يجب رفع اليد بواسطته عن ظاهر الآخر ، ولكنّ الأظهر هو الصدر بملاحظة أنّ المصاديق التي جعلت هذه الكليّة كبرى لها بكون الشكّ فيها ظاهرا في الشكّ في الوجود ، فمع حفظ هذا الظهور لا يمكن أن يراد من القضيّة الشكّ في الصحّة ، فعدم إمكان الجمع بين القاعدتين إنّما هو مع حفظ هذا الظهور ، وإلّا فلا ريب في إمكانه في حدّ نفسه ، وقد تقدّم مثل ذلك في أخبار عدم نقض اليقين بالشكّ.

وحينئذ فقد يتمسّك لقاعدة الصحّة بتنقيح المناط بتقريب أنّا قد استفدنا من الأخبار أنّ ملاك عدم الاعتناء بالشكّ كون الإنسان بعيدا متجاوزا عن الشيء المشكوك فيه ، ولا فرق في هذا الملاك بين كون المشكوك فيه نفس الشيء أو وصف صحّته ، ويؤيّد هذا المعنى التعليل الوارد في بعض أخبار الوضوء من قوله : هو حين يتوضّأ أذكر منه حين يشكّ.

أو يقال بتعميم كلمة «الشيء» في صدر هذه الروايات للأجزاء والقيود والكيفيّات ؛ فإنّ الشيء كلّما كان ، له نفس أمريّة ، ولو كان من الامور الانتزاعيّة الّتي

٣٩١

تحققها بتحقّق منشأ انتزاعها مثل الموالاة والترتيب ، وعلى هذا فيعلم من الروايات حكم الشكّ في الصحّة أيضا بملاحظة أنّ منشائه إمّا الشكّ في الجزء أو الشكّ في القيد والكيفيّة.

والمحصّل أنّ قاعدة الفراغ يمكن استنباطها من هذه الأخبار إمّا بأن الشكّ يشمل الشكّ في الوجود والشكّ في الصحّة ، وإمّا بأنّ الشكّ في الشيء يشمل الشكّ في الجزء والكيفيّة ، وإمّا بإرجاع الشكّ في الصحّة إلى الشكّ في الوجود أعني وجود المقيّد الذي يحمل عليه عنوان الصحيح ، لا نفس هذا العنوان حتى يقال : إنّه أمر انتزاعي.

وتظهر الثمرة بين الوجوه الثلاثة في أنّه على الأوّلين لا يحتاج في التجاوز عن محلّ المشكوك إلى الدخول في الغير ، وعلى الأخير يحتاج إليه كما هو واضح ، ولو صحّ أحد الأوّلين أغني عن الأخير ؛ لأنّ الشكّ فيه مسبّب ، كما أنّه لو صحّ الثاني أغني عن الأوّل بهذا السبب.

الموضع الثالث : في أنّ المحلّ الذي يعتبر التجاوز عنه هل هو المحلّ الشرعي أو العادي، فاعلم أنّه يمكن أن يقال : إنّه المحلّ العاديّ ، والعادة على قسمين : نوعيّة وشخصيّة ، فالاولى كما في الموالاة بين أعضاء الغسل ، فلو شكّ في غسل الجانب الأيسر بعد تخلّل الفصل المخلّ بالموالاة المعتادة يصدق أنّه شك بعد تجاوز المحلّ وكما في الموالاة بين الظهرين ، وكما في الموالاة بين التخلّي والتطهير ، والثانية ، كما في من اعتاد بإتيان الصلاة في أوّل الوقت أو مع الجماعة ، فشكّ في إتيانها بعد انقضاء أوّل الوقت أو الجماعة ، فالمعتبر هو العادة النوعيّة دون الشخصيّة.

ووجه الفرق أنّه يصحّ في الاولى انتساب المحلّ إلى الشيء المشكوك على وجه الإطلاق فيقال : إنّ محلّ غسل الأيسر متّصل بغسل الأيمن ، ومحلّ العصر متّصل بالظهر ، ومحلّ التطهير متّصل بالتخلية ، ولا يحتاج إلى التقييد بقولنا عند النوع ، إذ الخطاب موجّه إلى النوع ، كما لا يحتاج في قوله تعالى : (أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ)

٣٩٢

إلى تقييد البيع بالعرفي ، وهذا بخلاف الحال في مورد العادة الشخصيّة ، فإنّه يحتاج إلى التقييد بقولنا : عند هذا الشخص ولو فرض أنّ القائل نفس هذا الشخص.

وحينئذ فلا يلزم الالتزام بالفروع التي يبعد التزام الفقيه بها ، فإنّ تلك الفروع إنّما هي في موارد العادة الشخصيّة دون النوعيّة ، ولهذا قد وقع الخلاف في مثال الغسل الذي هو من موارد العادة النوعيّة ، وعلى هذا فقوله : إذا شكّ في الأذان وقد دخل في الإقامة ، ورجل شكّ في الأذان والإقامة وقد كبّر ، في مقام بيان المحلّ العادي ، غاية الأمر أنّ العادة هنا نشأت من الشرع.

ويمكن أن يقال : إنّ المعتبر هو الأعمّ من المحلّ الشرعي والعادي بالمعنى المذكور ، وعلى هذا فيقع التعارض في مثال الغسل ونحوه بين المحلّ الشرعي والعادي ، فمقتضى الأوّل كون الشكّ قبل تجاوز المحلّ ، ومقتضي الثاني كونه بعد تجاوز المحلّ ، ولكنّ المتعيّن ترجيح الثاني ، فإنّ عدم الاعتناء هو المحتاج إلى السبب دون الاعتناء ، فإنّه من مقتضيات نفس الشكّ ، فالتعارض بين المقتضي واللامقتضي.

ويمكن أن يقال : إنّ المعتبر هو المحلّ الشرعي دون العادي ، فإنّ انصراف إطلاق مفهوم في كلام الشارع إلى الأفراد العرفيّة إنّما هو فيما إذا لم يكن الكلام مسبوقا بتصرّف من الشارع في أفراد هذا المفهوم أصلا ، وأمّا إذا تصرّف الشارع أوّلا بأن عيّن له أفرادا وإن لم يخطّئ أفراده العرفية ، ثمّ أطلق المفهوم في كلامه فإنّ المفهوم حينئذ منصرف إلى الأفراد التي عيّن الشارع له ، والمقام من هذا القبيل ؛ فإنّ الشارع عيّن محلّ الظهرين في ما بين الظهر والغروب ، وهكذا عيّن لسائر المشكوكات محلّا ، فقوله بعد ذلك : الشكّ في الشيء بعد تجاوز محلّه ليس بشيء ينصرف إلى هذه المحال.

الموضع الرابع : هل الدخول في غير المشكوك معتبر في إجراء هذا الأصل ، أو يكفي مجرّد مضيّ المشكوك والجواز عنه؟ قضيّة موثّقة ابن مسلم «كلّما شككت فيه ممّا قد مضى فامضه كما هو» وذيل موثّقة ابن أبي يعفور «إنّما الشكّ إذا كنت في شيء لم تجزه» والتعليل الوارد في باب الوضوء «هو حين يتوضّأ أذكر منه حين يشكّ» ، وقوله عليه‌السلام : «كلّما مضى من صلاتك وطهورك

٣٩٣

فذكرته تذكّرا فامضه» هو الثاني.

وقضيّة قوله في صحيحة زرارة : «إذا خرجت من شيء ودخلت في غيره فشككت فليس بشيء ، وفي صحيحة ابن جابر : «كلّ شيء شكّ فيه وقد جاوزه ودخل في غيره فليمض عليه ،» وصدر موثّقة ابن أبي يعفور : «إذا شككت في شيء من الوضوء ودخلت في غيره فشكّك ليس بشيء» ، هو الأوّل.

ولا يخفي أنّ الغالب توقّف المضيّ على الدخول في الغير كما في مضيّ المحلّ الشرعي للحمد مثلا بالنسبة إلى الدخول في السورة ، فيحتمل كون القيد في الأخبار الثانية واردا لنكتة هذه الغلبة ، ويحتمل كون الإطلاق في الاولى واردا لذلك ، ولكن ظهور المطلق في الإطلاق أقوى من ظهور القيد في التقييد ، وعلى هذا فلا يعتبر أصل الدخول في الغير فضلا عن اعتبار غير خاص.

فإن قلت : لو كان الأمر كما ذكر لما كان وجه لقوله عليه‌السلام في صحيحة ابن جابر : إن شكّ في الركوع بعد ما سجد فليمض ، وإن شكّ في السجود بعد ما قام فليمض ، حيث اعتبر الدخول في السجود في الشكّ في الركوع ، والدخول في القيام في الشكّ في السجود ؛ لوضوح تحقّق المضيّ عن المشكوك في الأوّل بالهويّ ، وفي الثاني بالنهوض ، فمن هذا يعلم علاوة على أنّ للدخول في الغير مدخليّة في الحكم ، أنّ مطلق الغير غير كاف ، وأنّه لا يكفي إلّا الأفعال الأصليّة دون مقدّماتها.

قلت : ليس الغرض من ذلك تحديد محلّ الشكّ في الركوع والسجود بذلك ، بل الغرض مجرّد التمثيل ، وأمّا ترك الأقرب إلى المشكوك وذكر الأبعد فلعلّ النكتة فيه عدم حصول الشكّ عند القرب من المشكوك أو عدم استقراره على فرض حصوله ، ويتوقّف حصوله واستقراره على بعد الشاكّ عن المشكوك في الجملة.

وكيف كان فعلى ما ذكرنا يجري هذا الأصل في الجزء الأخير من العمل بعد حصول الفصل الطويل المحقّق للتجاوز ، وكذا في الآيات والكلمات والحروف بعد حصول الفصل المخلّ بالموالاة بين المشكوك وسابقه.

٣٩٤

الموضع الخامس (١) : رواية ابن أبي يعفور الواردة في باب الوضوء مع قيام الإجماع والصحيحة على عدم جريان قاعدة الشكّ بعد التجاوز في هذا الباب لا بدّ فيها من اختيار أحد المذهبين ، الأوّل : ما اختاره بعض الأساتيد قدس‌سره من كونها إشارة إلى قاعدة الفراغ وقد مرّ أنّه على هذا لا يسلم عن محذور التخصيص إلّا مع التمحّل الذي سبق ، والثاني : ما اخترناه من كون ضمير «غيره» راجعا إلى الوضوء ، وفرق بين الوضوء وبين سائر المركّبات ، ومن هنا أمكن للشيخ المرتضى قدس‌سره أن يقول بكون الأمر في الطهارات الثلاث متعلّقا بالأمر البسيط الوحداني ، ولهذا اختار الاشتغال في كلّ شرط أو شطر مشكوك ، فيمكن أن يلاحظ الوضوء بلحاظ البساطة والوحدانيّة بملاحظة بساطة أثره ، ولا بلحاظ سائر المركّبات بهذا اللحاظ مع وجود الأثر البسيط فيها أيضا.

ويؤيّد هذا الوجه أنّه على هذا يكون الشيء في الذيل عين الشيء في الصدر ، وعلى الأوّل يكون غيره كما هو واضح ، ولا يمكن أن يقال : إنّ الضمير راجع إلى الشيء مع ارتكاب هذا التمحّل أو مع التخصيص في أفراد الغير ، أمّا الأوّل فلأنّ الإجماع والصحيحة أوجبا رجوع الضمير إلى الوضوء ، والتمحّل المذكور إنّما هو لتصحيح ذلك ، فافهم ، وأمّا الثاني فلأنّه موجب للتخصيص بالفرد النادر كما لا يخفى.

ويمكن أن يقال : إنّ الضمير راجع إلى الوضوء ، وجريان قاعدة الشكّ بعد التجاوز لا شبهة فيه بالنسبة إلى هذا المورد المذكور في الخبر الذي هو الشكّ في شيء من الوضوء بعد الدخول في غير الوضوء ، وإنّما الإشكال في غير هذا المورد وهو

__________________

(١) كتب قدس‌سره الشريف صدر هذه الصفحة روايات أخلاقيّة أوردناها تذكارا لأنفسنا واخواننا الطلبة : إعجاب المرء بنفسه دليل على ضعف عقله ، اطلبوا العلم وتزيّنوا بالحلم والوقار. بالتواضع تعمر الحكمة لا بالتكبّر، وكذلك في السهل ينبت الزرع لا في الجبل. لا يدخل الجنّة من كان في قلبه مثقال حبّة من خردل من الكبر. من حقّر الناس وتجبّر عليهم فذلك الجبّار. من استخفّ بمؤمن فبنا استخفّ وضيّع حرمة الله عزوجل.

٣٩٥

الدخول في جزء من أجزاء الوضوء والشكّ في الجزء السابق عليه ، وهذا لا شبهة في خروجه عن هذه الكليّة مثل سائر الكليّات المذكورة في سائر الأخبار بالإجماع والصحيحة من دون كونه تخصيصا في مورد الخبر.

الموضع السادس : قاعدة الشكّ بعد التجاوز تشمل الشروط كما تشمل الأجزاء ، ولا إشكال في هذا الشمول لما مرّ من عموم الشيء في الأخبار ، وعلى هذا فلا شبهة في الشكّ في الشرط إذا كان بعد الفراغ عن العمل المشروط ، وإنّما الكلام في موضعين ، أحدهما العمل الآخر الذي لم يدخل فيه ، والثاني نفس هذا العمل بعد الدخول وقبل الفراغ ، فهل يكون الشكّ بمجرّد الفراغ عن أحد العملين المشروطين شكّا بعد المحلّ بالنسبة إلى العمل الآخر ، وكذلك تمحّض الدخول في العمل المشروط ومضيّ بعض أجزائه يكون الشك بعد المحلّ بالنسبة إلى الأجزاء اللاحقة ، أو لا بدّ من إحراز الشرط لما يأتي من العمل والأجزاء؟

فنقول : إن قلنا بأنّ اعتبار القاعدة من باب الطريقيّة فلا إشكال في أنّ إحراز الشرط بالنسبة إلى ما تقدّم من العمل والأجزاء كاف للعمل الآتى والأجزاء الآتية ، وإن قلنا بأنّه لم يلاحظ فيها الطريقيّة ، وإنّما هي من الاصول المقرّرة للشاك فحينئذ لا بدّ من التوقّف على مقدار المؤدّى وعدم التعدّي إلى غيره ، فلا بدّ من إحراز الشرط لما يأتى من العمل والأجزاء، هذا.

إلّا أنّه قد يقال في مثل الوضوء إذا شكّ فيه في أثناء الصلاة بأنّه شكّ بعد المحل حتّى بالنسبة إلى الأجزاء المستقبلة ، وذلك لأنّ محلّ إحراز الوضوء لجميع أجزاء الصلاة إنّما هو قبل الصلاة ، وليس حاله كالستر ونحوه ممّا يمكن إحرازه عند كلّ جزء ، وعلى هذا فلا فرق بين الشكّ في الوضوء في أثناء الصلاة ، وبين الشكّ فيه بعد الفراغ من الصلاة في عدم الالتفات.

إلّا أنّه قد يشهد على التفصيل بين هذين ، صحيحة عليّ بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر سلام الله عليهما «قال : سألته عن الرجل يكون على وضوء ، ثمّ يشكّ على وضوء هو أم لا؟ قال : إذا ذكرها وهو في صلاته انصرف وأعادها ، وإن

٣٩٦

ذكر وقد فرغ من صلاته أجزأه ذلك» بناء على أنّ المراد في السؤال الكون على وضوء باعتقاده ، ثمّ حصل له الشكّ الساري ، دون أن يكون المراد اليقين سابقا والشكّ لا حقا حتى يكون مورد الاستصحاب فتدبّر.

الموضع الثامن (١) : في أصالة الصحّة (٢) في فعل الغير ، لا دلالة لما استدلّ به على هذا الأصل من الآيات والأخبار مثل قوله تعالى : (قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً) بعد تفسيره بما في الكافي بقوله عليه‌السلام : لا تقولوا إلّا خيرا حتّى تعلموا ما هو ، ومثل قوله عليه‌السلام : ضع أمر أخيك على أحسنه حتّى يأتيك ما يقلّبك عنه ، ولا تظنّن بكلمة خرجت من أخيك سوء وأنت تجد لها في الخير سبيلا. وقوله عليه‌السلام لمحمّد بن الفضيل : يا محمّد كذّب سمعك وبصرك عن أخيك ، فإن شهد عندك خمسون قسامة أنّه قال وقال : لم أقل فصدّقه وكذّبهم.

وما ورد مستفيضا أنّ المؤمن لا يتّهم أخاه ، وأنّه إذا اتّهم أخاه انماث الإيمان في قلبه كانمياث الملح في الماء ، وأنّ من اتّهم أخاه فلا حرمة بينهما ، وأنّ من اتّهم أخاه فهو ملعون ملعون ، إلى غير ذلك ممّا يفيد هذه المضامين أو ما يقرب منها.

وتقريب الاستدلال أنّ الأمر في هذه الأدلّة لا يمكن صرفه إلى الاعتقاد القلبي بالحسن والصحّة ؛ فإنّ الاعتقاد أمر قهريّ الحصول وليس اختياره بيد الإنسان ، فلا يقبل التكليف إيجابا وتحريما ، فلا بدّ من صرفه إلى ترتيب الآثار المترتّبة على الحسن والصحّة ، وفي بعضها على تحريم ترتيب آثار القبح والفساد ، ويدلّ بضميمة عدم الواسطة بين الصحّة والفساد والحسن والقبح على وجوب ترتيب آثار الحسن والصحّة.

وفيه أنّ هذه الأدلّة إنّما هي مسوقة لبيان آداب المعاشرة ، فلا شهادة لها على ما نحن فيه أصلا ، فالمراد من الآية ـ والله أعلم ـ هو الأمر بمكالمة الناس بكلام حسن ليّن ولا ينافيه ما ورد في الكافي أيضا ، والمراد من الأخبار هو الحمل على الحسن

__________________

(١) قبل هذا بياض في الأصل بمقدار نصف الصفحة ، والظاهر أنّه كان من قصده قدس‌سره كتابة الموضع السابع.

(٢) راجع ص ٧٠٠

٣٩٧

بمعنى عدم ترتيب آثار القبيح ، لا مطلقا حتّى بالنسبة إلى ترتيب آثار الحسن ، وعدم الواسطة إنّما هو بين الحسن والقبيح ، لا بين حرمة ترتيب آثار القبيح ووجوب ترتيب آثار الحسن ، فيمكن أن يكون ترتيب آثار القبيح حراما ولا يجب ترتيب آثار الحسن ، ويجوز التوقّف من هذه الجهة ، كما يشهد بذلك أخبار أخر.

ومنه تظهر الخدشة في التمسّك بقوله تعالى : (اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ) بتقريب أنّ ظنّ السوء إثم وإلّا لم يكن شيء من الظنّ إثما ، ولا يمكن أن يكون الأمر بالاجتناب متوجّها إلى نفس الظنّ ، لعدم اختياريّته ، فيتعيّن صرفه إلى ترتيب آثار السوء ، وبضميمة عدم الواسطة بين حرمة ترتيب آثار السوء ووجوب ترتيب آثار الحسن يتمّ المطلوب.

وأضعف من ذلك الاستدلال بقوله تعالى : (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) وقوله تعالى : (إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ) فإنّ التمسّك بهما في المقام الذي تكون الشبهة فيه موضوعيّة تمسّك بالعام في الشبهة الموضوعيّة.

نعم الإنصاف قيام السيرة أعني سيرة العقلاء لا خصوص المسلمين على هذا الأصل في العبادات والمعاملات في الجملة ، وأنّ المحمول عليه عندهم هو الواقعيّة لا الفاعليّة بمعنى الصحّة باعتقاد الفاعل ، ألا ترى أنّهم يقتدون بالإمام ولا يتفحّصون عن صحّة قراءته ووجود سائر شرائط الصلاة فيه ، وكذلك لا يتفحّصون عن حال الصفوف الفاصلة بينهم وبين الإمام ، وكذلك لا يتفحّصون عن صيغة الطلاق الصادر عن الغير وعقد النكاح الصادر عنه وعقود المعاملات الصادرة عنه من حيث اشتمالها على الشروط المعتبرة فيها وعدمه ، مثل البلوغ والعربيّة وحضور العدلين ونحو ذلك.

نعم لمّا كان هذا الدليل لبيّا يقتصر فيه على المتيقّن ، فالمتيقّن منه صورة الجهل بحال الفاعل من حيث كونه عالما بالمسألة أو جاهلا ، وعلى تقدير العلم مخالفا لاعتقاد الجاهل أو موافقا ، وصورة العلم بكونه عالما وموافقا ، فيبقى صورة العلم

٣٩٨

بجهله ، وصورة العلم بكونه عالما ومخالفا (١) على الإشكال.

الموضع التاسع : في تقديم أصالة الصحّة في عمل نفس المكلّف وفي عمل الغير على الاستصحاب (٢) ، أمّا أصالة الصحّة في عمل نفس المكلّف وهي قاعدة الشكّ بعد المحلّ فبناء على طريقيّتها لا إشكال في تقدّمها على الاستصحاب ، لحكومتها عليه ، وأمّا بناء على أصليّته فحقّ الاستصحاب وإن كان هو التقدّم موافقا كان أم مخالفا ، لبرزخيّته بين الأصليّة والأماريّة ، لكن حيث إنّ القاعدة في الغالب مبتلى باستصحاب موافق أو مخالف في موردها مثل الاستصحابات العدميّة على خلافها والاستصحاب الوجودي على وفاقه أحيانا ، نعم قد يتّفق نادرا خلوّ المورد عن الاستصحاب رأسا كما في الشكّ في موضوع الجهر ، فإنّه ليس موضوع الحكم مطلق وجود الجهر ومطلق عدمه ، بل وجوده وعدمه في موضوع القراءة وهو غير مسبوق بالحالة السابقة ، كان العمل بالاستصحاب في جميع هذه الموارد مستلزما للغوية القاعدة ، فلو لم يعمل بالقاعدة في جميعها يدور الأمر بين ثلاثة امور لا يمكن الالتزام بشيء منها.

إمّا التخيير العملي في جميعها بين الصحّة والفساد الذي هو غير معقول ، وإمّا التخيير الاصولي في الجميع بين الأخذ بهذا الاصل والأخذ بذاك ، وهذا أيضا بلا دليل شرعي لا سبيل للعقل إلى الحكم به ؛ لأنّ مرجعه إلى تعيين حكم الشرع ولا سبيل للعقل إليه ، وإمّا تعيين هذا في بعض الموارد وتعيين ذاك في البعض الآخر ، وهذا تعيين بلا معيّن ، فيتعيّن العمل بالقاعدة في الجميع وطرح الاستصحاب.

وأمّا أصالة الصحّة في فعل الغير فلا إشكال في تقديمها على أصالة الفساد

__________________

(١) كما لو كان العربيّة شرطا في العقد عند الجاهل وغير شرط عند الفاعل ، ولكن احتمل مع ذلك إجرائه العقد بالعربيّة ، أو كان حصول الطهارة عند الجاهل متوقّفا على الغسل مرّتين وعند الفاعل كفى مرّة واحدة ، ولكن احتمل أنّه غسل الثوب النجس مثلا مرّتين ، منه عفي عنه.

(٢) راجع ص ...

٣٩٩

الموجودة معها في كلّ مقام سواء كانت بمعنى عدم ترتّب الأثر على الفعل المشكوك ، لأنّ الشكّ في ترتّب الأثر وعدمه مسبّب عن الشكّ في تماميّة الفعل وعدمها ، فإذا حكم بتماميّته فلا حكم لهذا الشكّ ، أم كانت بمعنى عدم كون الفعل بحيث يترتّب عليه الأثر لعين ما ذكر ، فإنّه ليس مفاد أصالة الصحّة إحراز التماميّة والصحّة بعنوانها ، وإنّما هو إحراز نفس الجزء أو الشرط المشكوك الذي هو المنشأ لانتزاع الصحّة والتماميّة.

نعم يبقى الكلام في الاستصحابات الموضوعيّة التي لا ينفكّ عن هذا الأصل ؛ فإنّ الشكّ في صحّة العمل لا محالة يكون من جهة الشكّ في ما يعتبر فيه من جزء أو شرط ، فاستصحاب العدم إمّا جار في نفس هذا الجزء أو الشرط ، كما في استصحاب عدم البلوغ في ما إذا شكّ في بلوغ العاقد ، وعلى فرض عدم جريانه فيه من جهة كونه مأخوذا باعتبار الوجود في المحلّ كما في عربيّة العقد ـ فإنّ استصحاب العدم غير جار فيها لو شكّ فيها ؛ فإنّ العبرة بالعربيّة المحمولة على العقد وعدمها المحمول عليه فلا عبرة بعدم العربيّة المطلقة ـ يكون جاريا في المقيّد كأصالة عدم وجود العقد العربي في هذا المال.

فنقول : أمّا في ما إذا لم يكن الأصل في نفس الجزء أو الشرط جاريا فإذا شكّ في وقوع العقد عربيّا أو فارسيّا واعتبرنا فيه العربيّة فأصالة الصحّة يقتضى كون العقد عربيّا ، فيترتّب عليه الصحّة والانتقال ، وأصالة عدم وجود العقد العربى فى هذا المال يقتضي عدم انتقاله.

فإن قلنا بأنّ مفاد الأصل الأوّل هو إحراز نفس العربيّة المشكوكة لا تطبيقها على العقد فمفادها أنّ ما صار سببا للشكّ وهو المتمّم للعقد حاصل ، لا أنّ العقد عربي ، كما أنّ مفاد أصالة الصحّة في عمل نفس المكلّف في ما إذا شكّ في الحمد مثلا بعد مضيّه أنّ الحمد قد أتي به ، لا أنّ الصلاة قد أتي بها مع الحمد ، فحينئذ لا إشكال في تقدّم الأصل الأوّل على الثاني ؛ لأنّ الشكّ في وجود العقد العربي في البين وعدمه مسبّب عن الشكّ في وجود القيد وعدمه ، ضرورة أنّ الشكّ

٤٠٠