أصول الفقه - ج ٢

آية الله الشيخ محمد علي الأراكي

أصول الفقه - ج ٢

المؤلف:

آية الله الشيخ محمد علي الأراكي


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسه در راه حق
الطبعة: ٠
الصفحات: ٧٥٢
  الجزء ١   الجزء ٢
  نسخة غير مصححة

الاصول المثبتة وإن كان راجعا إلى الفاعل كما هو الحال في الطهارة الحدثية فهو وإن كان راجعا إلى الصلاة أيضا ، لكن أمكن استصحابه ، فيقال : هذا الشخص كان في السابق غير لابس لجزء غير المأكول فالأصل بقائه على ذلك ، فكما كان صلاته مطلوبة في السابق فكذا في اللاحق.

وأمّا القول بأنّ هذا محتاج إلى إثبات أنّ صلاة هذا الشخص صلاة غير اللابس لجزء غير المأكول ، فتوهّم فاسد ، نظير توهّم أنّ استصحاب الخمريّة يحتاج إلى إثبات أنّ شرب هذا المائع شرب الخمر حتّى يحكم عليه بالحرمة ، وجه الفساد أنّه بعد استصحاب عدم التلبس في الشخص واستصحاب الخمريّة في المائع يكون من آثار نفس الشخص بلا واسطة مطلوبيّة الصلاة ، ومن آثار نفس المائع كذلك حرمة الشرب.

وأمّا ما اشتهر من إحراز أحد الجزءين بالوجدان والآخر بالأصل فمورده ما إذا كان في البين محلّ موجود على كلّ حال ، وكان الشكّ في الخصوصيّة في اللاحق مع إحرازها في السابق ، كما في الماء عند الشكّ في كريّتها في اللاحق مع إحرازها في السابق ، وأمّا إثبات أصل المحلّ بأصل وإثبات الخصوصيّة بأصل آخر ثمّ الحكم بوجود المحلّ المتخصّص من اجتماع الأصلين فليس إلّا من الأصل المثبت. وما نحن فيه من هذا القبيل ، فإنّ أحد الاستصحابين منقّح لموضوع الأربع ركعات ، والآخر لقيد عدم الزيادة ، فالحكم بسبب هذين الأصلين بوجود الأربع ركعات المتّصفة بعدم الزيادة يكون من الأصل المثبت.

وبالجملة ، فإنّ لنا في هذا المقام قاعدتين ، الاولى : عدم نقض اليقين بالشكّ ، والاخرى إحراز عدم زيادة الصلاة على أربع ركعات ، فمقتضى القاعدة الاولى أصل إتيان الركعة الأخيرة في مقابل تركها ، ومقتضى الثانية أنّه لو كان هناك طريق كان إتيان الركعة بهذا الطريق مفيدا للقطع بعدم الزيادة بعين هذا الطريق ، سواء كان هذا الطريق معلوما من عند أنفسنا أم من قبل بيان الشرع ، وقد بيّن الشارع هذا الطريق لنا بقوله عليه‌السلام : «ألا اعلّمك شيئا إذا صنعته ثمّ ذكرت أنّك نقصت أو أتممت لم يكن عليك شيء».

٣٠١

وحينئذ فلا تتعرّض الرواية لإثبات شيء بقاعدة عدم النقض إلّا لأصل إتيان الركعة في مقابل تركها ، وأمّا كيفيّة الإتيان فموكولة على قاعدته من الإتيان بها منفصلة لقاعدة إحراز عدم الزيادة ، فيكون الإتيان بالركعة منفصلة قضيّة الجمع بين القاعدتين.

ومنها موثقة عمّار (١) عن أبي الحسن عليه‌السلام «قال : إذا شككت فابن على اليقين ، قلت : هذا أصل؟ قال : نعم» وهذه الرواية استدلّوا بها في باب الشكوك المتعلّقة بركعات الصلاة ، ولهذا قد يقال بعدم كونه دليلا على التعميم ، وليس في الرواية سؤالا وجوابا ما يشعر بالاختصاص ، وحينئذ فإن بنينا على استفادة الكليّة منها وأنّ مجرّد استدلال العلماء بها في الباب المذكور لا يجعلها خاصا ففيها ثلاثة احتمالات يبتني الاستدلال بها على أظهريّة ما ينطبق منها على الاستصحاب.

فنقول : المراد باليقين ليس مفهومه ، بل هو باعتبار الوجود الخارجي ، وهو بهذا الاعتبار لا بدّ له من زمان ، فإمّا أن يعتبر في الزمان الماضي أو المستقبل أو الحال.

فعلى الأوّل يكون المعنى : إذا شككت وكان لك يقين سابق على الشكّ فابن على يقينك السابق ، وهذا منطبق على قاعدة اليقين.

وعلى الثاني يكون المعنى : إذا شككت فاختر جانب اليقين ولا تمض أمرك بالشك ، بل اجعل مبناه على اليقين ، وهذا دليل على وجوب الاحتياط المحصّل لليقين بالبراءة.

وعلى الثالث يكون المعنى : إذا شككت فابن على يقينك الموجود فعلا ، وهذا أظهر الاحتمالات وهو منطبق على الاستصحاب كما هو واضح ، وجه الأظهريّة أنّ البناء على اليقين الموجود في السابق المعدوم في الحال ، أو على اليقين الذي سيحصل بعد ذلك خلاف الظاهر من «ابن على اليقين» والمناسب للأوّل أن يقال : ابن على اليقين السابق ، وللثاني أن يقال : حصّل اليقين ، فإذا قيل : ابن على اليقين ،

__________________

(١) راجع ص ٥١٠

٣٠٢

كان ظاهرا في اليقين الموجود حال البناء ، هذا بناء على استفادة الكليّة من الرواية.

وأمّا إن بنينا على عدم استفادتها منها وأنّ ذكر العلماء لها في باب ركعات الصلاة ـ مع عدم قولهم بحجيّة الاستصحاب من طريق الأخبار ـ موجب لاحتمال كون الرواية محتفّة بما يفيد اختصاصها بذاك الباب ، وبذلك يبطل الاستدلال بها على التعميم ، فحينئذ يجيء فيها ما تقدّم في سابقتها من التوجيهات الثلاثة بعينها ؛ فإنّه بعد عدم كون الأخذ باليقين الفعلي في ركعات الصلاة مرضيّا عند علماء الخاصّة يدور الأمر بين الحمل إمّا على التقيّة أو على ما ذكره شيخنا المرتضى من قاعدة الاحتياط ، أو على ما ذكرنا من الاستصحاب بالنسبة إلى أصل إتيان الركعة المشكوكة دون كيفيّتها.

ومنها ما عن الخصال (١) بسنده عن محمّد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه الصلاة والسلام «قال : قال امير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه : من كان على يقين فشكّ فليمض على يقينه ، فإنّ الشكّ لا ينقض اليقين» وفي رواية اخرى عنه عليه‌السلام : «من كان على يقين فأصابه شكّ فليمض على يقينه ، فإنّ اليقين لا يدفع بالشكّ».

وقد قيل : إنّ سند الرواية ضعيف بالقاسم بن يحيى لتضعيف ابن الغضائري إيّاه ، وتضعيفه وإن كان غير قادح من جهة كثرة وروده في الرواة ، إلّا أنّ عدم قدحه غير مثمر من جهة عدم ورود مدح وتوثيق أيضا ، فتكون الرواية داخلة في رواية مجهول الحال.

والحقّ أنّ الرواية موثّقة ، فإنّه قد روى عن القاسم المذكور من الأجلّاء أحمد بن محمّد بن عيسى وأحمد بن أبي عبد الله ، هذا بحسب السند.

وأمّا بحسب الدلالة فقد يشكل في الاستدلال بالرواية للمقام بأنّها ناظرة إلى قاعدة اليقين ، بتقريب أنّ من المسلّم اتحاد المتعلّق في اليقين والشكّ ، لوضوح

__________________

(١) راجع ص ٥١٠

٣٠٣

عدم شمول قوله عليه‌السلام : من كان على يقين فشكّ فليمض على يقينه ، لمن تيقّن بعدالة زيد فشكّ في عدالة بكر ، فلا يقال له : امض على يقينك بعدالة زيد ، هذا بحسب أصل المتعلّق.

وأمّا بحسب الزمان فظاهر الرواية الاتّحاد فيه أيضا ، فإنّ من تيقّن بعدالة زيد يوم الجمعة ثمّ شكّ في يوم السبت في عدالته في يوم السبت مع اليقين بعدالته يوم الجمعة لا يكون شكّه متعلّقا بعين ما تعلّق به يقينه بالدقّة العقليّة ، وظاهر الرواية كون الشك متعلّقا بعين متعلّق اليقين ، وعدم المغايرة بين متعلّقيهما أصلا ، وهذا لا يتحقّق إلّا مع الاتّحاد الزماني أيضا ، كأن يكون كلّ من اليقين والشكّ متعلّقا بعدالة زيد يوم الجمعة.

ثمّ صريح الرواية اختلاف زمان اليقين والشكّ لمكان «الفاء» في قوله عليه‌السلام : «فشكّ» الدالة على تأخير الشكّ عن اليقين زمانا ، فهذا كلّه معيّن لكون الرواية منطبقة على قاعدة اليقين دون الاستصحاب ؛ إذ يعتبر في الاستصحاب تعدّد متعلّق اليقين والشكّ زمانا وفعليّة اليقين في حال الشكّ.

أقول : هذا تامّ لو لا إجراء قوله عليه‌السلام : لا تنقض اليقين بالشكّ ، في الصحاح المتقدّمة في مورد الاستصحاب ؛ فإنّ هذا مع ضميمة استحالة الجمع بين القاعدة والاستصحاب في عبارة واحدة ـ كما سيجيء إن شاء الله تعالى ـ قرينة معيّنة لكون المراد بقوله في هذه الرواية : الشكّ لا ينقض اليقين ، هو مضمون الاستصحاب.

فإن قلت : فقد احتجت في دلالة هذه الرواية إلى التشبّث بذيل تلك الصحاح ، وهذا ينافي جعلها دليلا مستقلّا ؛ إذ مع عدم تماميّة دلالة الصحاح لا دلالة لهذه كما هو واضح ، ومع تماميّة دلالة الصحاح كانت هي الدليل دون هذه الرواية ، فذكرها دليلا على حدة في قبال الصحاح ممّا لا وجه له.

قلت : نعم لو كان استفادة الكليّة من تلك الصحاح في غاية الوضوح وقد عرفت أنّ الأمر على خلاف ذلك ، وهذا بخلاف الحال في هذه الرواية ، فإنّ

٣٠٤

استفادة الكلّية منها في غاية الوضوح ، والحاصل أنّه لو اورد الخدشة في استفادة الكليّة من تلك الصحاح من جهة احتمال اختصاصها بباب الوضوء أو الطهارة الخبثيّة أو الصلاة ، كانت هذه الرواية دليلا على الكليّة ، مع استفادة أصل المضمون من تلك الصحاح ، فيصحّ عدّ الرواية دليلا مستقلّا ؛ إذ مع قطع النظر عن دلالة الصحاح تكون دليلا بالنسبة إلى الكليّة وإن كان الأمر على خلاف ذلك بالنسبة إلى أصل المضمون.

بقي الكلام في إمكان الجمع بين القاعدة والاستصحاب في عبارة واحدة وعدم إمكانه ، فعلى الأوّل يحمل عدم نقض اليقين بالشكّ على المعنى الأعمّ منهما حفظا لظهور هذه الرواية مع تلك الصحاح ، وعلى الثاني يكون إجراء عدم النقض في الصحاح في مورد الاستصحاب دليلا على إرادة هذا المضمون في هذه الرواية.

فنقول : غاية ما يمكن أن يقال في تقريب الإمكان : أنّا نفرض شخصين أحدهما تيقّن بعدالة زيد يوم الجمعة ، ثمّ شكّ في يوم السبت في عدالته في يوم الجمعة ، والآخر تيقّن بعدالة زيد يوم الجمعة ثمّ شكّ في يوم السبت في عدالته في يوم السبت ، فيصحّ أن يقال : إنّ هذين الشخصين كانا على يقين بأصل عدالة زيد في الزمان السابق ، ثمّ حدث لهما الشكّ في هذا المعنى أعني أصل عدالة زيد في اللاحق ؛ فإنّ الشخص الثاني أيضا لا شكّ في أنّه تعلّق كلّ من يقينه وشكّه بأصل العدالة.

فحينئذ يمكن توجيه الخطاب إلى هذين الشخصين بإيجاب الأخذ بيقينهما وعدم نقضهما لليقينين بالشكّين ، غاية الأمر أنّ مصداق النقض في حقّ كلّ منهما غيره في حقّ الآخر ، فمصداقه في حقّ الشخص الأوّل الذي شكّ في العدالة الكائنة يوم الجمعة هو رفع اليد عن عدالة زيد يوم الجمعة ؛ لأنّها متعلّق الشكّ بالنسبة إليه ومصداقه في حق الثانى الذى شكّ في العدالة الكائنة في يوم السبت هو رفع اليد عن عدالة زيد يوم السبت ؛ لانّها متعلّق الشكّ بالنسبة إليه ، دون العدالة في يوم الجمعة.

٣٠٥

وبعبارة اخرى : أنّ الأوّل قد تعلّق شكّه بأصل العدالة حدوثا ، والثاني قد تعلّق شكّه بأصل العدالة بقاء ، وأوجب الشارع على كلّ منهما عدم الاعتناء بشكّه ، فمعنى عدم الاعتناء بالشكّ في الحدوث هو البناء على حدوث العدالة ، ومعنى عدم الاعتناء بالشكّ في البقاء هو البناء على بقاء العدالة.

والحاصل أنّا نقول بأنّ المتكلّم بقضيّة من تيقّن بشيء فشكّ فيه لا يلاحظ الوقوع في زمان من الأزمنة في متعلّق اليقين والشكّ ، بل يجعل المتعلّق مهملا عن الوجودات في الأزمان ، فمعنى الكلام أنّه إذا حصل يقين ثمّ شكّ وكان لكلّ منهما تعلّق بالعدالة مثلا وجب المضيّ على اليقين ، فيدخل في عموم الكلام صورة حصول اليقين بالعدالة في يوم الجمعة ، والشكّ بعده في العدالة في يوم الجمعة أيضا ، وهذا شكّ في الحدوث ، وصورة حصول اليقين بالعدالة في يوم الجمعة وحصول الشكّ بعده في العدالة في يوم السبت ، وهذا شكّ في البقاء ، وذلك لأنّ الشكّ في بقاء العدالة شكّ في العدالة ، فيصحّ أن يقال : إنّ هنا يقينا وشكّا ، ولكلّ منهما تعلّق بالعدالة ، وحينئذ فمعنى المضيّ في صورة الشكّ في الحدوث بمعنى الشكّ في العدالة في يوم الجمعة هو الحكم بالحدوث ، وفي صورة الشكّ في البقاء بمعنى الشكّ في العدالة في يوم الشكّ هو الحكم بالبقاء.

ومن هنا يظهر اندفاع ما ذكره شيخنا المرتضى قدس‌سره في تقريب عدم الجواز ، وحاصله أنّه لا بدّ من ملاحظة الوقوع في زمان من الأزمنة في متعلّق اليقين والشكّ ، وحينئذ فإمّا أن يعتبر ذلك قيدا في متعلّق اليقين ، فحيث إنّه لا بدّ من اتّحاد متعلّق اليقين والشكّ ، يكون الشكّ لا محالة متعلّقا بالمقيّد بعين الزمان الذي تعلّق اليقين بالمقيّد به ، فإذا قيل : من تيقّن بالعدالة الواقعة في يوم الجمعة بوصف كونها واقعة في يوم الجمعة فشكّ فيها ، فمعنى قوله : فشكّ فيها حصول الشكّ في العدالة الواقعة في يوم الجمعة ، فهذا يتمحّض لقاعدة اليقين.

وإمّا أن يعتبر الوقوع في زمان من الأزمنة في طرف اليقين ظرفا ، وحينئذ فإن اعتبر ظرف المشكوك أيضا هذا الزمان كان متمحّضا لقاعدة اليقين ، وإن اعتبر

٣٠٦

زمان آخر كان متمحّضا للاستصحاب ، وحيث إنّ المفروض في القضيّة اختلاف زمان اليقين والشكّ كانت متمحّضة للاستصحاب ، فإذا قيل : من تيقّن بمطلق العدالة في يوم الجمعة فشكّ فيها ، فمعنى قوله : فشكّ فيها ، حصول الشكّ في مطلق العدالة في ما بعد الجمعة ، بمعنى كون الشكّ في البقاء ، فيكون متمحّضا للاستصحاب ، ومن المعلوم عدم إمكان الجمع بين هذين اللحاظين في شيء من اليقين والشك.

وجه الاندفاع أنّا نقول بأنّ الوقوع في زمان من الأزمنة غير ملحوظ أصلا لا قيدا ولا ظرفا ، ويكون المتعلّق مهملا عن الوجود في الزمان الأوّل والثاني والثالث وهكذا ، هذا.

والحقّ عدم تماميّة ما ذكرنا أيضا ، بيانه يتوقّف على مقدّمة ، وهي أنّه إذا تعلّق نفي أو نهي بالطبيعة المهملة التي هي المقسم بين الوجودات فلازم ما هو معنى النفي والنهي ومدخولهما بحسب اللغة هو استغراق جميع الأفراد واستيعابها ، ولا ندور في الحكم بالاستيعاب وعدم الحكم مدار إحراز مقدّمات الحكم في المدخول وعدمه ، فإن كان محرزا أنّ المتكلّم أراد المطلق من المدخول حكم بالاستيعاب ، وإلّا لم يحكم ، لاحتمال أن يكون المراد قسما خاصّا منه ، ويكون النفي والنهي بملاحظته ، كما ذكر ذلك بعض الأساتيدقدس‌سره.

فنقول : حال الشكّ حال النفي والنهي في أنّه إذا تعلّق بالطبيعة المهملة وما هو المقسم في ما بين الوجودات فلا بدّ أن يكون جميع أنحاء الوجود لهذه المهملة واقعة تحت الشكّ ، وذلك لأنّ الشكّ ذو طرفين ؛ لأنّ معناه عدم العلم بالوجود وعدم العلم بالعدم ، فمعنى مشكوكيّة المهملة عدم معلوميّة وجود المهملة ، وعدم معلوميّة عدمها ، ومعنى عدم معلوميّة وجود المهملة أن تكون بجميع أنحاء وجودها غير معلومة ، وإلّا فإن كان نحو خاصّ من وجودها معلوما وكان سائر الأنحاء غير معلوم فالمشكوك سائر الأنحاء ، ولا يصدق أنّه المهملة ؛ أو النحو الخاص المعلوم وجود المهملة أيضا.

٣٠٧

إذا تمهّد ذلك فنقول : إنّ الاحتمالات المتصوّرة في قضيّة من تيقّن بشيء فشكّ ثلاثة لا رابع لها.

الأوّل : أن يلاحظ الوقوع في زمان من الأزمنة قيدا في متعلّق اليقين والشكّ ، وهذا منطبق على قاعدة اليقين.

والثاني : أن يلاحظ ذلك ظرفا فيهما ، وهذا منطبق على الاستصحاب.

والثالث : أن يجرّد النظر عن الوقوع في زمان من الأزمنة ويجعل متعلّق اليقين والشكّ مهملا عن الوجودات في الأزمان ، وهذا منطبق على قاعدة اليقين ؛ لأنّ معنى تعلّق الشكّ بالعدالة بالمعنى الذي هو المقسم بين الوجودات في الأزمان سراية الشكّ إلى كلّ وجود في كلّ زمان كما هو المتحقّق في قاعدة اليقين ، وأمّا لو كان وجود خاص كالوجود في الزمان الأوّل معلوما وكان الشكّ في الوجودات المتأخّرة كما هو المتحقّق في الاستصحاب فلا يصدق أنّه تعلّق الشكّ بالعدالة كما عرفت.

فتبيّن ممّا ذكرنا أنّ الجمع بين القاعدة والاستصحاب في الرواية غير ممكن ، وحينئذ فحيث علمنا ورود العبارة المذكور في سائر الروايات في مورد الاستصحاب أعني ما إذا كان الشكّ في البقاء ، تعيّن حملها في هذه الرواية أيضا على الاستصحاب بحملها على الاحتمال الثاني من ملاحظة الزمان في كلّ من اليقين والشكّ ظرفا.

ومنها مكاتبة على بن محمّد القاساني «قال : كتبت إليه وأنا بالمدينة عن اليوم الذي يشكّ فيه من رمضان ، هل يصام أو لا؟ فكتب عليه‌السلام : اليقين لا يدخله الشكّ ، صم للرؤية وأفطر للرؤية».

وقوله عليه‌السلام : اليقين لا يدخله الشك ، قضيّة عامّة مفادها أنّ جنس اليقين لا يدخله الشك ، والمراد به الاستصحاب بقرينة تفريع قوله : صم للرؤية الخ ، عليه ، فإنّه إنّما يصحّ إذا كان المراد أنّ اليقين بعدم دخول شهر رمضان لا يدخله الشكّ في دخوله ، واليقين بعدم دخول شوّال لا يدخله الشك في دخوله ، ولو كان المراد

٣٠٨

العمل بالاحتياط والأخذ بجانب اليقين وعدم الاكتفاء بالعمل المشكوك لما صحّ هذا التفريع كما هو واضح.

ومن هنا يظهر أنّ المراد بنظير هذا ، العبارة الواردة في الصحيحة الثالثة لزرارة أيضا هو الاستصحاب ، دون ما ذكره شيخنا المرتضى من قاعدة الاحتياط ، هذا ما استدلّ به في المقام من الروايات العامّة.

وربّما يؤيّد المقام بالروايات الواردة في الموارد الخاصّة.

مثل رواية عبد الله بن سنان الواردة في من يعير ثوبه الذميّ وهو يعلم أنّه يشرب الخمر ويأكل لحم الخنزير ، «قال : فهل عليّ أن أغسله؟ قال عليه‌السلام : لا ؛ لأنّك اعرته إيّاه وهو طاهر ولم تستيقن أنّه نجّسه».

وهذه الرواية صريحة في الاستصحاب ؛ لأنّه عليه‌السلام جعل الحكم بالطهارة معلّلا بسبق الطهارة وعدم اليقين بعروض النجاسة ، ومن المعلوم أنّ الحكم في قاعدة الطهارة معلّل بالشكّ الفعلي مع قطع النظر عن اليقين السابق ، ولكن لا تصلح هذه الرواية دليلا إلّا على حجيّة الاستصحاب في خصوص باب الطهارة ، ويمكن إتمام الكلام في سائر الأبواب بعدم القول بالفصل.

ومثل موثّقة عمّار «كلّ شيء طاهر حتّى تعلم أنّه قذر» (١) وهذه الرواية على احتمال تكون دليلا على حجيّة الاستصحاب في خصوص باب الطهارة ، وعلى آخر دليلا على قاعدة اخرى أجنبيّة عن الاستصحاب وهي قاعدة الطهارة ، وذلك لأنّه يحتمل أن يكون المراد بقوله عليه‌السلام : «طاهر» كما هو الظاهر الحكم بأصل ثبوت الطهارة في كلّ شيء ظاهرا ، وما دام مشكوكا ، فحصول العلم بالقذارة غاية لهذا الحكم الظاهري ، والمعنى أنّ كلّ شيء محكوم في الظاهر بالطهارة إلى أن يعلم القذارة ، فإذا علم القذارة انقطع هذا الحكم الظاهري.

ويحتمل على بعد أن يكون المراد بقوله عليه‌السلام : (طاهر» هو الحكم ظاهرا

__________________

(١) راجع ص ٥١١

٣٠٩

باستمرار الطهارة في خصوص الأشياء التى ثبت أصل الطهارة فيها في زمان وكان مفروغا عنه، والمعنى أنّ كلّ شيء ثبت أصل الطهارة فيه في زمان فطهارته محكومة في الظاهر بالامتداد إلى حصول العلم بالقذارة ، فالغاية غاية لنفس الطهارة لا للحكم الظاهري ، فعلى الأوّل يكون مفاد الرواية قاعدة الطهارة وعلى الثاني استصحابها.

ويجري في هذه الرواية أيضا الكلام في إمكان الجمع بين قاعدة الطهارة واستصحابها وعدمه ، نظير ما جرى في الرواية من البحث في إمكان الجمع بين قاعدة اليقين والاستصحاب وعدمه ، وحيث وقع ذلك هنا محلّا للنقض والإبرام والتشاجر بين الأعلام ، فلا بأس ببسط الكلام.

فنقول : ذهب شيخنا المرتضى قدس‌سره إلى عدم إمكان الجمع ، لما هو واضح من أنّه لا بدّ في قاعدة الطهارة من ملاحظة أصل ثبوت الطهارة غير مفروغ عنه حتّى يصحّ الحكم بأصل ثبوتها ، وفي الاستصحاب من ملاحظة أصل ثبوتها مفروغا عنه حتّى يحكم باستمرار الثبوت ، والجمع بين ملاحظته مفروغا عنه وملاحظته غير مفروغ عنه في استعمال واحد غير ممكن.

واعترض بذلك على صاحب الفصول قدس‌سره حيث إنّه جوّز الجمع بين القاعدتين ، فقال ما حاصله أنّه يستفاد من الرواية شيئان ، الأوّل أنّ مشكوك الطهارة والنجاسة طاهر ، والثاني أنّ ما ثبت طهارته في زمان يستمرّ طهارته إلى أن يعلم القذارة.

وقد انتصر بعض الأساتيد قدس‌سره في الحاشية لصاحب الفصول ، ومجمل ما ذكره قدس‌سره بطوله في تقريب الجواز أنّه إنّما لم يمكن الجمع لو اريد من كلمة «طاهر» الحكم بأصل ثبوت الطهارة والحكم باستمرارها مع الفراغ عن أصل الثبوت ، أو اريد من الغاية كونها غاية لأصل الثبوت وغاية للاستمرار في مورد الفراغ عن أصل الثبوت ، ونحن لا نقول بشيء من هذين ، بل نقول : إنّ القاعدة مستفادة من كلمة «طاهر» والاستصحاب مستفاد من الغاية ، فالكلام بمنزلة

٣١٠

قضيّتين ، إحداهما أنّ الأشياء كلّها طاهرة ، والثانية أنّ الأشياء الطاهرة تبقى طهارتها إلى زمان العلم بالقذارة.

توضيح ذلك أنّ قوله عليه‌السلام : «كلّ شيء طاهر يدلّ بعمومه على أنّ الأشياء بعناوينها الأوّليّة كالماء والتراب وغيرهما طاهرة واقعا ، فيكون دليلا اجتهاديّا ، وبإطلاقه لحالات الشيء التي منها حالة كونه مشتبه الطهارة إمّا من جهة كونه مشتبه الحكم أو مشتبه الموضوع يدلّ على قاعدة الطهارة ، فإذا كان هناك ماء وفضلة خفّاش ومائع مردّد بين الماء والبول فالرواية تدلّ عموما وإطلاقا على طهارة الجميع.

وإن أبيت إلّا عن عدم كون الشبهة من حالات الشيء المندرجة تحت الإطلاق وأنّها من حالات المكلّف وإن كان لها إضافة إلى الشيء أيضا فنقول : المشكوكيّة بالشبهة الحكميّة أو الموضوعيّة لازمة لبعض الأشياء غير منفكّة عنه أبدا مثل فضلة الخفاش ، وهذا الشيء الملازم للمشكوكيّة داخل في عموم كلّ شيء ، فإذا تمّ دلالة الرواية بالعموم على طهارة هذا المشكوك يتمّ المطلوب في سائر المشكوكات بعدم القول بالفصل.

ولا ضير في كون مفاد الرواية حكما واقعيّا في بعض الأفراد وظاهريّا في آخر ، فإنّا لا نعني بالحكم الواقعي إلّا ما كان متعلّقا بالشيء بالعنوان الأوّلي ، وبالظاهري إلّا ما كان متعلّقا بالشيء بعنوان كونه مشكوك الحكم ، فإذا تعلّق الطهارة بالمعنى الواحد بعنوان جامع لكلا هذين الصنفين وهو «كلّ شيء» فلازم ذلك اختلاف الطهارة في الظاهرية والواقعيّة باختلاف المحالّ.

فقد تبيّن أنّ صدر الرواية مع قطع النظر عن الذيل يكون دليلا اجتهاديّا ودليلا على قاعدة الطهارة في الشبهة الحكميّة وفي الشبهة الموضوعيّة.

وأمّا الاستصحاب فهو مستفاد من الذيل وهو قوله عليه‌السلام : حتّى تعلم أنّه قذر ، وذلك لأنّ الغاية تدلّ بنفسها على استمرار المحمول إلى زمان حصولها من دون حاجة إلى إرادة الاستمرار من المحمول ، غاية الأمر أنّها إن كانت غاية لبيّة كما في قولك : كلّ شيء طاهر حتى يلاقي النجس ، يكون دليلا اجتهاديّا على

٣١١

الاستمرار الواقعي ، وان كانت غاية تعبّديّة بأن كانت هو العلم بانتفاء المحمول يكون دليلا على الاستمرار التعبّدى عند الشكّ في الاستمرار والبقاء ، وحينئذ فقوله عليه‌السلام : حتّى تعلم أنّه قذر يدلّ على أنّ الأشياء الطاهرة يدوم طهارتها تعبّدا إلى أن يعلم انتفاء الطهارة ، ولا نعني بالاستصحاب إلّا ذلك ... (١)

ويرد على ما ذكره قدس‌سره في الذيل أنّ أركان الاستصحاب امور ثلاثة ، الأوّل وجود المتيقّن السابق ، والثاني الشكّ فيه في الزمان المتأخّر ، والثالث وهو المحمول في باب الاستصحاب الحكم ببقاء ما كان في زمان الشكّ الذي هو الزمان المتأخّر ، فاستفادة الاستصحاب من الرواية يتوقّف على استفادة هذه الامور منها.

فنقول : أمّا المتيقّن السابق فيمكن استفادته من صدر الرواية المفيد لطهارة الأشياء واقعا ، وأمّا الأمران الآخران فيتوقّف استفادتهما من الرواية حينئذ على الالتزام بأنّ الغاية غير مرتبطة بمحمول الرواية وهو قوله عليه‌السلام : «طاهر» ، وأنّ هنا موضوعا ومحمولا آخرين مطويّين في الكلام تكون الغاية مرتبطة بهما ، والتقدير أنّه إذا شككت في بقاء طهارة الأشياء فهي محكومة بالبقاء ، لكنّ الالتزام بهذا إخراج للكلام عن قانون المحاورة وخلاف ما اعترف به هو أيضا.

وأمّا إن جعلنا الغاية لنفس المحمول في الرواية ، فيلزم كون المحمول محدودا بزمان الشكّ؛ فإنّ قضيّة كلّ غاية جعل المحمول السابق عليها محدودا بضدّها ، مثلا قولنا : كلّ شيء طاهر إلى أن يلاقي النجس ، معناه كلّ شيء طاهر في زمان عدم ملاقاة النجس ، فكذلك معنى قوله عليه‌السلام : كلّ شيء طاهر حتى تعلم أنّه قذر ، أنّ كلّ شيء طاهر في زمان الشكّ.

والحاصل أنّ مفاد الغاية حينئذ أنّ أصل ثبوت الطهارة الذي أفاده قوله عليه‌السلام : «طاهر» يكون من أوّل زمان الشكّ إلى انتهائه الحاصل بالعلم بالقذارة ، و

__________________

(١) هنا في الأصل بياض بمقدار نصف الصفحة تقريبا.

٣١٢

على هذا يكون مفاد صدر الرواية هو الحكم الظاهري ؛ لأنّه المغيّا بغاية العلم بالخلاف ، وأمّا الواقعي فليس مغيّا بذلك ، بل بأمر آخر لبيّ.

وحينئذ وإن كان نفس الحكم بالاستمرار مستفادا من كلمة «حتّى» وكونه حكما في زمان الشكّ مستفادا من كلمة «تعلم» ولكن ليس في البين متيقّن سابق ؛ لأنّه قد صار المتحصّل من مجموع الصدر والذيل هو الحكم بالطهارة الظاهرية الاستمراريّة ، وليس كلّ استمرار ظاهري من باب الاستصحاب ، فإنّ استمرار الحكم في قاعدة الطهارة باستمرار الشكّ يكون من باب استمرار الحكم باستمرار موضوعه لا من باب الاستصحاب قطعا.

نعم يمكن جعل الطهارة الظاهرية المستفادة من الصدر حينئذ متيقّنا سابقا ، لكن لا لهذا الشكّ ، بل لشكّ آخر وهو الشكّ في أنّ حكم الشارع بالطهارة الظاهرية في المشكوك هل هو باق أو نسخ ، فلو حكم في موضوع هذا الشكّ بالطهارة كأن قيل : وإذا شككت في ذلك فكلّ شيء طاهر حتى تعلم النسخ ، كان مفيدا للاستصحاب ، ولكن مع أنّ الغاية لهذا الحكم هو العلم بالنسخ دون القذارة ، لا يمكن إرادته من كلمة «طاهر» في الرواية ؛ لأنّه مستلزم لكون الحكم ناظرا إلى الشكّ في نفسه ومتكفّلا لحكم آخر يكون الحكم الأوّل موضوعا له.

فتحصّل أنّا لو جعلنا الصدر حكما ظاهريا كانت الغاية مناسبة لهذا المغيّا ، ولكن ليس فى البين متيقّن سابق ، ولو جعلناه حكما واقعيّا كان هو المتيقّن السابق ، ولكن لم يناسب الغاية للمغيّا ، والمناسب لها موضوع آخر هو الشكّ فى بقاء طهارة الأشياء ، ومحمول آخر هو الحكم ببقاء طهارتها ، هذا.

وحيث إنّ من الواضح أنّ الغاية لنفس هذا المغيّا فمفاد المغيّا حكم ظاهري والرواية بصددها ، وذيلها بمنزلة قولنا : كلّ شيء مشكوك طاهر ، ولا يستفاد منها سوى قاعدة الطهارة.

٣١٣

الأمر الثالث : في الاستصحاب الكلّى (١)

من جملة أقسام الاستصحاب ما كان المستصحب فيه كليّا ، وهذا القسم له ثلاثة أقسام.

الأوّل : أن يكون الشكّ في الكلّي منشائه الشكّ في بقاء الفرد ، كما لو كان الزيد موجودا في الدار فشكّ في بقائه فيها فشكّ في بقاء الانسان من جهته.

الثاني : أن يكون الشكّ في بقاء الكلّي منشائه تردّد الفرد الموجود بين القصير والطويل وانقضاء الزمان الذي بعده يزول الفرد القصير ، كما لو كان الموجود في الدار مردّدا بين البقّ والفيل ومضى الزمان الذي يبقى البقّ بمقداره فيشكّ في بقاء الحيوان لذلك.

والثالث : أن يكون الشكّ في الكلّي منشائه الشكّ في وجود فرد آخر مع الفرد المتيقّن أوّلا أو مقارنا لارتفاعه ، كما لو كان الزيد موجودا في الدار فعلم بخروجه منها واحتمل وجود عمر ومعه من الأوّل أو دخوله مقارنا لخروجه فيشكّ في عدم خلوّ الدار عن الإنسان من جهة ذلك.

أمّا القسم الأوّل فلا إشكال في تحقّق الشكّ في بقاء الكلّي بواسطة الشكّ في بقاء الفرد ، كما أنّه يتحقّق القطع بحدوث الكلّي بواسطة القطع بحدوث الفرد ، وحينئذ فلا إشكال في استصحاب الكلّي لو كان هناك أثر مترتّب على الكلّي ، فلو كان أثر وجود الإنسان في الدار وجوب صلاة ركعتين فلا مانع من استصحاب الإنسان عند الشكّ في بقائه بواسطة الشكّ في بقاء زيد بملاحظة هذا الأثر.

__________________

(١) راجع ص ٥٢٦

٣١٤

وهل يكتفي بهذا الاستصحاب في ترتيب الأثر المترتّب على الخصوصيّة؟ فلو كان لخصوص وجود زيد في الدار أثر كوجوب التصدّق بدرهم ، فهل يكتفي باستصحاب الانسان لترتيب هذا الأثر ، أو لا بدّ في ترتيبه من استصحاب آخر في نفس الجزئي؟ الحقّ هو الثاني ، ووجهه أنّه وإن كان بقاء الكلّي في الواقع لا يمكن إلّا مع بقاء الفرد الخاصّ لمكان الاتحاد بينهما في الخارج بحسب الفرض ، فلا يمكن الانفكاك بينهما في الخارج ، ولكنّ التفكيك بينهما بحسب التعبّد ممكن ، فلا ملازمة بين التعبّد بآثار الإنسان وبين التعبّد بآثار الزيد ، فالأصل الدالّ على الأوّل لا يدلّ على الثاني. إلّا بالأصل المثبت ، فلا بدّ في ترتيب أثر الجزئي من استصحاب آخر في نفس الجزئى وهل يكتفى بهذا الاستصحاب في ترتيب الأثر المترتّب على الكلّي؟ التحقيق أنّ هنا صورتين.

الاولى : أنّ ترتّب الأثر على الكلّي على وجه الاستغراق لتمام وجوداته الخاصّة بحيث كان الأثر غير منفكّ عن شيء من وجوداته ، وذلك كقولنا : اكرم العالم فإنّ معناه أن وجوب الإكرام لا ينفكّ عن شىء من وجودات العالم ، ففي هذه الصورة يكتفى باستصحاب الخاص لترتيب الأثر المترتّب على الكلّي ، ووجهه أنّ وجود الخاص حينئذ ذو أثرين ، أحدهما حاصل من ناحية نفس الخاص ، والآخر من ناحية الكلّي ، فالزيد مثلا ثبت له حكمان ، أحدهما من جهة أنّه زيد ، والآخر من جهة أنّه عالم ، فاستصحاب وجوده كاف لإثبات كلا أثريه.

ومن هنا شاع استصحاب وجود الزيد مثلا لترتيب أحكام الزوجية مع أنّه لم يرتّب هذه الأحكام في دليل من الأدلّة على عنوان الزيد ، بل على عنوان الزوج.

الصورة الثانية أنّ ترتّب الأثر على الكلّي بلحاظ صرف الوجود الغير القابل للوحدة والتعدّد ، كما لو كان الأثر لوجود الإنسان بالمعنى الذي لا يتفاوت فيه القليل والكثير والزيد والعمرو والبكر وغيرهم ، ففي هذه الصورة لا يكتفى باستصحاب الخاص لترتيب أثر الكلّي، وجهه أنّه وإن كان بقاء الجزئي في الخارج ملازما لبقاء الكلّي فيه ، ولكن حيث إنّهما ينحلّان في ظرف التحليل إلى

٣١٥

أمرين متغايرين ، وفي هذه الملاحظة يقع الكلّي محلّا للعرض فلا وجه لسراية عرضه هذا إلى الجزئي ، بل يصحّ سلب الأثر عن الجزئي فيقال : إنّ الأثر لوجود الإنسان لا للزيد والعمرو والبكر.

والفرق بين هذه الصورة والصورة الاولى أنّ الكلّي في الصورة الاولى عبرة للوجودات الخاصّة ، فالوجودات الخاصّة ملحوظة إجمالا وتكون هي الموضوع للأثر في الحقيقة ، والكلّي جهة تعليليّة ، وأمّا في الصورة الثانية فالكلّي ملحوظ على وجه الاستقلال بحيث يمكن أن تكون الوجودات الخاصّة مغفولا عنها بالمرّة ، وغير ملتفت إليها رأسا ، وهذا المعنى قد ينطبق على الزيد دون غيره ، وقد ينطبق على العمر ودون غيره ، وقد ينطبق على غيرهما ، وقد ينطبق على القليل ، وقد ينطبق على الكثير ، فكيف يكون الأثر المترتّب على هذا المعنى مضافا إلى الزيد مثلا؟ وهذا بخلاف الحال في الصورة الاولى ؛ فإنّ كلّ مصداق لوجود الكلّي اشير إليه يكون ملحوظا اجمالا ، فيكون واجدا لأثر من جهة إضافته إلى الكلّي ، ولأثر آخر من جهة إضافته إلى الفرد.

وأمّا القسم الثاني فالاستصحاب الكلّي فيه صورتان.

الاولى : أن يكون الشكّ في بقاء الكلّي من جهة الشكّ في المقتضي ، والثاني : أن يكون من جهة الشكّ في الرافع ، فالأوّل كالمثال المعروف من تردّد الحيوان الموجود في الدار بين البقّ والفيل ومضى زمان ينقضي اعداد عمر البقّ بمضيّه ؛ فإنّ الشكّ في بقاء أصل الحيوان بعد القطع بحدوثه يكون ناشئا من الشكّ في أنّ المقتضي لوجود أصل الحيوان هل يكون له استعداد البقاء إلى هذه الحال أولا؟.

والثاني كما لو خرج من المتطهّر من الحدثين رطوبة مردّدة بين البول والمني فأتى برافع أحدهما ، فإنّ الشكّ في بقاء أصل الحدث بعد القطع بأصل حدوثه يكون ناشئا من الشكّ في أنّ الحدث الموجود هل هو ممّا يكون رافعه هذا المأتيّ به ، أو أنّ له رافعا آخر ، مع القطع بأنّ المقتضي لوجوده لو لا وجود الرافع حاصل على أيّ حال ، لكن كون هذا المثال من موارد استصحاب الكلّي مبنيّ على القول

٣١٦

بأنّ الأثر وهو عدم جواز الدخول في الصلاة إلّا بعد إيجاد الرافع يكون لمطلق الحدث ، والأثر المجعول لموجبات الأصغر تعيين هذا الرافع في الوضوء ، ولخصوص موجبات الأكبر تعيينه في الغسل.

وأمّا إن قلنا بأنّ الحكم من الابتداء قد قسّم في الأدلّة على قسمين ، فجعل عدم جواز الدخول في الصلاة إلّا بعد الوضوء أثرا لموجبات الأصغر ، وعدمه إلّا بعد الغسل أثرا لموجبات الأكبر ، غاية الأمر أنّ علّة تشريع هذا الحكم إيجاب تلك الموجبات للحدث ، وإيجاب الوضوء والغسل لرفعه ، فلا محلّ لاستصحاب الكلّي في هذا المثال رأسا ؛ لعدم الأثر للكلّي ، وإنّما هو لأفراده.

فهذا نظير ما إذا قال المولى : يجب عليك شرب السكنجبين أو شرب ماء الرمّان ؛ فإنّ الأثر الذي هو الوجوب يكون لنفس هذين الخاصّين لا لما هو منطبق عليهما ويكون علّة لتشريع حكمها وهو عنوان المزيل للصفراء ، فهنا أيضا الموضوع هو الحدث الأصغر بخصوصيّته ، والحدث الأكبر كذلك ، والحكم وجوب الوضوء ووجوب الغسل ، لا أنّ الموضوع هو الحدث والحكم وجوب رفعه ، كما أنّ الأمر كذلك بحسب ملاك التشريع.

وكيف كان فلا إشكال في جريان استصحاب الكلّي في القسم الثاني ، ولا يضرّ تردّده بين ما هو مقطوع العدم في الحال وهو الفرد القصير ، وبين ما هو مشكوك الحدوث وهو الفرد الطويل بعد فرض تحقّق القطع بالحدوث والشكّ في البقاء في نفس الكلّي.

فتحقّق أنّ الإشكال في هذا الاستصحاب من جهة اختلال الأركان غير وارد ، وكذلك من جهة أمر خارج لو كان الإشكال كون مورده الشكّ في المقتضي.

بقي إشكال اخرى قد تعرّض لها بعض السادة من أساتيد العصر أدام الله تعالى أيّام إفادته في حاشيته على المكاسب ، فإنّه قد تمسّك شيخنا المرتضى في بحث بيع المعاطاة على لزوم المعاطاة وعدم فسخها برجوع أحد المتعاطيين إلى ملكه الأصلي باستصحاب الملكيّة السابقة ، ثمّ استشكل على نفسه بأنّها مردّدة بين

٣١٧

الملك اللازم والجائز ، والملك اللازم مشكوك الحدوث ، والجائز مقطوع العدم بعد الرجوع ، فأجاب أوّلا بأنّ اللزوم والجواز من أحكام الملك ، لا من أقسامه ، وثانيا بعد تسليم كونهما من أقسامه بأنّه يكفي استصحاب القدر المشترك في إثبات اللزوم.

فعند ذلك ذكر المحشّي دام ظلّه بأنّ الحقّ عدم الكفاية وعدم الجريان ، وعلّله بأنّ عدم الكلّي مسبّب عن عدم حدوث الفرد الطويل ، فأصالة عدم الفرد الطويل لكونه أصلا في السبب حاكم على أصالة بقاء الكلّي ، لكونه أصلا في المسبّب ، فحال الأصل الأوّل بالنسبة إلى الثاني حال أصالة الطهارة في الماء بالنسبة إلى استصحاب النجاسة في الثوب المغسول به.

وهذا الإشكال وإن نبّه عليه شيخنا المرتضى في الاصول وأجاب عنه بأنّ ارتفاع القدر المشترك من آثار كون الحادث هو الفرد القصير ، لا من لوازم عدم حدوث الفرد الطويل ، نعم من لوازمه عدم وجود ما هو في ضمنه من القدر المشترك في الزمان الثاني ، نعم لازم عدم حدوث الفرد الطويل بحسب الواقع حدوث التقصير ولازمه ارتفاع القدر المشترك وليس هذا إلّا أصلا مثبتا ، لكن ما ذكره مدفوع بأنّ الأثر لا يناط في الأدلّة على عنواني البقاء والارتفاع ، وإنّما هو منوط على الوجود والعدم.

فالآثار ثابتة لوجود الطهارة والنجاسة ولوجود الحدث وعدمه ؛ لا لبقائهما وارتفاعهما بما هما بقاء وارتفاع.

والحاصل تارة يكون مطلوبنا إثبات أحد من عنواني البقاء والارتفاع بالأصل ، فلا بدّ لنا من أصل أفاد كون القدر المشترك باقيا أو مرتفعا ، ولا شكّ أنّ أصالة عدم حدوث الطويل غير مفيد لا للبقاء كما هو واضح ، ولا للارتفاع ، بل لعدم وجود القدر المشترك في ضمنه في الزمان الثاني ، واخرى يكون مطلوبنا إحراز وجود القدر المشترك وعدمه ، غاية الأمر ينطبق على الوجود في الزمان الثاني اتّفاقا عنوان البقاء ، وعلى العدم فيه عنوان الارتفاع، لكن ليسا بدخيلين في موضوع الحكم.

٣١٨

وحينئذ يكفي لنا الأصل المحرز لوجود القدر المشترك في الزمان الثاني أو عدمه وإن لم يمكننا إحراز البقاء والارتفاع ، ولا يخفي أنّ أصالة عدم حدوث الفرد الطويل يثبت عدم وجود القدر المشترك في ضمنه في الزمان الثاني ، والمفروض القطع بانعدام الفرد القصير ، فيكون الحاصل من مجموع ما احرز بالأصل والوجدان عدم القدر الجامع في الزمان الثاني.

نعم هذا إنّما يتمّ فيما إذا كان الجامع من الأحكام الشرعيّة ، وأمّا لو كان من الموضوعات الواقعيّة الغير الشرعيّة كالحيوان فلا يتمّ ما ذكرنا ، فإنّه بعد إحراز عدم القدر المشترك في ضمن كلّ من الطويل والقصير أحدهما بالأصل والآخر بالوجدان لا بدّ لنا من الحكم بانعدام الكلّي رأسا ، وهذا أعني ترتّب عدم الكلّي على عدم الأفراد ترتّب عقلي ، فيكون داخلا في الاصول المثبتة.

نعم لو فرضنا الكلّي حكما شرعيّا كالحدث تمّ فيه ما ذكرنا ، مثلا لو نام واستيقظ وشكّ في الاحتلام ، فالحدث الأصغر متيقّن الحدوث مشكوك البقاء ، والأكبر مشكوك الحدوث ، فالأصل وجود الأوّل وعدم الثاني ، فيحكم عليه بوجوب الوضوء ، ثمّ بعد الوضوء نقول : ارتفع الأصغر جزما بالوضوء ، والجنابة أيضا لم يتحقّق بالأصل ، فكلّي الحدث غير متحقّق في هذا الشخص ، فيجوز له الدخول في الصلاة ، وسرّ ذلك أنّ ترتّب وجود هذا الكلّي على وجود أحد الأفراد ، وعدمه على عدمها مستفاد من بيان الشرع ؛ فإنّ الأثر ليس للحدث بعنوان كونه جامعا وكليّا حتّى يقال : إنّ الحاكم هو العقل ، غاية الأمر أنّه الصغرى بيد الشرع.

ولا يخفي أنّ العقل لا يعلم أنّ الحدث بم يتحقّق وفيم ينعدم ، فإذا حكم الشارع بانحصار موارد وجوده في شيئين مثلا فهذا عبارة اخرى عن الحكم بعدم الحدث عند عدمهما ولو لم يبيّن الشرع الانحصار لكان جائزا عند العقل وجود فرد آخر كان لهذا الكلّي ، فلم يمكنه الحكم بعدم الحدث فافهم.

٣١٩

ثمّ استشكل المحشّي على نفسه بأنّ أصالة عدم حدوث الفرد الطويل معارضة بأصالة عدم حدوث الفرد القصير ، وذلك لأنّ كليها مسبوق بالعدم ، فإذا سقط الأصل في طرف السبب بالمعارضة بالمثل ، يبقى الأصل في طرف المسبّب وهو أصالة بقاء الكلّى سليما عن المعارض ، فأجاب عنه بأنّ أصالة عدم القصير غير جارية ؛ لعدم الأثر له شرعا ؛ فإنّ عدم الكلّى ووجوده في الزمان المتأخر مسبّب عن عدم الفرد الطويل ووجوده ، وأمّا الفرد القصير فهو مقطوع العدم بالفرض ، هذا حاصل ما ذكره دام ظلّه.

أقول : بعد تصوير أصل السببيّة والمسببيّة بين الفرد والكلّى مع ما بينهما من الاتّحاد في الوجود الخارجي ـ بأنّهما في لحاظ التحليل متغايران متباينان والسببيّة والمسببيّة تعرضان لهما في هذا اللحاظ ، وبعد فرض محلّ الكلام في الجوامع الشرعيّة من مثل الملكيّة والطهارة والحدث ، وأمّا في الجوامع الغير الشرعية كالحيوان ونظائره فلا يتمّ إثبات عدم الكلّي بأصالة عدم الفرد الطويل إلّا بالأصل المثبت كما اعترف هو دام ظلّه به ـ يرد على ما ذكره من عدم جريان استصحاب الكلّي في القسم الثاني في خصوص الجوامع الشرعيّة.

أوّلا : أنّ نفي الكلّي حدوثا مسبّب عن عدم كلا فرديه ، كما أنّ وجوده كذلك مسبّب عن وجود أحدهما ، فالفرد القصير والطويل بالنسبة إلى هذا الأثر الذي هو نفي الكلّي حدوثا كلاهما ذو أثر ، فيتساقط أصلا عدمهما بالمعارضة ، وأمّا نفي الكلّي بقاء فهو مسبّب عن كون الحادث هو الفرد القصير ، كما أنّ وجوده كذلك مسبّب عن كون الحادث هو الطويل ، وحيث لا أصل في طرف السبب تعيّن أحد الأمرين ويبقى الأصل في طرف المسبّب سليما عن المزاحم ، ولعلّه إلى ذلك يشير كلام شيخنا المرتضى قدس‌سره.

وثانيا : أنّه بعد تسليم أنّ عدم الكلّي في الزمان المتأخّر من آثار عدم الطويل فقط ، فعدم جريان استصحاب الكلّي ليس على إطلاقه ، بل الحقّ أنّ هنا ثلاث صور.

الاولى : أن لا يكون لشيء من الفرد القصير والطويل أثر آخر غير أثر نفي الكلّي ،

٣٢٠