أصول الفقه - ج ٢

آية الله الشيخ محمد علي الأراكي

أصول الفقه - ج ٢

المؤلف:

آية الله الشيخ محمد علي الأراكي


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسه در راه حق
الطبعة: ٠
الصفحات: ٧٥٢
  الجزء ١   الجزء ٢
  نسخة غير مصححة

قلت : نعم ولكن وجه اتّباعهم أنّه يكشف كثرة موارد التخصيص عن احتفاف الكلام بقرينة إمّا لفظيّة وإمّا حاليّة لم يلزم معها التخصيص المستبشع ، فبواسطة العمل نستكشف كون المورد من موارد تلك القرينة ، أو يقال : وإن لم يلزم التخصيص المستبشع ، لكن حيث إنّ لنا علما إجماليّا بأزيد من الموارد المعلومة تفصيلا فبعملهم نستكشف كون المورد خارجا عن مصداقيّة عنوان المخصّص ، وهكذا الكلام في رواية العامّة على تقدير رواية المشتبه.

وأمّا على رواية المشكل فيشكل العمل حتّى في موارد وجود حكم من العقل ؛ إذ لا يصدق أنّه أشكل الأمر على الإنسان إلّا بعد انسداد جميع الطرق والحيل عليه ، نعم بعض الأحكام من العقل محمول على موضوع المشكل ، مثل حكمه بالتخيير في دوران الأمر بين المحذورين ، فحينئذ يقدّم عموم القرعة مع عدم العلم بالتخصيص ، ولكن في هذه الموارد مع قلّتها أيضا نحتاج إلى الجبر بعمل الأصحاب ، للعلم الإجمالى بالتخصيص وعدم وضوح عنوان المخصّص علينا ووضوح خروج المورد عن مصداقيّته بعد عملهم.

في حاله مع اليد. (١)

أمّا على أماريّة اليد فلا إشكال ، وأمّا على الأصليّة فوجه تقديم اليد هو ما أشار إليه الإمام عليه‌السلام في رواية حفص بن غياث من أنّه لو لا ذلك لم يقم للمسلمين سوق ، إذ لو بني على ترجيح الاستصحاب لزم ذلك.

وأمّا تحقيق كون اليد أمارة أو أصلا حتى يظهر الثمر في إثبات اللوازم ، وعلى تقدير الأماريّة هل لها الأماريّة المطلقة أو المقيّدة الغير المفيدة لإثبات اللوازم؟ الظاهر من ارتكازيّات العرف والعقلاء هو المعاملة معها معاملة العلم وسائر الطرق.

نعم لا دلالة في رواية الحفص المتقدّم إليها الإشارة على الأماريّة بملاحظة جواز

__________________

(١) راجع ص ٧٠٧

٦٤١

الشهادة بالملكيّة الواقعيّة بسبب اليد وجواز الحلف على طبقها ، فإنّ هذا موجود في الاستصحاب مع عدم الأماريّة ، فمن الممكن كون اليد من هذا القبيل ، وأمّا الارتكاز والسيرة فلا شبهة فيه.

فإن قلت : فما وجه حكمهم بأنّ ذا اليد إذا اعترف بانتقال الملك إليه من المدّعي انقلب مدّعيا ، مع أنّه لو كانت اليد أمارة مطلقة كان اللازم إثبات اللازم ، وهو سبب الملك الذي بالفرض منحصر في الانتقال عن المدّعي ، ومعه لم ينقلب صاحبها مدّعيا ، لمطابقة قوله مع الأمارة ، فحكمهم يشهد بأنّ المحكّم في تعيين السبب هو استصحاب عدم الانتقال ، والمطابق له قول الطرف الآخر ، فهو المنكر وصاحب اليد هو المدّعي ، فهذا يدلّ إمّا على أصليّة اليد ، أو قصور أماريّته عن إثبات اللوازم.

قلت : ما ذكرت إنّما يتوجّه لو كان من المفروغ عنه أنّ المطابقة للأمارة لا ينفكّ عن المنكريّة ولا يجتمع مع المدّعيّة ، وهو محلّ الإنكار ، بل المدّعى مفهوم من المفاهيم المرجوع في تعيينها إلى العرف وهو من ينشئ الخصومة ، ومن الممكن بمكان دعوى صيرورة ذي اليد في الفرض المذكور هو المنشئ للخصومة بعد ما كان المنشئ لها قبل اعترافه هو خصمه.

وإذن فينطبق كلامهم مع أماريّة اليد ولهذا لو لم يكن في قباله مدّع ، أو كان ولكن اسند الملك السابق إلى غيره بأن ادّعى عليه الزيد فقال : اشتريته من عمر ولم ينتزع العين من يده ويعامل معاملة ملكه ، ولو كان وجه حكمهم جريان الاستصحاب في السبب كان اللازم هو التوقّف عن الحكم بملكيّته في هذين أيضا.

وحينئذ نقول في ما إذا كان في قباله منكر أيضا لم يخرج اليد عن الأماريّة ، والاستصحاب في السبب محكوم لها ، ولكن ذاها مدّع عرفا ، وقد استقرّ حكم الشارع على اختصاص الفاصل للخصومة بالبيّنات والأيمان.

ومن هنا صحّ للصدّيقة الطاهرة سلام الله عليها تشبثها باليد مع دعواها عليها‌السلام تلقّي الملك من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، واحتجاج الأمير صلوات

٦٤٢

الله عليه على أبي بكر بمطالبته إيّاها عليها‌السلام البيّنة مع كونه سلام الله عليها ذا اليد ، فإنّه يقال: إذا اعترف ذو اليد بالانتقال من الطرف ولم يظهر الطرف لا تصديقا ولا إنكارا ، بل ادّعى عدم العلم ـ كما هو الحال في تلك الواقعة ـ لم تكن في البين مخاصمة وخصومة ، فإنّ الشاك أيضا تكليفه الرجوع إلى هذه الأمارة ورفع الشكّ بها ، لعدم اختصاص حجيّتها بواحد دون واحد.

فوجه الاحتجاج أنّ مقام مطالبة البيّنة صورة وجود خصومة في البين ، وأمّا مع اقتران الدعوى باليد وعدم منكر في القبال ، فليس مطالبة البيّنة إلّا ديدن الجهّال.

في حاله مع الأمارات والأدلّة الاجتهاديّة ، ويعبّر عن الكلّ بالطرق الشرعيّة. (١)

اعلم أنّه لا ريب حسب الارتكاز وشهادة الطبع في تقديم الطرق على الاصول أعني قول الشارع : خذ بحكاية الأمارة الفلانيّة على قوله : خذ بالحالة السابقة عند الشكّ ، أو ابن على الحليّة أو الطهارة كذلك.

إنّما الكلام في أنّ هذا التقديم هل هو من باب التخصيص أو التخصّص أو الحكومة؟

اختار شيخنا المرتضى قدس‌سره أنّه من باب الحكومة ، وذكر في توضيح الحكومة أنّها كون أحد الدليلين بمفاده اللفظي بيانا وتفسيرا للمفاد اللفظي للدليل الآخر ؛ فإنّ مقتضى الجمع العرفي حينئذ الأخذ بظهور التفسير وإن فرض في أدنى مرتبة ، ورفع اليد عن ظهور المفسّر وإن كان في أعلى مرتبة ، وتطبيق ذلك على المقام أنّ الشارع جعل في حقّ الجاهل طائفتين من الوظيفة.

الاولى : بلسان حفظ الشكّ في الواقع والحكم على موضوع الشكّ ، والثانية : بلسان رفع الشكّ وإزالته ، فيشترك مع الإخبار في هذه الجهة ، أعني كما أنّ نظر المخبر إلى الواقع المشكوك ورفع حجاب الشكّ عنه ، كذلك الشارع في قوله : قول

__________________

(١) راجع ص ٤٠٦

٦٤٣

الثقة عين الواقع ، نظر إلى الشكّ بعنوان إزالته ، غاية الأمر أنّ الرفع في الإخبار وجداني وهنا تعبّدي ، فكأنّه قال بعنوان التعبّد قد اتّضح الواقع فلا شك بعد اتّضاحه ، وقوله : ما قاله العادل عين الواقع ، نظير قولك مشيرا إلى جاهل : هذا عالم عند قصد ترتيب آثار العلم ، وقوله : لا شكّ لك بعده ، نظير قولك مشيرا إلى عالم : هذا ليس بعالم ، بقصد رفع أثر العلم عنه.

فتحصّل من هذا أنّ قوله : إذا شككت في كذا فابن على كذا ، لا نظر له أصلا إلى قوله : قول الثقة عين الواقع ، ولكنّ الثاني ناظر إلى الأوّل باعتبار اشتماله على أنّه لا شكّ بعد قوله بعد معلوميّة أنّ نفي الموضوع تعبّدا إنّما هو بلحاظ رفع آثاره ، كما أنّ إثباته كذلك بلحاظ إثباتها ، هذا.

واستشكل عليه قدس‌سره بأنّ ما ذكره في ضابط الحكومة لا إشكال في مصححيّته للتقديم متى تحقّق ، ولكنّ الشأن في إثباته في المقام وسائر المقامات التي يقولون بالحكومة فيها ، بيان ذلك أنّ اللازم من هذا التقرير أن يكون الدليل الحاكم لغوا وبلا مورد لو لم يكن الدليل المحكوم ، فإنّه بمنزلة «أعني» فكما أنّه ناظر إلى مقام الإثبات ، ولو لم يكن قبله مفسر في مقام الإثبات كان لغوا وبلا مورد ، كذلك الدليل الحاكم على ما قرّره قدس‌سره.

ولا شبهة في عدم حصول هذا المعيار في شيء من موارد الحكومة ، فإنّ منها قاعدة لا ضرر في الإسلام ، ومن المعلوم أنّ القائل بهذا الكلام يفيد هذا الكلام منه ، ولو لم يصدر منه لعارض في مرحلة الإظهار وعالم الإثبات شيء من المجعولات الاسلاميّة ، فإنّ الإسلام عبارة عن الوجود اللوح المحفوظي ، وهكذا في قوله : لا شكّ لكثير الشكّ ، فإنّه لو لم تكن الأدلّة المتكفّلة لحكم الشكوك في ركعات الصلاة لما خلّي من الفائدة ، فإنّ عدم الحكم في نفسه أمر واقعي ، وهكذا في «لا حرج» وكذا في المقام ، لوضوح عدم لغويّة قوله : الحكاية الفلانيّة صدق وعين الواقع لو لم يكن حكم في موضوع الشكّ مجعولا أصلا.

وإذن فيتحقّق التنافي بين مدلولي الأصل والطريق ، فإنّ مفاد الأصل أنّ الحكم

٦٤٤

اللوح المحفوظي في حقّ الشاك كذا ، ومفاد الأمارة أيضا إثبات خلاف ذلك في اللوح المحفوظ ، من دون نظر أحدهما إلى ما يفيده الآخر في مرحلة الإثبات.

وقد ذكر للحكومة ضابط آخر مسلّم الانطباق على غير المقام ، وهو كون أحد الدليلين متكفّلا للحكم على غير الحكم من الموضوعات الأخر ، والآخر متعرّضا للحكم على الحكم ولو بوجوده النفس الأمري الثبوتي لا الإثباتي.

مثلا لا ينقدح التعارض بين قوله : أكرم العلماء وقوله : إرادتي للإكرام في الفاسق غير ثابتة ، أو إرادتي للإكرام في حقّ زيد الجاهل ثابتة ، ولا يلاحظ الترجيح في مرتبة الظهور ، بل يرجّح الثاني ولو كان أضعف ظهورا على الأوّل.

فإن قلت : كيف تقول : ليس الحكم في قضيّة أكرم العلماء على الإرادة ، مع أنّ مفاد الهيئة هو الطلب.

قلت : فرق بين إيجاد الطلب الحقيقي في النفس متعلّقا بفعل من الأفعال ـ ففي هذا اللحاظ لا يمكن الحكم على الإرادة ـ وبين لحاظ الطلب بما هو كسائر العناوين والحكم عليه.

ولعلّ السرّ في التقديم أنّ نسبة الإرادة إلى المتكلّم في قضيّة أكرم العلماء خارج عن مفاد اللفظ ، وإنّما هو حكم العقل في مقدار ، والعقلاء في الزائد عليه ، فيتحصّل من العقل والعقلاء حكم على موضوع إرادة المتكلّم وطلبه ، وهو نسبته إليه ، وأمّا في القضيّة الاخرى فهذا المطلب صار مفادا لفظيّا ، وقد تكفّله نفس المتكلّم ، فإذا اريد بالحكم العقلي العقلائي أن يحكم على مورد التصادق بثبوت إرادة الإكرام للقائل يعارضه نفس قول القائل : إرادتي غير موجودة هنا ، وإن كان هذا أيضا محتاجا إلى إجراء الأصل العقلائي فيه ، لكن هذا الأصل العقلائي ينتهى إلى قول من القائل له إثبات ونفي في نفس مورد القضيّة العقلائيّة في الجانب الآخر.

لا يقال : حكم العقل إنّما هو بمطابقة الاستعمال للجدّ ، ولازم هذا ثبوت الإرادة ، وحكم الشارع في الحاكم بنفي الارادة على وجه المدلول المطابقي ، فما حصل التكاذب بينهما في المدلول المطابقي.

٦٤٥

لأنّا نقول أوّلا : حيثيّة المطابقة تعليلية ، يعني يحكم بالإرادة الجديّة بعليّة مطابقتها للاستعماليّة ، وعلى فرض التسليم فالعقل يحكم بالإرادة الخاصّة ، والشرع ينفي الإرادة المطلقة ، فيحصل التنافي.

ثمّ لا يجري هذا الضابط أيضا في المقام ؛ لأنّ الشارع ما حكم في دليل اعتبار الطريق إلّا بواقعيّة المؤدّى ، ولم يحكم بنفي الشكّ تعبّدا حتى يرجع إلى نفي أحكامه فيجيء فيه التقريب المذكور.

فإن قلت : بعد أنّ لسان التعبّد بالأمارة إنّما هو لسان الإرشاد إلى الواقع فكما أنّ المخبر حقيقة إنّما يخبر بغرض رفع الشكّ بإخباره بأن يحصل العلم الحقيقي فيرتفع الشكّ حقيقة ، أو العلم العادي فيرتفع تعبّدا ، كذلك التعبّد بلسان الإرشاد أيضا ظاهر في كونه بغرض رفع الشكّ تعبّدا ، فهاهنا تنزيلان طوليان ، أحدهما غرض للآخر ، فلا يقال : يلزم اجتماع اللحاظين.

قلت : مضافا إلى أنّه يلزم ترتيب الآثار المترتّبة على صفة اليقين ـ لأنّ غرض المخبر الحقيقي حصوله أيضا ففي التعبّد يكون الغرض هو التعبّد بثبوته ، فيرجع إلى ثبوت آثاره ، ولا تلتزمون به ـ يرد عليه أنّا لو سلّمنا هذا الظهور فإنّما هو في رفع الشكّ بلحاظ ما له من الأثر بالنسبة إلى الواقع ، وأمّا الأثر المترتّب على صفة الاحتمال والترديد فلا ، هذا.

وهاهنا تقريب لورود أدلّة الطرق على أدلّة الاصول وهو أن يقال : إنّ العلم المجعول غاية في الاصول ـ أعني قوله : لا تنقض اليقين بالشك بل تنقضه بيقين آخر ، وكذا قوله : كلّ شيء حلال حتّى تعلم أنّه حرام ، وقوله : كلّ شيء طاهر حتّى تعلم أنّه قذر ، ونحو ذلك ـ يراد بحسب لفظه ما يقابل الثلاثة من الظنّ والوهم والشكّ ، ولكنّ المناسبة المقاميّة مقتضية لتعميم الحكم إلى غيره من سائر أفراد الحجّة وما يوجب رفع الحيرة عن الواقع.

وذلك بدعوى أنّ الأحكام المعلّقة عند العرف على صفة اليقين يفهمون منها إلغاء هذه الصفة في ترتيب تلك الأحكام وأنّها منوطة بذلك الجامع ، نظير قول

٦٤٦

المولى : يا فلان ، مناديا لأحد عبيده باسمه ، حيث يفهمون أنّه بملاك يشمل سائر العبيد ، أو قولك : ينبغي للإنسان أن يحفظ قبائه من القذارة ، حيث يفهم أنّه بملاك يشمل اللبّادة وسائر اللباس ، فإنّه إذا قيل : لا ينبغي رفع اليد عن اليقين بالشكّ ، يفهمون أنّه بملاك مطلق عدم الحيرة عن الواقع وثبوته في اليد ولو بحجّة غير علميّة ، وإذن فيراد بالشكّ ما يقابله وهو عدم الطريق ، فعند قيام الطريق يرتفع موضوع عدم الطريق وجدانا.

لا يقال : كما يكون الشكّ في الاصول بهذا المعنى ، كذلك في جانب الطريق ؛ إذ لا شكّ أنّ التعبّد إنّما يصحّ في مورد عدم العلم ، فدليل اعتبار الطريق حيث إنّه تعبّد يكون مختصّا بغير العالم ، فيراد بعدم العلم المعتبر فيه عقلا أيضا عدم الطريق للمناسبة المقاميّة.

لأنّا نقول : ليس في دليل اعتبار الطريق لفظ اليقين أو الشكّ مذكورا ، وإنّما ورد التعبّد على سبيل الإطلاق ، والمناسبة المقاميّة مستفادة من ذينك اللفظين ، نعم العقل حاكم بالتقييد ، والقدر المسلّم الحاكم به العقل إنّما هو عدم العلم بمعنى الصفة ، والزائد عليه تقييد بلا داع يقتضيه.

وإذن فيلزم من تقديم دليل الطريق التخصّص في دليل الأصل ، ويلزم من تقديم الأصل التخصيص في دليل الأمارة ، وإذا دار الأمر بين الأمرين فالتخصّص أولى.

وهنا تقريب آخر للورود اختاره بعض الأساطين طاب ثراه ، وهو أنّ الشكّ وإن كان باقيا ، إلّا أنّ ما تعلّق النهي به وهو نقض اليقين بالشكّ يرتفع بعد قيام الأمارة ، فيصير النقض بالأمارة لا بالشكّ.

فإن قلت : قد جعل الغاية هو اليقين ؛ لقوله : بل انقضه بيقين آخر.

قلت : الطريق أيضا مفيد لليقين ، غاية الأمر بالحكم الظاهري لا الواقعي.

والحاصل أنّ كلّا من الطريق والاصل مشتركان في أنّه يحصل بسببهما اليقين مع وجود الشكّ في الواقع بوجه في كليهما ، ولكنّ الفرق أنّ العلم جعل غاية في أدلّة الاصول ، ولم يجعل كذلك في أدلّة الطرق فمع تقديم الاصل يلزم تخصيص دليل

٦٤٧

الطريق وأما مع تقديم الطريق فلا يلزم تخصيص في دليل الاصول ، لحصول غايته وهو العلم ، والحاصل أنّ حكم الأصل مرتّب على الشكّ في الواقع بوجه من الوجوه ، وغايته العلم به أيضا بوجه من الوجوه.

واستشكل عليه الاستاد أوّلا بأنّه لا وجه للالتزام ببقاء الشكّ ، فإنّ الظاهر أنّه مقابل اليقين المجعول غاية ، فالمراد به عدم ذلك اليقين ، فإذا كان المراد اليقين بوجه فالمراد هو الشكّ من جميع الوجوه.

وثانيا : لا يتم هذا في الشبهة الموضوعيّة ، مثل الشكّ في حياة زيد مع قيام البيّنة على موته ، فإنّه لم يحصل القطع الذي هو الغاية بواسطة البيّنة بشيء من الوجوه ؛ لأنّ الحياة غير قابلة للجعل.

وثالثا : التعبير بالوجه لا يحسن ؛ لأنّ عنوان تصديق الطريق وأخذ حكايته ليس كعنوان الغصبيّة ، بل هو إشارة إلى العنوان الواقعي ، فالذي يناسب هو التعبير بأنّ الحكم الفعلي في عنوان الفعل الكذائي صار معلوما بعد قيام الطريق ، فحصل الغاية.

ولكن فيه أنّ الظاهر كون المراد بالشكّ واليقين في أدلّة الاصول تعلّقها بالواقع ، فإنّها وظائف مقرّرة لرعاية الواقع ، فالملحوظ فيها نفسه ، لا الأعمّ منه ومن المجعول في مرتبة الشكّ فيه.

في حاله مع سائر الاصول. (١)

والأمر هنا أشكل من المسألة السابقة ، فإنّ الشكّ في كلا الطرفين مأخوذ ، فإن جعل عبارة عن الصفة فتقريب الحكومة وارد في كليهما ، وإن جعل عبارة عن عدم الطريق فالورود وارد في كليهما.

والذي اختاره هنا أيضا بعض الأساطين قدس‌سره أنّ أصالة الحليّة أو الطهارة حكم على الشكّ ما دام لم يحصل العلم بوجه من الوجوه بالحرمة والنجاسة ، والاستصحاب يوجب حصول هذه الغاية وجدانا ، وهو أيضا وإن كان مغيّا بمثل ذلك ، ولكن ذينك الأصلين ليس مفادهما إلّا نفس الحليّة والطهارة ، و

__________________

(١) راجع ص ٤١٦

٦٤٨

هو عين تجويز نقض الحالة السابقة ، ولا يثبتانهما بتوسّط عنوان من العناوين غير الشكّ ، بخلاف الاستصحاب ، فإنّه يثبت ضدّيهما بعنوان نقض اليقين بالشكّ.

وقد استشكل عليه شيخنا الاستاد دام أيّام إفاداته الشريفة بأنّ المفروض عدم الطريقيّة في جانب الاستصحاب ، وإنّما هو صرف التعبّد الشرعي وإن كان بلحاظ الكشف النوعي الحاصل من حكاية الثبوت السابق عن الدوام ، وحينئذ ففي كلّ من الطرفين المتحقّق حكم من الشارع ، غاية الأمر في أحدهما بلسان : هذا حلال أو طاهر ، وفي الآخر بلسان : لا يجوز نقض الحالة السابقة ، وأيّ مرجّح لتقديم الثاني حتّى يحصل غاية الأوّل ، ولم لا يجوز العكس حتى يحصل غاية الثاني؟.

واختار شيخنا المرتضى قدس‌سره الشريف الحكومة ، ببيان أنّ الاستصحاب معمّم للنهي السابق إلى زمان الشكّ ، فهو ناظرا إلى رفع الحكم المغيّا بورود النهي في قوله : كلّ شيء مطلق حتّى يرد فيه نهي ، فالاستصحاب مفيد لبقاء النهي السابق ، يعنى أنّ الغاية حاصلة.

ولكن فيه أوّلا : أنّ الغاية هو العلم لا واقع النهي ، وثانيا : كما أنّ مفاد الاستصحاب أنّ النهي الواقعي باق ، مفاد أصالة الحلّ والطهارة أنّ الترخيص الواقعي حاصل ، فلم لا يقدّم هذان ويحكم بحصول غاية الاستصحاب ، وما الترجيح للعكس.

ويمكن أن يقال : إنّ مفاد لا تنقض الخ : أبق آثار اليقين وعامل معاملته ، ولا داعي للحمل على المتيقّن ، ولهذا يشمل الشكّ في المقتضى ؛ لأنّ صفة اليقين مشتملة على إبرام يصحّ بلحاظه إتيان مادة النقض ، غاية الأمر أنّ مصاديق هذا المفهوم في الخارج مرايا للمتعلّقات ، يعنى أخذه المتكلّم جامعا لتلك المصاديق الخاصّة ، لكنّه نظر إليه بنظرة موضوعيّة ، لا أنّه جعله عبرة للمتعلّق ، فيكون المعنى : أنّك أيّها الشاك كما كنت سابقا ذا يقين وكان يقينك لأجل طريقيته وبلحاظ مرآتيّته محرّكا سمت المتعلّق وآثاره ، فكن حال الشكّ أيضا كذي اليقين.

ولا يخفي أن صاحب اليقين المرآتي كما يتحرّك سمت الواقع وآثاره ، لا يحتاج

٦٤٩

أيضا إلى دستور لأجل الواقع ؛ لأنّ من وجد نفس الواقع غير محتاج إلى الدستور ، فالتنزيل المفاد للاستصحاب يشمل هذا الأثر أيضا ، يعنى : كن كحال يقينك طالبا وعاملا بآثار الواقع وغير متفحّص عن الدستور المضروب لأجله.

وحينئذ نقول : تارة نقول : إنّ الشكّ والعلم في دليلي البراءة والطهارة مثلا يراد بهما الصفتان الخاصّتان بملاك خاص بهما ، واخرى نقول : علّق الحكم عليهما بملاك أعمّ شامل للطريق المعتبر وعدم الواجديّة له.

وعلى كلّ حال فالظاهر أنّ المراد بالعلم المجعول غاية هو العلم المصيب إلى الواقع لا الأعمّ منه ومن الجهل المركّب ؛ إذ هي بمقام إعطاء دستور للواقعيّات في حال الجهل ، فالمفاد أنّك لو جهلتها فدستورك كذا إلى أن تعلمها ، فتنقطع بطبعك عن الدستور.

وبعبارة اخرى : الموضوع هو الشاك بالواقع من حيث كونه محتاجا إلى الدستور للواقع ، والعالم غير موضوع من حيث إنّه واجد الواقع ، وواجد نفس الواقع لا يحتاج إلى دستور له.

وعلى هذا فتقريب الحكومة أو الورود واضح من طرف الاستصحاب على أصالة البراءة والطهارة ؛ لأنّ مفاده على الحكومة : إنّك ذو يقين بالواقع ، وقد فرضنا الغاية في الأصلين هو اليقين بالواقع ، ولا عكس.

إن قلت : بل العكس أيضا ممكن ؛ لأنّ الأصلين أيضا مفادهما : هذا حلال واقعا ، وطاهر كذلك ، ومفادهما وإن لم يكن واجديّة الواقع ، لكنّ الواجديّة قهريّ عقيب وجود الحكمين للمكلّف ، فيحصل بذلك غاية الاستصحاب ، أو يرتفع موضوعه تعبّدا ؛ إذ الموضوع كما مرّ ليس الشكّ إلّا بحيثيّة الاحتياج إلى دستور الواقع ، فيرفع هذا الموضوع بدليل كان لسانه إعطاء الواقع ، كما يرفع بدليل كان لسانه إعطاء يقين الواقع وكونه في اليد على نحو الجزم.

قلت : نعم ، لكن رتبة الدليل الثاني أعني ما كان لسانه إعطاء الواجديّة والكون في اليد أسبق من رتبة الدليل الأوّل الذي مفاده جعل الواقع الأوّلي بلسان التنزيل ؛

٦٥٠

إذ كما أنّ جعل الواقع الأوّلي الحقيقي أمر ، وواجديّته أمر آخر ، كذلك ما يتصدّاه الدليل المفيد للتنزيل ليس إلّا نفس الجعل بلسان الواقع ، وأمّا الواجديّة فخارج عن مدلوله المطابقي والالتزامي ، وإنّما هي لازمة لوجوده ومتأخّرة عنه ، وهذا اللازم لمتأخّر مصرّح به في القضيّة في الجانب الآخر ، والحاصل أحدهما يعطي الواقع ليصير المكلّف واجدا لواقع ، والآخر يقول: أنت واجد الواقع ، فلسان الثاني أقدم حكومة من الأوّل.

وبهذا البيان يتّضح الحال بناء على الورود ، فإنّه وإن كان كلّ لو قدّم صار واردا على الآخر ، لكن هذا اللسان للاستصحاب يوجب تقدّمه للحكومة ، فهو ورود للحكومة.

ثمّ إنّك من مطاوي هذه الكلمات قدرت على إجراء الحكومة في الأمارات على الاصول بناء على أخذ الشكّ والعلم في الاصول بالمعنى الصفتي بالملاك الأخصّ ؛ فإنّها دستورات للشاك الغير العالم بالواقع من حيث احتياجه إلى دستور للواقع الذي جهله ، والأمارة أيضا وإن كانت دستورا له ، ولكن بلسان أنّ ما أدّاه هو الواقع ، فقد أعطى المحتاج ما احتاج إليه ، لا أنّه رفع عنه الاحتياج ، فلا يقال : إنّه ورود ، ولكن لمّا أنّ لسانه : هذا واقع ، تكون حاكمة على الاصول المعلّق فيها الحكم على المنقطع اليد عن الواقع المحتاج إلى دستوره ، هذا.

في تعارض الاستصحابين : (١)

وهو على قسمين : ، أن يكون أحدهما جاريا في الشكّ السببي ، والآخر في المسبّبي ، وأن يكونا جاريين في شكّين مسبّبين عن ثالث.

أمّا القسم الأوّل ، فمثاله ما إذا علم بطهارة ماء قليل ثمّ شكّ فيه لاحتمال وقوع نجاسة فيه ثمّ غسل الثوب القطعي التنجّس بصبّ ذلك الماء القليل عليه مع مراعاة شرائط التطهير ، فإنّ هنا استصحابين ، واستصحاب طهارة الماء من أثره طهارة

__________________

(١) راجع ص ٤١٩

٦٥١

الثوب ، واستصحاب نجاسة الثوب ليس من أثره نجاسة الماء ؛ إذ لو كان نجسا ليعلم أنّه بغير نجاسة الثوب.

وعلى هذا فالتقريبان المتقدمان من الحكومة والورود تامّان في الاستصحاب الجاري في السبب ، بيانه أمّا على الحكومة فلأنّه يحكم في موضوع الشكّ في الماء بطهارته ، وفي الطول بطهارة الثوب المغسول به ، فحكمه بطهارة الثوب نظير حكم الأمارة حكم بالثبوت بلسان الواقع بدون التعليق على الشكّ ، وإنّما علّق على الشكّ في شيء آخر ، وأمّا الحكم بالنجاسة في جانب استصحاب المسبّب فهو حكم معلّق على الشكّ في نفسه ، فمفاد أحدهما «الثوب طاهر» ومفاد الآخر الثوب عند الشكّ فيه نجس ، فيكون الأوّل حاكما لو اريد من الشكّ الصفة بالملاك الأخصّ ، وواردا لو اريد به ذاك بالملاك الأعمّ ، ولا عكس؛ إذ استصحاب المسبّب ليس له نفي وإثبات في جانب السبب ، لعدم حجيّة الأصل المثبت.

نعم يتمّ فيه أيضا ذلك لو قيل بطريقيّة الاستصحاب وأنّه من باب جعل الظنّ النوعي بأنّ ما ثبت يدوم معتبرا وحجّة ، أو بأصليّته مع القول بحجيّة الأصل المثبت ، وقد رام على هذين شيخنا الاستاد في درره أيضا تقديم الأصل السببي بواسطة تقدّم الرتبة طبعا.

ولكنّه ـ كما نبّه هو دام بقاء في مجلس بحثه ـ مخدوش أولا بأنّا نرى وجدنا انقداح التعارض بين أمارتين إحداهما تخبر بالعلّة والاخرى بعدم المعلول ، أو تقول إحداهما : هذا الرجل ابن زيد والاخرى : زيد لا يقتل ابنه ، ثمّ رأينا الزيد قتل الرجل ، ولو كان التقدّم الطبعي كافيا في حيازة الأمارة الأسبق حكم الحجيّة والاعتبار لما انقدح التعارض في المثال ، والتالي باطل بالضرورة.

وثانيا بأنّ التقدّم والتأخّر في الرتبة بين الفردين للعام بحسب الوجود الخارجي لا ينافي عرضيّتها بحسب المشموليّة للعام وفي لحاظ المنشئ للعموم ، فالمنشئ لأكرم العلماء لاحظ العالم الأب والعالم الابن في فرض واحد وإن كانا في الخارج مترتبين.

٦٥٢

إن قلت : نعم لكنّ الكبرى بدون الصغرى غير مفيدة ، والصغرى أبدا محقّقة في المتقدّم أسبق منها في المتأخّر.

قلت : وإن كان الحكم على الفرد المحقّق فعليّا دون الغير المتحقّق ، لكنّه في غير المتحقّق أيضا موجود في تقدير الوجود ، فيتحقّق المنافاة بين الحكمين الفعلي والمشروط ، وهذان الإشكالان كما ترى وارد في عامّة مقامات الترجيح بالتقدّم الطبعي.

وثالثا وهو خاص بالمقام ، بأنّ الترتّب بين طهارة الماء وطهارة الثوب بحسب الواقع كما لا يلازم الترتّب بينهما بحسب العلم فقد يكون علم المعلول سببا لعلم العلّة ، وقد يكونان معلولين لثالث ، فكذا الحال في شكّيهما ، فليس أبدا شكّ طهارة الثوب متولّدا عن شكّ الماء ، بل قد ينعكس ، فيتولّد شكّ الماء من شكّ الثوب ، وقد يكونان حاصلين دفعة، فالكلام المذكور لا يصحّح المطلب على وجه الكليّة ، بل يوجب عكس المدّعي في بعض المقامات.

ورابعا وهو أيضا خاص بالمقام ، بأنّه كما لا تنافي بين الأحكام الواقعيّة والأحكام الظاهريّة ، كذلك لا تنافي بين طبقات الأحكام الظاهريّة ، أعني ما بين الأحكام الطريقيّة والأحكام الاستصحابية ، وما بين الأحكام الاستصحابية والأحكام البراءتيّة ؛ إذ عين النسبة الكائنة بين الأحكام الواقعيّة والظاهريّة حاصلة بين الطائفتين في المقامين الأخيرين ، مثلا لو كان طريق في الواقع حجّة وقائما على الوجوب مثلا ولم يظفر به المكلّف بعد الفحص بالمقدار اللازم وكان الاستصحاب مفيدا للحرمة مثلا ، فهو واقعا موضوع للاستصحاب ، لا أنّه يجري أوّلا أصلا في عدم وجود الطريق المعتبر ، ثمّ يعمل بالاستصحاب حتّى يكون حكما ظاهريّا في ظاهري ، بحيث لو تبيّن الخلاف له انقدح أنّه ما كان موظّفا بوظيفة الاستصحاب.

والحاصل أنّ وجود الطريق واقعا ليس بأعلى من وجود نفس الواقع ، فكما أنّه بوجوده لا يوجب تقييد دليل الأصل ، بل بعلمه ، كذلك الطريق المعتبر أيضا بوجوده الواقعي غير مقيّد ورافع للحكم الأصلي ، وإنّما يرفعه بلسان الحكومة أو

٦٥٣

الورود على المذاقين السابقين بوصوله وحجيّته وصيرورته علميّا عند المكلّف.

وكذا الحال في الاستصحاب السببي مع المسبّبي وفي الاستصحاب مع سائر الاصول ، مثلا لو اعتقد أحد بعدم جريان الأصل السببي باعتقاد خطائي فلا شبهة أنّه محكوم بالأصل المسبّبي.

والحاصل : لا تنافي بين المجعولين في جميع هذه المقامات بحسب واقعهما ، وإنّما يحدث التنافي في مرتبة الوصول والعلم.

وحينئذ نقول : تعدّد الرتبة لو سلّم في المقام فإنّما هو في مقام أصل الجعل ، يعني جعل الأصل السببي أسبق من المسبّبي ، وقد عرفت عدم التنافي بينهما في هذا المقام ، والمقام الذي يحدث التنافي بينهما وهو عند علم المكلّف فلا تعدّد وترتّب بينهما ، لأنّهما في رتبة واحدة معلومان ، ولو فرض حصول الترتب بين العلمين أحيانا بملاك ترتّب المتعلّقين أعني الحكمين فانّما هو أحيانا وفي بعض المقامات ، وأين هذا من دعوى الكليّة.

وأمّا القسم الثاني وهو ما إذا كان الشكّ في كليهما ناشئا عن أمر ثالث ، ومثاله لو علم إجمالا بنقض الحالة السابقة في أحد المستصحبين ، ومحصّل القول في ذلك أنّ العمل بالاستصحابين تارة يوجب المخالفة القطعيّة العمليّة ، واخرى لا يوجب ذلك ، أمّا الأوّل وهو ما إذا كان العلم الإجمالي بالتكليف ، والاستصحابان نافيين له ، كما لو علم بنجاسة أحد الإنائين وكان مقتضى الاستصحاب طهارتهما.

تنقيح المقام يبتني على الكلام أوّلا في إمكان الترخيص على الخلاف في مورد العلم الإجمالي بالتكليف وعدمه.

فنقول : أمّا على قول من يجعل للحكم مراتب من الشأنيّة والفعليّة فإمكان الترخيص في كلا الطرفين فضلا عن الطرف الواحد واضح ، بل وكذا مع العلم التفصيلي ، نعم لمّا يكون الإيصال من مرتبة الشأنيّة إلى الفعليّة أمرا وظيفته للشارع أمكن أن يجعل الشارع العلم الإجمالي كالتفصيلي موصلا.

وأمّا على ما هو الحقّ من عدم المرتبة للحكم وأنّه فعلي أبدا ، فمجمل الكلام أنّه

٦٥٤

لا يحتمل مع العلم التفصيلي أن يكون غرض آخر أهمّ من امتثال المعلوم ؛ إذ لو كان لكان جعل ذلك الحكم لغوا ، وأمّا مع العلم الإجمالي فلا يحتمل أيضا حدوث غرض أهمّ مزاحم لحرمة المخالفة القطعيّة للزوم اللغويّة ، ولكن يحتمل حدوث غرض أقوى وأهمّ من إدراك الموافقة القطعيّة ، وحيث إنّ هذا الغرض يعلم عدم مربوطيته بالغرض المعلوم الإجمالي فهو كالاضطرار إلى واحد لا معيّن ، لا إلى الواحد المعيّن ، فلا يوجب التقييد في الواقع ، بل هو على ما عليه من المطلوبيّة التامّة ، والمكلّف قادر على امتثاله ، غاية الأمر جاهل به تفصيلا ، وهو غير مناف مع قدرته واختياره المصحّح لتكليفه.

ولا يصحّ القول بأنّ التكليف حينئذ مشروط بعدم اختياره دفع ذلك المحذور الأقوى في الواقع وفي علم الله في ضمن الطرف المشتمل على الواقع ، وأمّا مع ذلك فلا تكليف ؛ إذ الفرض أنّه مع اختياره ذلك أيضا يفعله باختياره لا خارجا عن قدرته واختياره.

وبالجملة ، يصير مع وجود هذا المزاحم حال المقام حال الحرج المخلّ بالنظام اللازم من الموافقة القطعيّة ، فكما أنّ العقل يستقلّ حينئذ برفع اليد عن الموافقة القطعيّة مع ثبوت التكليف الواقعي على ما هو عليه من المطلوبيّة التامّة ، ولهذا لا ينقلب العلم احتمالا ، كذلك مع وجود هذا الغرض الذي لا يدركه عقولنا.

إن قلت : نعم لكن الفرق أنّ الحاكم بالترخيص هناك هو العقل ، ولا يلزم من حكمه نقص وكسر في ناحية حكم الآمر ، وأمّا هنا فالآمر والمرخّص واحد وهو الشارع ، فحينئذ فلا محالة يرفع اليد عن أمره عند وجود متعلّقة في الطرف المرخّص فيه ؛ إذ لا يمكن طلب الواقع مطلقا بنحو الإيجاب الكلّي مع الإذن في مخالفته في بعض التقادير ، ضرورة مناقضة الإيجاب الكلّي مع السلب الجزئي ، وحينئذ فيلزم من الترخيص ارتفاع العلم الإجمالي ، فلا مقتضى للاحتياط بالنسبة إلى الطرف الآخر الغير المرخّص فيه أيضا.

٦٥٥

قلت : يمكن دفع الإشكال بأنّ الترخيص صادر منه بما هو حكيم ومرشد للعباد إلى ما لا يصل إليه عقولهم ، والأمر صادر منه بما هو مولى وشارع ، ويمكن نقض الحاكم الواحد غرض نفسه باختلاف الحيثيّتين ، وكم له من نظير.

وبالجملة ، فلا مانع عقلا من شمول أدلّة الترخيص لبعض أطراف العلم الإجمالي جمعا بين الغرضين وبما أنّ الشارع حكيم مرشد لعباده إلى مصالحهم ، هذا بحسب الثبوت.

أمّا بحسب الإثبات فاعلم أن العلم الإجمالي غير رافع لموضوع الاصول ؛ إذ العلم الذي غايتها ويرفع موضوعها هو ما يزول الشكّ ويتبدّل هو به ، وأمّا مع محفوظيّة الشكّ كما هو المفروض فلا ، وذلك لأنّ هذا هو الظاهر من أدلّتها.

وحينئذ فحيث لا يمكن الإجراء في كلا الطرفين ، فلا بدّ من التخصيص على وجه لا يلزم ذلك بحكم العقل ، والإجراء في واحد معيّن ترجيح بلا مرجّح ، لوضوح كون نسبة العموم إلى هذا كنسبته إلى ذاك.

فيبقى القول بإبقاء الواحد المبهم المعرّى عن الخصوصيّة تحته ، وهو مبتن على كونه مدلولا للعموم حتّى يكون حفظه حفظ ظهور للعامّ ، وغاية ما يمكن أن يقال لتقريب ذلك أنّه كما أنّ الجمع مفاد التزامي للعام عند بقاء كلا الفردين تحت العموم ، كذلك لو لم يمكن بقاء كلا الفردين لمحذور في الجمع يكون الأحد المبهم حينئذ مدلوله الالتزامي ، والدليل على ذلك صحّة الاستثناء.

ألا ترى صحّة قولك : جئني بهذه العشرة إلّا واحدا ، والاستثناء دليل العموم ، ولهذا نراهم يتمسّكون ظاهرا بعموم قوله تعالى : (أُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ) لجواز نكاح إحدى الاختين بعد خروج الجمع بقوله تعالى (وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ).

فإن قلت : العلم الإجمالي إنّما هو مقتض بالنسبة إلى إيجاب الموافقة القطعيّة بمعنى الاكتفاء بجعل البدل ، بمعني أنّه لو كان العلم بالحرام يجعل أحد الأطراف حراما ظاهريا ، ولو كان بالواجب يجعل أحدها واجبا كذلك ، فحينئذ لا مانع من الرخصة في ارتكاب أو ترك البقيّة.

٦٥٦

وأمّا بلا جعل بدل أصلا للواقع في مرحلة الظاهر فالعقل لا يجوّز المخالفة الاحتماليّة حينئذ ، ووجه الاكتفاء في الأوّل أنّه جازم بإتيان الواقع إمّا نفسا ، وإمّا بدلا ، وأمّا بدون ذلك فلا جزم بالامتثال بأحد النحوين ، نعم يحتمل الامتثال ، والامتثال الاحتمالي لا يجوّزه العقل ، وعلى هذا فحيث ليس في أدلّة الترخيص في المشكوكات عين ولا أثر من جعل البدل ، فلا يمكن القول بشمولها للمقام.

قلت : لم يحدث للمقام شيء زائد على سائر المقامات التي تحكمون بورود دليل الترخيص الجائي من غير ناحية الشكّ في أطراف العلم ، مثل دليل رفع الاضطرار ورفع الحرج إذا كانا شرعيّين ، فكما تقولون بشمول تلك الأدلّة لمورد العلم وتبعضون في الاحتياط فكذلك نقول في أدلّة المشكوكات والحلّ في الكلّ هو الكشف إنّا عن جعل البدل وجعل الطرف الآخر حراما ظاهريّا وممنوعا.

إن قلت : ما ذكرت حقّ لو كان الترخيص حكما فعليّا ، وأمّا إذا كانا حيثيّتيّا فمعناه أنّك لا تعاقب لأجل أنّك ارتكبت أو تركت المشكوك ، وهذا لا ينافي ثبوت العقاب من حيث ارتكاب أو ترك المعلوم الإجمالي ، وعلى هذا ففي كلّ مورد كان العلم الإجمالي موجبا للاحتياط بحسب العقل ولم يكن في أحد الأطراف أصل لخروجه عن محلّ الابتلاء أو غير ذلك ، لا يمكن لنا إجراء الأصل في الطرف الخالي عن المزاحم ؛ لأنّه لا يفيد إلّا حكما حيثيتيّا ، وهو غير نافع ، فيبقي اقتضاء العلم بحاله.

قلت : كونه حكما حيثيتيّا خلاف الظاهر ، فكما أنّه قبل العلم حكم فعليّ ، فكذلك بعده ، ويشهد له فهم العلماء منه ذلك ، فهم بين مرخّص في جميع الأطراف تدريجا ، وبين مرخّص في أحد لا بعينه تخييرا قائلا بجعل البدل ، ويشهد له أيضا قوله عليه‌السلام في بعض الأخبار الواردة في الجبن ونحوه ممّا يعلم إجمالا بوجود الحرام فيها : «كلّ شيء فيه حلال وحرام فهو لك حلال» وقد مضى في أصل البراءة.

هذا غاية ما يمكن أن يقال ، ولكنّه مع ذلك لا يخلو عن الخدشة ، وذلك لأنّ الأحد الذي قلنا بدخوله تحت العامّ إنّما هو أحد مندكّ في المعيّنات والحكم عليه

٦٥٧

من باب أنّ الحكم إذا تعلّق بالمعيّنات كما هو المفروض من كون القضيّة محصورة أو طبيعيّة ملحوظا فيها الطبيعة بالوجود الساري يتعلّق بالمهملة فيها أيضا بالتبع ، فيصحّ نسبة الحكم إليه بالحقيقة ، ولكن هذا الحكم المتعلّق بالمهملة بهذا النحو لا إطلاق فيه ولا تقييد ، وليس اختيار تطبيقه بيد المكلّف.

والحاصل فرق بين وقوع الأحد تحت الحكم أوّلا وأصالة. فحينئذ نحكم بمقدّمات الإطلاق بأنّ تطبيقه على كلّ مصداق شاء المكلّف جائز ، وبين المقام الذي وقع تحت الحكم بتبع الحكم على المصاديق ، فليس هذا الحكم بأزيد من علمنا ، لأنّا نعلم أيضا بأنّ الأحد لا منع منه ، ولكنّ الشأن كلّه في إثبات أنّ لنا اختيار تعيينه في ما شئنا ، وليس في البين مقدّمات إطلاق حتى نحكم بواسطتها بذلك ، هذا.

ولإثبات الرخصة في الواحد التخييري طريقان آخران ، الأوّل التمسّك بإطلاق المادّة بعد سقوط الهيئة في المعيّنات ، للزوم المخالفة القطعيّة والترجيح من غير مرجّح ، فيكون الحال كما لو ابتلي المكلّف بغريقين لا يقدر إلّا على إنقاذ أحدهما ، حيث إنّ الهيئة ساقطة ويحكم بإطلاق المادّة بمطلوبيّة الإنقاذ ، وحيث لا ترجيح فالعقل حاكم بالتخيير ، فكذا هنا بعد سقوط الهيئة للقصور اللفظي والمانع العقلي العقل حاكم بعد استظهار وجود مقتضيين للترخيص في الطرفين من إطلاق المادّة وعدم إحراز الأهميّة بالتخيير ، وليس الحكم من الشارع حتّى يقال بعدم الاستظهار من الدليل ، بل من العقل ، كما في أمثال المقام.

وفيه أنّ الفرق بين المقام ومثال الإنقاذ عدم ابتلاء المكلّف بجهة اخرى احتمل مزاحمتها لمطلوبيّة الإنقاذ ، ولهذا استقلّ العقل بالتخيير ، وأمّا هنا فيزاحم التخيير مع وجوب الموافقة القطعيّة الذي اقتضاه العلم الإجمالي ولم يحرز أهميّة مقتضى الترخيص عن هذا المقتضى لعدمه.

فإن قلت : كما يستكشف بإطلاق المادّة عن وجود المقتضي ، كذلك يستكشف به عن عدم المانع والمزاحم ، والمفروض تسليم كون الهيئة على تقدير جريانها في أطراف العلم مفيدة لحكم فعلي ناظر إلى جميع الطوارى حتّى هذا الطاري ، ولازم ذلك أنّها على تقدير السقوط أفادت مادّتها الاقتضاء الغير المزاحم بشيء في هذا الحال.

٦٥٨

قلت : أوّلا يمكن منع استكشاف عدم المانع من إطلاق المادّة ، والقدر المسلّم بمناسبة الحكم مع الموضوع هو وجود المقتضي ، وعدم المانع إنّما يستكشف إنّا من فعليّة الحكم المستفاد من الهيئة ، فإذا سقط الهيئة فلا دليل على عدم المانع.

وثانيا : سلّمنا استكشاف عدم المانع أيضا ، لكنّ المسلّم هو وجود العلّة التامّة من حيث القيود والشروط الراجعة إلى الغرض المولوي ، دون الجهات الراجعة إلى صحّة الحكم وعدمها عقلا ، فالخطاب من حيث هذه الجهات ساكتة ، ومن المعلوم أن اقتضاء العلم لوجوب الموافقة حكم عقليّ في مرحلة الامتثال غير راجع إلى أغراض الشرع.

فإن قلت : حكم العقل باللزوم في جانب الموافقة حكم تعليقي معلّق على عدم الترخيص والمؤمّن في بعض الأطراف ، وليس كحكمه بحرمة المخالفة القطعيّة حكما مطلقا غير قابل للرفع ، وعلى هذا فبعد فرض أنّ المقتضي للترخيص في بعض الأطراف من حيث الغرض الشرعي موجود والمانع منه من هذا الحيث أيضا مفقود بواسطة إطلاق المادّة ، فهذا مؤمّن.

قلت : المفروض عدم مزاحمة ذلك الغرض المقتضي للترخيص بالغرض المعلوم الإجمالي، وإنّما يزاحم الموافقة القطعيّة له ، فحاصل إطلاق المادّة أنّ هنا مقتضيا تامّا للترخيص غير مزاحم بشيء أصلا في الأغراض الآمري ، مع السكوت عن حاله من حيث مزاحمة احتمال مخالفة الغرض المعلوم الذي هو محذور عقلي في مرحلة الامتثال ، والذي علّق عليه حكم العقل هو الترخيص المطلق حتّى من هذا الحيث.

نعم لو فرض حفظ الهيئة كان ذلك مستكشفا من فعليّة الحكم بطريق الإنّ ، إذ ليس هذا من الشرائط العقليّة لحسن الخطاب حتّى لا يمكن استكشافها من أصالة العموم لاشتراط الخطاب الظاهري أيضا كالواقعي ، بل هو كالمصالح والمفاسد المستكشفة من العموم والإطلاق في الحكم الفعلي.

الطريق الثاني ، التمسّك بإطلاق الهيئة ، بمعنى أن الترخيص في كلّ طرف شامل لحال ارتكاب الآخر وحال تركه ، فيتقيّد عقلا في الشبهة التحريميّة بحال تركه ، وفي

٦٥٩

الوجوبيّة بحال فعله ، ولا مانع من هذا الوجه إلّا امور كلّها مردودة.

الأوّل : أنّه يلزم التفكيك في مدلول دليل الترخيص بالنسبة إلى الشبهات البدويّة والمقرونة بالعلم بحمله على الترخيص المطلق في الاولى والمشروط في الثانية ، وجوابه أنّ التّصرف إنّما هو في اللبّ مع بقاء الاستعمال بحاله.

والثاني : أنّه يلزم الترخيص في كلا الطرفين في صورة تحقّق شرط الترخيص فيهما وهو تركهما في التحريمية وفعلهما في الإيجابيّة ، وجوابه أنّ إطلاق الحكم تكليفا وترخيصا لا يشمل حال وجود المتعلّق ، ولا حال عدمه ، لامتناع طلب الحاصل أو المعدوم والزجر عنهما والإذن فيهما ، فمورد الحكم هو الذات ، وأثره إمّا طرد الوجود وجلب العدم أو العكس أو التخيير فيهما ، وهذا واضح.

والثالث : أن الأمر دائر بين التقييد على الوجه الذي ذكرت وبين التخصيص بالأخذ إمّا مخيّرا وإمّا مبهما ، وحيث قد مرّ عدم فائدة الإذن في الأحد المبهم فيحصل الإجمال ويسقط الدليل عن قابليّة الاستدلال ، وجوابه أنّ الأحد المبهم طرح للظهور بالنسبة إلى الخصوصيّات ، بخلاف الوجهين الآخرين ، أعني الأحد المخيّر والتقييد ، فإن الأحد المبهم حاصل مع الخصوصيّة ، فاختيار الأوّل مع إمكان هذين طرح للظهور بلا جهة ، وحينئذ فيدور الأمر بينهما ، وكلّ منهما كان فنتيجته الرخصة في الواحد والمخيّر بشرط لا ، ولا وجه لتساقطهما في ما توافقا عليه.

أمّا القسم الثاني فهو على قسمين ، أحدهما : أن يكون مقتضى الاستصحاب في أحد الطرفين ثبوت التكليف وفي الآخر عدمه ، ونحن نعلم بعدم التفكيك بينهما ، والثاني : أن يكون مقتضاه ثبوت التكليف في كليهما ، ونحن نعلم بعدمه في أحدهما.

أمّا الأوّل فلا مانع من الأخذ بالاستصحاب فيه ، لعدم لزوم المخالفة القطعيّة ، ومجرّد العلم بعدم التفكيك واقعا لا يؤثّر شيئا إلّا أن يعلم بعدم التفكيك وثبوت الملازمة حتّى في مرحلة الظاهر ، كما لو قام الإجماع على وحدة الماءين المختلطين طهارة ونجاسة حتّى في الظاهر ، فيتعارض استصحاب طهارة أحدهما واستصحاب نجاسة الآخر ، ويرجع إلى قاعدة الطهارة في الماء المذكور.

٦٦٠