أصول الفقه - ج ٢

آية الله الشيخ محمد علي الأراكي

أصول الفقه - ج ٢

المؤلف:

آية الله الشيخ محمد علي الأراكي


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسه در راه حق
الطبعة: ٠
الصفحات: ٧٥٢
  الجزء ١   الجزء ٢
  نسخة غير مصححة

في ما يتعلّق بالصحيحة الثانية. (١)

اعلم أنّ قول السائل في الفقرة الاولى : «فإن ظننت أنّه أصابه ولم اتيقّن ذلك فنظرت ولم أر شيئا ، فصلّيت فيه فرأيت فيه» تكون فيه ثلاثة احتمالات.

الأوّل : أن يكون المراد بقوله : ولم أر شيئا ، حصول اليقين بالعدم ، ويكون المراد ، بقوله : فرأيت فيه ، رؤية النجاسة المردّدة بين السابقة والحادثة بعد الصلاة ، وعلى هذا يكون قوله عليه‌السلام : ليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشكّ ، منطبقا على قاعدة الشكّ الساري.

الثاني : أن يكون المراد بقوله : «لم أر» هو البقاء على الشكّ ، ويكون المراد بقوله: «فرأيت فيه» ما تقدّم من رؤية النجاسة مردّدة بين الباقي والحادث ، وعلى هذا يكون قولهعليه‌السلام : «ليس ينبغي» الخ منطبقا على الاستصحاب.

الثالث : أن يكون المراد بقوله : «لم أر» أيضا هو البقاء على الشكّ ، ولكن يكون المراد بقوله : «فرأيت فيه» رؤية النجاسة السابقة ، وبعبارة اخرى : كان متعلّق «رأيت» عين متعلّق «لم أر» وعلى هذا أيضا ينطبق الكلام المذكور على الاستصحاب بالبيان الآتي إن شاء الله تعالى.

ثمّ الاحتمال الأوّل خلاف الظاهر ؛ لعدم ظهور قوله : «ولم أر» في حصول اليقين، بل لو كان المقصود ذلك كان المناسب بمقام السؤال هو التصريح بذلك عقيب قوله: «ولم أر» للاهتمام بشأنه وقوّة احتمال دخله في الحكم.

وكذلك الاحتمال الثاني أيضا خلاف الظاهر ؛ لأنّ الظاهر كما مرّ أنّ الرؤية المثبتة

__________________

(١) راجع ص ٢٩٢

٥٠١

في قوله : «فرأيت» عين المنفيّة في قوله : «ولم أر» من حيث المتعلّق ، ولو كانت النسخة «فرأيته» كان صريحا في ذلك ، وإذن فالظاهر هو الاحتمال الأخير.

ثمّ نقول : بناء على هذا الاحتمال الأخير لا يمكن حفظ ظهور قوله عليه‌السلام : «وليس ينبغي لك الخ» في كونه كبرى لعدم الإعادة ، وأنّ الإعادة وجه عدم وجوبها كونها نقضا لليقين بالشكّ.

وأنت خبير بأنّها على هذا الاحتمال نقض اليقين بالطهارة باليقين بالنجاسة ، فلا بدّ حينئذ من التكلّف بإرادة كون الإعادة منافية لحكم «لا تنقض» الذي كان ثابتا حال الدخول في الصلاة ، فيقال في توجيه المنافاة : إنّ هذا الحكم الظاهري مقتض لعدم الإعادة؛ لأنّ امتثال الأمر الظاهري مفيد للإجزاء ، أو يقال : إنّه مقتض للعدم من جهة أنّ معه يكون الإحراز للطهارة الذي هو الشرط موجودا ، ومع وجود الشرط لا إعادة ، ولا يمكن تطبيق شيء من هذين على الظاهر ؛ لأنّ الظاهر هو إتمام المطلب بنفس قوله : «لا تنقض» لا بمعونة مقدّمة اخرى.

وبعبارة اخرى : الظاهر هو أنّ الكبرى الجارية في حقّ المكلّف في هذا الحال التي هي بعد الفراغ من الصلاة هو قوله : «لا تنقض الخ» لا أن يكون المقصود أنّ هذه الكبرى كانت جارية عليك في زمان سابق على هذا الزمان ، وقضيّة جريانها في ذاك الزمان توليد كبرى اخرى في حقّك في هذا الزمان وهو أنّ الأمر الظاهري مفيد للإجزاء ، أو أنّ الإحراز هو الشرط ، والصلاة معه صحيحة ، ويكون عدم الإعادة صغرى لهذه الكبرى الثانية.

وأنت خبير بمساواة الوجهين في مخالفة الظاهر ، فلا وجه للعدول من أحدهما إلى الآخر تفصّيا عن التكلّف كما وقع في الحاشية.

ويمكن أن يقال : إنّه إذا دار الأمر بين ارتكاب مخالفة الظاهر في قوله : «فرأيت

٥٠٢

فيه» بحمله على رؤية المردّد بين الباقي والحادث حتى يكون قوله : «لا تنقض الخ» جاريا على ظاهره ، وبين ارتكاب مثل أحد هذين التكلّفين في قوله عليه‌السلام : «لا تنقض» محافظة على ظهور «فرأيت» في رؤية السابق كان الأوّل أولى ؛ لأنّ مخالفة الظاهر فيه أهون ، هذا.

ولكن لا يخفي أنّه بعد كون الاحتمال الأوّل خلاف الظاهر كانت الرواية دليلا على الاستصحاب ، سواء حملت على الثاني أو الأخير.

ثمّ إنّه قد يدّعى أنّه بناء على الوجه الأخير تكون الإعادة نقضا لليقين بالشكّ من دون حاجة إلى تطبيق كبرى كون الأمر الظاهري مفيدا للإجزاء ، بل نقول : هذه الكبرى مستفادة من نفس كبرى «لا تنقض».

وبيانه أنّ الطهارة الواقعيّة المتحقّقة حال الصلاة من آثارها الإجزاء والصحّة الواقعيين وعدم لزوم الإعادة كذلك ، وإذا كان معنى «لا تنقض» ترتيب آثار تلك الطهارة المتحقّقة الواقعيّة وعدم رفع اليد عنها فمعنى ذلك هو الصحّة الواقعيّة ؛ إذ لو لم يرتّب هذا الأثر كان اليقين منقوضا من حيث هذا الأثر ، وبعد عدم النقض حتّى من هذه الجهة يلزم عدم الإعادة حتّى بعد اليقين بثبوت النجاسة حال الصلاة ؛ لأنّ الفرض ترتّب الإجزاء والصحّة الواقعيين على الشكّ بمعونة «لا تنقض» ، وبالجملة ، قاعدة إجزاء الأمر الظاهري يكون من نفس مفاد «لا تنقض» لا أنّها كبرى له.

والجواب أنّ ترتيب هذا الأثر غير مدلول «لا تنقض» لأنّه مختصّ بالآثار الشرعيّة ، وهذا من الآثار العقليّة ؛ فإنّ الطهارة الواقعيّة إذا كانت متحقّقة فعدم الإجزاء غير معقول ؛ لعدم تعقّل بقاء الأمر مع وجود متعلّقه على ما اعتبر فيه شطرا وشرطا ، وهذا الأثر كسائر الآثار العقليّة غير مشمول لقوله عليه‌السلام : «لا تنقض».

٥٠٣

وبالجملة ، شأن «لا تنقض» جعل حكم ظاهري في موضوع الشكّ ، ويتحقّق به الصحّة والإجزاء الظاهري المفيد فائدة الصحّة الواقعيّة ما دام الشكّ ، وأمّا إذا انقلب إلى العلم بالخلاف فلا صحّة ولا إجزاء ، وأمّا تكوينه الصحّة النفس الأمريّة الغير القابلة لكشف الخلاف فخارج عن شأنه.

هذا وقد وقع الخلط لجملة من الأساطين العظام في فهم مرام الإمام الأعظم في هذا المقام من رسائله ، فإنّه قدس‌سره ذكر هذه الدعوى مع جوابها عقيب تخيّل المتخيّل حسن التعليل لعدم الإعادة بملاحظة اقتضاء الأمر الظاهري للإجزاء.

والجواب عنه بأنّه خلاف ظاهر قوله : «فليس ينبغي» حيث إنّ ظاهره أنّ الإعادة مصداق للنقض ، فالدعوى تأييد لمرام المتخيّل بأنّه ممكن مع حفظ هذا الظاهر بالبيان المتقدّم ، فذكر دفعها بما ذكر ، فتوهّموا أنّ هذه الدعوى كلام مستقلّ غير مرتبط بتتميم كلام المتخيّل وهو أنّ من آثار جريان الاستصحاب حال الصلاة عدم الإعادة ، فأجابوا بأنّه ما دام كونه متلبّسا بالشكّ ، فإذا زال الشكّ ارتفع الحكم الاستصحابي بزوال الموضوع.

وأورد واعلى الإمام الاعظم حيث قال ردّا على المدّعي : هذا الأثر من الآثار العقليّة ، بأنّه لا بأس بترتيب مثل هذا الأثر ؛ لأنّه كوجوب الامتثال ممّا يترتّب عقلا على الأعمّ من الحكم الواقعي والجعلي ، وأيضا فكيف يجري الاستصحاب قبل الصلاة ، فإنّ ترتيب الصحّة أو البطلان عليه بعينه حاله حال ترتيب عدم الإعادة والصحّة في المقام ، فيلزم سدّ باب كلّي الاستصحاب الجاري في تنقيح موضوع الشرط أو الجزء.

وأيضا هذا خلاف تصريحه قدس‌سره في عدّة أوراق قبل ذلك في مسألة ما إذا غفل عن يقينه بالحدث وصلّى ، حيث قال : إنّه يوجب الإعادة بحكم استصحاب

٥٠٤

عدم الطهارة لو لا حكومة قاعدة الشكّ بعد الفراغ عليه ، فافهم. انتهى.

وكذلك في ذيل حديث الرفع حيث إنّه بعد أن ذكر أنّ رفع المؤاخذة ممّا تناله يد الجعل لكون المنشأ وهو رفع إيجاب الاحتياط مجعولا ، وبذلك ردّ توهّم من توهّم ذلك قال : ونظير ذلك ما ربّما يقال في ردّ من تمسّك على عدم وجوب الإعادة وإن كان حكما شرعيّا ، إلّا أنّه مترتّب على مخالفة المأتي به للمأمور به الموجبة لبقاء الأمر الأوّل ، وهي ليست من الآثار الشرعية للنسيان ، وقد تقدّم أنّ الرواية لا تدلّ على رفع الآثار الغير المجعولة ، ولا الآثار الشرعيّة المترتّبة عليها كوجوب الإعادة في ما نحن فيه.

ويردّه ما تقدّم في نظيره من أنّ الرفع راجع إلى شرطيّة طهارة اللباس بالنسبة إلى الناسي ، فيقال بحكم حديث الرفع : إنّ شرطيّة الطهارة شرعا مختصّة بحال الذكر ، فتصير صلاة الناسي في النجاسة مطابقة للمأمور به ، فلا تجب الإعادة ، وكذلك الكلام في الجزء المنسي ، فتأمّل ، انتهى.

وأوضح منافاة قوله قدس‌سره في نفس مسألتنا في الوجه الثاني من الوجهين في قول السائل: فرأيت فيه ، وهو رؤية النجاسة مع احتمال الحدوث بعد الصلاة ، قال قدس‌سره : وهذا الوجه سالم عمّا يرد على الأوّل ، وكذلك تسليمه تماميّة الدلالة على الاستصحاب في قوله عليه‌السلام أخيرا : فليس ينبغي لك ، عقيب قول السائل : فإن رأيته وأنا في الصلاة ، هذا.

وأنت خبير ممّا ذكرنا أنّ كلّ ذلك أجنبيّ عمّا هو مرامه قدس‌سره.

* * *

٥٠٥

في ما يتعلّق بالصحيحة الثالثة. (١)

إجراء «لا تنقض» بالنسبة إلى أصل إتيان الركعة المشكوكة أعمّ من كونها موصولة أو مفصولة مبنيّ على أنّ العمل الثابت للمتيقّن بعدم الرابعة كان أمرين : أصل الركعة ، وجعلها موصولة ، فأعمل بالقاعدة من حيث العمل الأوّل ، ورفع عنها اليد من حيث الثاني حفظا لتقيّد الركعات بعدم الزيادة.

ولكن من الممكن أن يقال : إنّه عرفا عمل واحد وهو إلصاق الركعة بالركعات السابقة ، وتقدّم أنّ مفاد «لا تنقض» وجوب عمل اليقين في حال الشكّ ، وأصل الركعة في ضمن المفصولة يعدّ مغايرا لعمل اليقين بعدم الركعة ، لا تبعيضا فيه ، فيخرج عن مدلول «لا تنقض».

وإذن فالحمل على تحصيل اليقين بالبراءة إذا كان بعيدا من جهة استبعاد أن يراد بهذه العبارة في موارد عديدة عدم نقض اليقين الموجود ، ويراد في هذا المورد عدم نقض اليقين غير الموجود ـ ولو قلنا : إنّ تطبيق هذه العبارة عليه أيضا ممكن بملاحظة أنّ رفع اليد عن الموافقة القطعيّة بالموافقة الشكيّة يصحّ إطلاق النقض عليه ـ فالمتعيّن هو الحمل على الاستصحاب بالوجه الأوّل ، أعني كون الكلام صادرا على جهة التقيّة ، لكن لا في أصل الكبرى ، بل في تطبيقها على المورد ، نظير تطبيق حديث الرفع على الحلف بالطلاق والعتاق في صحيحة البزنطي.

وأمّا تبعيد ذلك بمنافاته مع الصدر حيث لم يراع فيه التقيّة ، فلا وجه له ؛ لإمكان أن يكون المجلس حين صدور الصدر خاليا عمن يتّقى منه ، ثمّ قارن دخوله مع تكلّم الإمامعليه‌السلام بالذيل.

__________________

(١) راجع ص ٢٩٨

٥٠٦

بقي الكلام في إمكان الجمع بين الاستصحاب وقاعدة الاحتياط في هذه العبارة وعدمه ولو كان على فرض الإمكان خلاف الظاهر.

فنقول : غاية تقريب عدم الإمكان أنّ اليقين في الاستصحاب لا بدّ أن يلاحظ مفروض الوجود حتّى يحكم بلزوم رعاية عمله حال الشكّ ، وفي قاعدة الاحتياط لا بدّ أن يلاحظ غير مفروض الوجود حتّى يصحّ الحكم بتحصيله ، والجمع يقتضي اجتماع هذين اللحاظين في موضوع اليقين.

لكن يمكن أن يقال : إنّه يقتضي ذلك لو جعلنا القضيّة طبيعيّة كان الموضوع فيها طبيعة اليقين ، وأمّا إذا جعلناها حقيقيّة ، وجعلنا اليقين مرآتا لأفراده فنقول : لهذه الطبيعة صنفان من الأفراد والحصص يمكن جعلها مرآتا لكليهما ، الأوّل : الأفراد الموجودة في الخارج ، والثاني : الحصص التي توجد في المستقبل ، فالمتكلّم يتصوّر كلا الصنفين ، بمعنى أنّه يشير بهذه الطبيعة إلى أفرادها من غير أخذه الفراغ عن الوجود أو عدم الفراغ في لحاظه ، وإنّما هذان وصفان ثابتان واقعا للأفراد ، فبعضها مفروغ الوجود ، وبعضها غير مفروغة.

والدليل على قابليّة المفهوم لهذه السعة صحّة قولنا «سواء» عقيب كلمة «اليقين» فنقول : اليقين سواء كان موجودا أم سيوجد فحكمه كذا.

وهذا نظير ما قلنا في إمكان الجمع بين الاستصحاب وقاعدة الشكّ الساري في قبال الاستدلال على العدم بأنّ الشكّ في الاستصحاب لوحظ الفراغ عن حدوث متعلّقه ، وتعلّق الشكّ بمرحلة بقائه ، وفي القاعدة لوحظ عدم الفراغ عنه وتعلّقه بأصل الحدوث ، فقلنا يمكن جعل الشكّ متعلّقا بأصل الحقيقة الصادقة على كلّ واحد من الحدوث والبقاء ، والدليل على قابليّته لهذا التعميم إتيان كلمة «سواء» عقيبه ، فيقال : الشكّ في العدالة سواء تعلّق بحدوثها أم ببقائها.

٥٠٧

هذا كلّه في إمكان الجمع في موضوع اليقين ، ومثله الكلام في موضوع الشكّ.

وأمّا محمول القضيّة أعني «لا تنقض» فإنّه أيضا مفاد واحد بالنسبة إلى كلا الصنفين ، وإنّما الاختلاف في محصّل هذا المفهوم ، ففي الأفراد الموجودة النقض بالشكّ يتحقّق برفع اليد عن عملها ، وفي ما سيوجد يتحقّق برفع اليد عن تحصيلها بالشكوك التي في قبالها ، هذا هو الكلام في مرحلة الإمكان ، ولا ينافيه دعوى انعقاد الظهور على خلافه.

وحاصل ما قلنا أنّه إذا لوحظ طبيعة اليقين بما هي هي فلا يخلو الإنسان من ملاحظة الفراغ عن وجودها ، فيتمحّض موضوعا للاستصحاب ، أو عدم هذه الملاحظة فيتمحّض موضوعا لقاعدة الاحتياط ، ولا يمكن الجمع في لحاظ واحد.

وأمّا إذا علّق الحكم على الحصص كأن قيل : كلّ حصّة حصّة لو وجدت في الخارج صدق عليها عنوان اليقين ، فكذا ، فحينئذ أيضا وإن كان لا يخلو الحال من أحد الأمرين ، لكنّ الثاني منهما أعني : تجريد الحصص عن لحاظ الوجود والعدم لا يتمحّضها موضوعا لقاعدة الاحتياط ، وذلك لأنّ من تلك الحصص اليقينات الموجودة الخارجيّة المتعلّقة بالمتعلّقات الخاصّة ، ومنها اليقينات المتعلّقة بالبراءة في الموارد الخاصّة الممكنة تحصيلها ، وكلّ منهما يصدق عليه أنّ هذا يقين ، فيصح أن يقال : جميع حصص اليقين من الموجودة الفعليّة والقابلة للتلبس بالوجود حكمه كذا ، هذا في الموضوع ، وأمّا المحمول فقد عرفت أنّه من باب الاختلاف في المحقّق ، كما في التعظيم.

ولكن يمكن منع ذلك هنا بواسطة اختلاف حقيقة معنى النقض في المقامين ، فإنّه في الحصص الفعليّة عبارة عن إبقاء عملها ، وفي القابلة للوجود عبارة عن تحصيلها وإيجادها.

٥٠٨

ألا ترى أنّ قولنا : «لا تنقض العهد والبيعة» لا يمكن أن يراد الحثّ إلى عقدهما وعدم رفع اليد عن الحاصل منهما؟.

فإن قلت : في قاعدة الاحتياط أيضا يمكن فرض اليقين الحاصل ، ويراد بعدم نقضه عدم رفع اليد عنه بأن يقال : إنّ الإنسان قبل إتيان العمل المحصّل لليقين متيقّن بالبراءة على تقدير العمل وشاكّ فيها على تقدير الترك ، فالمراد بعدم نقض ذلك اليقين بهذا الشكّ تحصيله.

قلت أوّلا : القضيّة المتيقّنة والقضيّة المشكوكة ليستا بمتّحدتين ، ولا بدّ من اتّحادهما في صدق النقض ، وذلك لأنّ اليقين بالشيء على تقدير والشكّ بذلك الشيء على تقدير نقيض التقدير الأوّل لا معنى لانتقاض أحدهما بالآخر ، وهذا لا يرد على تقدير عدم أخذ اليقين حاصلا ، فإن القضيّة الواحدة عبارة عن أنّ البراءة حاصلة ، فالمراد بقاعدة الاحتياط جعل هذه القضيّة يقينيّة لا شكيّة ، فقد اتّحدت القضيّتان.

وثانيا : ليس ليقين البراءة على تقدير عمل حتى يراد وجوب ذلك العمل ، وتحصيله ليس إتيانا بعمله ، وبالجملة مجرّد ذلك لا ينفع في رفع الاختلاف عن حقيقة النقض في المقامين.

* * *

٥٠٩

في موثّقة عمّار «إذا شككت فابن على اليقين». (١)

اعلم أنّ حالها على تقدير الاختصاص بالركعات الصلاتيّة حال ما تقدّمها بعينه ، وأمّا على تقدير الكليّة فأمرها دائر بين الاستصحاب وقاعدة الشكّ الساري وقاعدة الاحتياط ، لكنّ الظاهر هو الأوّل ؛ إذ اليقين عليه موجود حال البناء دون الأخيرين ، فإنّه على الأوّل قد مضى وانقضى ، وعلى الثاني سيتحقّق ، وتعليق الحكم على العنوان ظاهر في حصوله حال الحكم ، بل الحال في مثل لفظ اليقين والإنسان والحجر أصعب منها في ألفاظ المشتقّات مثل العالم ونحوه ، حيث يمكن القول في الثاني بكونه حقيقة في ما انقضى ، ولا إشكال في القسم الأوّل في المجازيّة إلّا في المتلبّس حال النسبة الحكميّة ، هذا.

في رواية الخصال «من كان على يقين فشكّ» الخ.

الإنصاف أنّ هذه الرواية لو كانت ونفسها كانت ظاهرة في قاعدة الشكّ الساري ، وذلك من جهتين.

الاولى : ظهورها في كون تقدّم زمان اليقين على زمان الشكّ مأخوذا في موضوع القضيّة ، وكونه صفة غالبيّة خلاف الظاهر ، بل الظاهر دخالته في الحكم ، ومن المعلوم أنّ في الاستصحاب ليس قوام الموضوع بذلك ، ولا يخفي أنّ كون الغالب في موارد الاستصحاب تقدّم زمان اليقين على الشكّ لا يجدي في تطبيق القضيّة التي اخذ في موضوعها تقدّم زمان اليقين على الشكّ على الاستصحاب ، فإنّ الغلبة في ذلك الباب لا يوجب انصراف هذا المفهوم بعد كونه في حدّ ذاته ظاهرا في التقييد.

والثانية : ظهورها في اتحاد متعلّق اليقين والشكّ من حيث الذات ومن حيث الزمان ، أمّا الأوّل فواضح ، وأمّا الثاني فلأنّ تطبيق قولنا : كان على يقين فشكّ ، في

__________________

(١) راجع ص ٣٠٢

٥١٠

ما إذا كان على يقين بعدالة زيد يوم الجمعة ، ثمّ شكّ في عدالته في ذاك اليوم لا يحتاج إلى مسامحة.

وهذا بخلاف ما إذا كان على يقين بعدالة يوم الجمعة ثمّ شكّ في عدالة يوم السبت ، فإنّه يحتاج تطبيق العبارة عليه من المسامحة بتجريد العدالة عن التقييد بالزمان وملاحظته ظرفا لها ، وإلّا فليس مصداقا حقيقيّا لمن كان متيقّنا فشكّ ؛ لأنّ معنى ذلك صيرورة يقينه شكّا ، وفي المثال لم يصر شيء من يقينه مبدّلا ؛ لأنّ يقينه بالحدوث محفوظ ، وما شكّ فيه لم يكن موردا لليقين ، فلا يصدق بالحقيقة عند العرف أنّه كان ذا يقين فرجع عن يقينه.

بل نقول : قضيّة «لا تنقض اليقين بالشكّ» أيضا ظاهرة في هذا المعنى ، لكنّ المانع تطبيقها على مورد الاستصحاب ، كما أنّ المانع في هذه الرواية مساوقة التعليل فيها مع تلك القضيّة الواردة في مورد الاستصحاب في الصحاح المتقدّمة.

في ما يتعلّق بموثّقة عمّار : «كلّ شيء طاهر حتّى تعلم أنّه قذر». (١)

قال شيخنا المرتضى قدس‌سره الشريف ـ بعد ذكرها بناء على أنّه مسوق لبيان استمرار طهارة كلّ شيء إلى أن يعلم حدوث قذارته ، لا ثبوتها له ظاهرا ـ : واستمرار هذا الثبوت إلى أن يعلم عدمها ، فالغاية وهي العلم بالقذارة على الأوّل غاية للطهارة ورافعة لاستمرارها ، فكلّ شيء محكوم ظاهرا باستمرار طهارته إلى حصول العلم بالقذارة ، فغاية الحكم غير مذكورة ولا مقصودة.

وعلى الثاني غاية للحكم بثبوتها ، والغاية وهي العلم بعدم الطهارة رافعة للحكم ، فكلّ شيء يستمرّ الحكم بطهارته إلى كذا ، فإذا حصلت الغاية انقطع الحكم بطهارته لا نفسها ، انتهى موضع الحاجة من كلامه الشريف.

قال شيخنا الاستاد دام أيّام إفاداته العالية : هذه عبارة غامضة قد خفي المراد بها على بعض الأعاظم فذكر في توجيهها ما هو أجنبيّ عنها.

وشرح المقصود منها أنّ القضيّة ليس لها أزيد من نسبة تامّة واحدة ، فهذه

__________________

(١) راجع ص ٣٠٩

٥١١

النسبة الواحدة قد تتعلّق بالمحمول وهو ظاهر ، فيكون الغاية غاية للنسبة ، فالمقصود الحكم بأصل ثبوت الطهارة لكلّ شيء وهو الذي توجّه قصد المتكلّم إلى إلقائه إلى السامع ، والعلم بالقذارة غاية لهذا الحكم ورافعة له ، فيصير الشكّ داخلا في موضوع الحكم ، فكأنّه قيل : المشكوك طاهر ، وارتفاع الحكم حين حصول العلم لأجل ارتفاع موضوعه ، ككلّ حكم معلّق على كلّ موضوع ، وهذا أجنبيّ عن الاستصحاب.

وقد تتعلّق بالغاية ، فالذي توجّه هم المتكلّم نحوه هو بيان الغاية بعد الفراغ عن أصل ثبوت الطهارة ، فكأنّه قال : جعلت غاية الطهارة في كلّ شيء العلم بالقذارة ، وليس المراد أنّ كلمة «طاهر» حينئذ مستعمل بمعنى مستمرّ طهارته حتّى يكون الاستمرار بمفهومه الاسمي ملحوظا ، حتّى يرد أنّه ما الفرق بين جعل المحمول «طاهر» أو قولنا : مستمرّ طهارته.

فعلى كلّ منهما تكون الغاية للحكم ، فالقول بأنّه على الأوّل غاية الحكم وعلى الثاني غاية المحكوم به ، وغاية الحكم لا مذكورة ولا مقصودة لا وجه له ، بل المراد ما ذكرنا من أنّ النسبة التامّة تلحظ عند الغاية وتكون هي المقصود بالإفادة والاستفادة.

مثلا قد يكون أصل كون زيد في المدرسة مجهولا للمخاطب فنقول : هو في المدرسة إلى الليل ، فالمقصود بالإفادة أصل نسبة الكون إلى زيد ، والغاية غاية هذه النسبة التامّة.

وقد يكون المخاطب عالما بأصل كون زيد في المدرسة جاهلا بأمده ونهايته ، فيسألك إلى م يكون زيد في المدرسة؟ فتقول : إلى الليل يكون في المدرسة ، فقولك : يكون ، ليس بمعنى يستمرّ كونه ، بل بمعناه في محلّ آخر ، ولكن اتي به للفراغ عنه وتوطئة لذكر «إلى الليل» ، وليس المقصود الأصلي إلّا بيان نهايته إلى الليل ، فكأنّك قلت : غاية كونه الليل، لكنّ الفرق أنّك أفدت عين هذا بالمعنى الحرفي ، فالنسبة التامّة يكون تمامها بالغاية ، فلا تكون الغاية لهذه النسبة مذكورة ولا مقصودة.

٥١٢

وقد تبيّن أنّ الاستمرار مستفاد من القضيّة لا محمولها ، فمحمولها هو طاهر ، ولكن جعل النظر ووجهة القصد الى الغاية مع الفراغ عن أصل الطهارة يستفاد منه أنّ الطهارة مستمرّة إلى كذا ، لا أنّه نفس هذا المفهوم ، حتّى يرد الإيراد المذكور.

وعلى هذا المعنى ينطبق القضيّة على الاستصحاب ؛ إذ ليس هو إلّا جرّ الطهارة المفروغ عنها في الأشياء إلى حال العلم بالنجاسة ، وقد تحقّق أيضا عدم إمكان الجمع في العبارة الواحدة بين المعنيين ؛ لأنّ القضيّة الواحدة ليست إلّا مشتملة على نسبة تامّة واحدة، فإن لوحظ أصل ثبوت الطهارة مفروغا عنه تمحّضت في المعنى الثاني ، وإلّا تمحّضت في الأوّل ، والجمع يقتضي اجتماع لحاظي الفراغ وعدمه في لحاظ واحد واستعمال كلمة «حتّى» في معنيين : غاية الحكم وغاية المحكوم به.

واعلم أنّ ما ذكره شيخنا أنّه على إرادة القاعدة تكون غاية الحكم مذكورة مبنيّ على ما هو الظاهر من إرجاع القيود المذكورة في القضيّة مع كونها في اللبّ راجعا إلى أحد طرفي النسبة إلى النسبة ، ولهذا نقول : «زيد ضارب غدا» يعتبر فيه تلبّس الزيد بالضرب في الغد لا حال النطق ، وكذلك في المقام كلمة «حتّى» قيد للنسبة لا للطاهر ، ولا للشيء وإلّا كانت غاية النسبة أيضا غير مذكورة ولا مقصودة.

ثمّ إنّ للمحقّق الخراساني في كفايته هاهنا كلاما في تقريب دلالة هذا الخبر وأمثاله من قوله عليه‌السلام : «الماء كلّه طاهر حتّى تعلم أنّه نجس» وقوله عليه‌السلام : «كلّ شيء حلال حتّى تعرف أنّه حرام» على الاستصحاب لا بأس بنقله والنظر فيه.

قال قدس‌سره : وتقريب دلالة مثل هذه الاخبار على الاستصحاب أن يقال : إنّ الغاية فيها إنّما هو لبيان استمرار ما حكم على الموضوع واقعا من الطهارة والحليّة ظاهرا ما لم يعلم بطروّ ضدّه أو نقيضه ، لا لتحديد الموضوع كي يكون الحكم بهما قاعدة مضروبة لما شكّ في طهارته أو حليّته ، وذلك لظهور المغيّا فيها في بيان الحكم للأشياء بعناوينها ، لا بما هي مشكوكة الحكم كما لا يخفي ، فهو وإن لم يكن له

٥١٣

بنفسه مساس بذيل القاعدة ولا الاستصحاب ، إلّا أنّه بغايته دلّ على الاستصحاب ، حيث إنّها ظاهرة في استمرار ذاك الحكم الواقعي ظاهرا ما لم يعلم بطروّ ضدّه أو نقيضه ، كما أنّه لو صار مغيّا بغاية مثل الملاقاة بالنجاسة أو ما يوجب الحرمة لدلّ على استمرار ذاك الحكم واقعا ، ولم يكن له حينئذ بنفسه ولا بغايته دلالة على الاستصحاب.

ولا يخفي أنّه لا يلزم على ذلك استعمال اللفظ في معنيين أصلا ، وإنّما يلزم لو جعلت الغاية مع كونها من حدود الموضوع وقيوده غاية لاستمرار حكمه لتدلّ على القاعدة والاستصحاب من غير تعرّض لبيان الحكم الواقعي للأشياء أصلا ، مع وضوح ظهور مثل «كلّ شيء حلال أو طاهر» في أنّه لبيان حكم الأشياء بعناوينها الأوّلية ، وهكذا «الماء كلّه طاهر» ، وظهور الغاية في كونها حدّا للحكم لا لموضوعه كما لا يخفي ، فتأمّل جيّدا ، ولا يذهب عليك أنّه بضميمة عدم القول بالفصل قطعا بين الحليّة والطهارة وبين سائر الأحكام لعمّ الدليل وتمّ.

ثمّ لا يخفى أنّ ذيل موثّقة عمّار «فإذا علمت فقد قذر وما لم تعلم فليس عليك» يؤيّد ما استظهرنا منها من كون الحكم المغيّا واقعيّا ثابتا للشيء بعنوانه ، لا ظاهريّا ثابتا له بما هو مشتبه ، لظهوره في أنّه متفرّع على الغاية وحدها وأنّه بيان لها وحدها ، منطوقها ومفهومها ، لا لها مع المغيّا ، كما لا يخفي على المتأمّل انتهى كلامه ، رفع في الخلد مقامه.

قال شيخنا الاستاد أطال الله أيّام إفاداته الشريفة : لا يخلو الحال إمّا من جعل الغاية راجعا إلى الموضوع ، أو إلى المحمول ، أو إلى النسبة ، لا شكّ على الأوّلين في كون مفاد القضيّة هو القاعدة ؛ إذ يصير المفاد على الأوّل أنّ كلّ شيء مشكوك طاهر ، وعلى الثانى كلّ شيء طاهر الشكّ ، لكنّهما مضافا إلى كونهما خلاف الظاهر ـ كما تقدّم ـ خلاف مراده ، فإنّه صرّح بكونه قيدا للنسبة.

وحينئذ نقول : إنّ من الواضح أنّ القضيّة الواحدة لا تشتمل إلّا على نسبة واحدة ، نعم يمكن استفادة نسب عديدة منها بطريق الانحلال ، كما في قولك : رأيت

٥١٤

زيد العالم العادل الكاتب الشاعر ، حيث إنّه منحلّ إلى خمس قضايا ، لكنّ الانحلال من جهة ضمّ التوابع واللواحق إلى هذه النسبة الاستقلاليّة الوحدانيّة بدون تغيير فيها موضوعا أو محمولا ، ومن جملة التوابع واللواحق الغاية ، فقولنا : «كلّ شيء طاهر حتّى تعلم» في حكم قضيّتين ، إحداهما «كلّ شيء طاهر» والثانية هذه النسبة الموجودة ظرفها حال الشكّ الذي هو ما قبل العلم الذي هو الغاية.

وحيث إنّ هذه النسبة أمر وحدانيّ لا أنّ له قطعة حدوث وقطعة بقاء فلا يقال : إنّ النظر في الغاية إلى خصوص قطعة بقائها مع مفروغيّة قطعة الحدوث ، بل هذه النسبة الواحدة وضعت في ظرف الشكّ تحدث بحدوثه وتبقى ببقائه.

وحيث قلنا : إنّ الانحلال من جهة ضمّ التوابع إلى هذه النسبة بحيث لا يرجع إلى تغيير في موضوعها ومحمولها ، ففي المقام المفروض أنّ النسبة واقعة بين الشيء الغير المفروغ عن طهارته والحكم بأصل ثبوت الطهارة ، وهذه النسبة بهذه الحالة إذا جعلت مربوطة بالغاية المذكورة فمعنى ذلك الحكم بثبوت هذه النسبة في حال الشكّ ، وهو أجنبيّ عن الاستصحاب ؛ فإنّ النسبة المجعولة فيه في ظرف الشكّ إنّما هي بين الشيء المفروغ عن أصل طهارته والحكم ببقاء الطهارة.

فعلم أنّ استفادة الاستصحاب من القضيّة مع الدليل الاجتهادي مبنيّ على أحد امور كلّها غير معقول.

أحدها : كون القضيّة بوحدتها مشتملة على نسبتين ، إحداهما بين أصل الشيء وأصل الطهارة ، والثانية بين الشيء بوصف الفراغ عن حدوث طهارته وبقاء الطهارة.

والثاني : كون النسبة بوحدتها منقسمة إلى قطعة حدوث وقطعة بقاء.

والثالث : كون قيد النسبة مع كونه راجعا إليها مغيرا لأحد طرفيها من المحمول أو الموضوع ، ومرجع الأخير إلى الأوّل ، فينحصر الأمر في تقدير قضيّة اخرى ، وهو خلاف صريح كلامه.

فإن قلت : ما ذكرت من أنّ قيد النسبة لا يمكن أن يغيّر أحد طرفيها ، ينافي مع ما

٥١٥

اخترت في باب تعليق القضيّة الكليّة على شيء مثل «أكرم العلماء إن كان كذا» حيث قلت : إنّ صدر القضيّة عامّ استغراقي ، ولكنّ الموضوع للتعليق والإناطة عامّ مجموعي.

قلت : هذا أيضا غير راجع إلى ما ذكرت ، فإنّ طرفي النسبة في الصدر أيضا هو كلّ عالم وحكم الوجوب ، ولا شكّ أنّ «كلّ عالم» لا ينطبق على واحد من أفراد العالم ، فالانحلال جاء من ملاحظة هذا العنوان طريقا ، لا بانعزاله عن الموضوعيّة رأسا ، فالموضوع الحقيقي للنسبة هو العموم بوصف العموميّة.

ثمّ إنّ له قدس‌سره الشريف كلاما آخر في تعليقته في تقريب دلالة صدر الخبر على الحكم الواقعي وقاعدة الطهارة لا بأس بنقله والنظر فيه.

قال قدس‌سره : توضيح ذلك أنّ قوله عليه‌السلام : «كلّ شيء طاهر» مع قطع النظر عن الغاية بعمومه يدلّ على طهارة الأشياء بعناوينها الواقعيّة كالماء والتراب وغيرهما ، فيكون دليلا اجتهاديّا على طهارة الأشياء ، وبإطلاقه بحسب حالات الشيء التي منها حالة كونه بحيث يشتبه طهارته ونجاسته بالشبهة الحكميّة أو الموضوعيّة يدلّ على قاعدة الطهارة في ما اشتبه طهارته كذلك.

وإن أبيت إلّا عن عدم شمول إطلاقه لمثل هذه الحالة التي في الحقيقة ليست من حالاته ، بل من حالات المكلّف وإن كانت لها إضافة إليه ، فهو بعمومه لما اشتبهت طهارته بشبهة لازمة له لا ينفكّ عنه أبدا ـ كما في بعض الشبهات الحكميّة والموضوعيّة ـ يدلّ بضميمة عدم الفصل بينه وبين سائر المشتبهات على طهارتها كلّها ، وإلّا يلزم تخصيصه بلا مخصّص ؛ ضرورة صدق عنوان الشيء على هذا المشتبه كسائر الأشياء بلا تفاوت أصلا كما لا يخفى.

وليس التمسّك به في ما اشتبه طهارته موضوعا تمسّكا بالعام في الشبهة المصداقيّة ؛ لأنّ التمسّك به إنّما هو لأجل دلالته على القاعدة وحكم المشكوك على ما عرفت ، لا لأجل دلالته على حكم الشيء بعنوانه الواقعي كي يلزم تخصيصه من هذه الحيثيّة بنجاسة بعض العناوين أو بعض الحالات ، ولا منافاة بين جواز

٥١٦

التمسّك به للحكم بطهارة المشتبه من جهة ، وعدم جوازه من جهة أخرى كما لا يخفي.

ولا ضير في اختلاف الحكم بالنسبة إلى أفراد العام وصيرورته ظاهريّا بالنسبة إلى بعضها ، وواقعيّا بالإضافة إلى بعضها الآخر ؛ لأنّ الاختلاف بذلك إنّما هو من اختلاف أفراد الموضوع ، لا من جهة الاختلاف في المعنى المحكوم به ، بل هو بالمعنى الواحد والمفهوم الفارد يحمل على ما هو واحد يعمّ تلك الأفراد على اختلافها كما هو أوضح من أن يخفى.

فلا مجال لتوهّم لزوم استعمال اللفظ في المعنيين من ذلك أصلا ، فعلى ذلك يكون دليلا بعمومه على طهارة الأشياء بما هي بعناوينها وبما هي مشتبه حكمها مطلقا ، بضميمة عدم الفصل في المشتبهات بين ما يلزمه الاشتباه وبين ما لا يلزمه الاشتباه ، انتهى المقصود من كلامه ، رفع في الخلد مقامه.

وقد استشكل عليه شيخنا الاستاد دام أيّام إفاداته العالية ، وحاصل ما استفيد من مجموع كلماته الشريفة أنّ الحكم الظاهرى لا بدّ من أخذ الشكّ في الحكم الواقعي قيدا فيه إمّا في الموضوع أو المحمول أو النسبة ، وتكفّل الإنشاء الواحد للحكم الواقعي والظاهري المتعلّق بالشكّ في الأوّل غير ممكن على جميع وجوهه المذكورة.

أمّا جعل الشك طرفا للنسبة فقد تبيّن ممّا مرّ حاله ، وأمّا إدراجه في أحد طرفيها فلأنّ النسبة لا محالة متأخّرة عن الطرفين ، والشكّ في نفس هذه النسبة متأخّر عن هذه النسبة ، ولا يعقل أخذ المتأخّر عن نفس النسبة في أحد طرفيها ، فإنّه تقدّم الشيء على نفسه.

وأمّا الإطلاق الذاتي بمعنى وجود النسبة بين ذات الطرفين حتّى في حال الشكّ في هذه النسبة فلا يكفي في الحكم الظاهري ، وإلّا فكلّ حكم واقعي لا بدّ أن يكون مشتملا على حكم ظاهري ، هذا كلّه في النسبة الإنشائيّة.

وأمّا الإخباريّة الحاكية عن النسب الإنشائيّة المتعلّقة بالذوات بما هي والمتعلّقة

٥١٧

بها بما هي مشكوك الحكم الواقعي بلفظ واحد جامع بينهما مع كون الطائفتين مجعولتين بإنشاءين ، فهي بمكان من الإمكان ، كأن يقال : الأشياء كلّها مجعول في هذا الشرع طهارتها مطلقا في رتبة ذاتها ورتبة الشكّ في طهارتها حكما أو موضوعا. أو يقال : مجعول فيها الطهارة بالأعم من الواقع والظاهر.

والأوّل دليل اجتهادي لا ينفع معه حكم الشكّ في الشبهة الحكميّة ، والثاني يسقط عن الدليل الاجتهادي ؛ لأنّه بالفرض دليل على الأعمّ ، فينفع حكم الشكّ في الشبهة المذكورة.

فانقدح بما ذكرنا أنّ ما ذكره قدس‌سره الشريف لا يتمّ ، لا بحمل نسبة القضيّة على الإنشاء ، ولا بحملها على الإخبار ، أمّا الأوّل فلعدم المعقوليّة ، مع أنّ قوله قدس‌سره على تقدير عدم كون الشكّ من حالات الشيء بكفاية شمول العموم الفردي للشيء الذي يلزمه الاشتباه معناه كفاية تحقّق الحكم المتعلّق بذات الشيء في حال الشكّ في الحكم الظاهري ، فيرد عليه مع عدم صحّته في نفسه أنّ اللازم كما ذكرنا اشتمال كلّ حكم واقعي على ظاهري ، لثبوت الاطلاق الذاتي فيه.

وأمّا الثاني فلأنّ القضيّة على أحد الوجهين دليل اجتهادي ، ويلغو كونه دليلا فقاهتيّا في الشبهة الحكميّة ، وعلى الآخر لا يلغو كونه فقاهتيّا كذلك ، لكن ليس دليلا اجتهاديّا ، هذا.

وقد تبيّن من جميع ما ذكرنا أنّ القضيّة بصدرها وذيلها لكونها قضيّة واحدة لا يفي إلّا لبيان القاعدة أو الاستصحاب ، ودلالته على الاستمرار على تقدير إرادة القاعدة ليس استصحابا ؛ لأنّه في قضيّة «كلّ مشكوك طاهر» أيضا ثابت ؛ لأنّ معناه أنّه ما دام مشكوكا طاهر ، والتحقيق كما مرّ عدم كون مثل هذا استصحابا ، لاعتبار الفراغ عن أصل الطهارة فيه مع عدمه هنا ، كما تقدّم تفصيل ذلك.

نعم الكلام الذي ذكرنا في «لا تنقض» في وجه إمكان إرادة الاستصحاب وقاعدة تحصيل اليقين بالبراءة آت هنا أيضا حرفا بحرف في إمكان إرادة الاستصحاب والقاعدة فراجع.

٥١٨

الاحكام الوضعية

ثمّ إنّه لا بأس بصرف الكلام هاهنا إلى تحقيق حال الوضع في كونه كالتكليف مستقلّا بالجعل أو منتزعا عن جعله ، أو فيه تفصيل؟ فنقول وبالله الاستعانة :

اعلم أنّ المعنى الجامع للتكليف والوضع كلّ شيء كان بيانه وظيفة للشارع وكان هو المرجع عند الشكّ للسؤال عن حاله ، وبعبارة اخرى : ما تناله يد الجعل ، سواء كان مجعولا بالاستقلال أم بتبع منشأ الانتزاع ، أم كان غير مجعول ، بل أمرا واقعيّا. كشف عنه الشارع.

وحيث كان الكشف وظيفة للشارع كالطهارة والنجاسة بناء على كونهما أمرين واقعيين وحينئذ فتحقيق المقام يقتضي بسط الكلام في كلّ قسم من الوضع على حدة.

فمن الأحكام الوضعيّة السببيّة ، فاعلم أنّ هنا مطلبا لا يصحّ أن ينسب النزاع فيه إلى أهل العلم ، وهو أن يكون الشيء الغير المرتبط ذاتا بشيء آخر بإنشاء العليّة فيه من دون أن يتفاوت بذلك في صفاته وذاتياته علّة لذاك الشيء الآخر ومؤثّرا فيه تكوينا ، فإنّ العليّة منوطة بالخصوصيّة القائمة بذات العلّة ، وإلّا لأثّر كلّ شيء فى كلّ شيء ، فمع وجود ذلك الربط والعلقة يتحقّق العليّة وإن لم ينشأ السببيّة ، ومع عدمها لا يتحقّق وإن انشأت ألف مرّة ، بل لا يقبل الجعل بالاستقلال تكوينا أيضا فضلا عن التشريع.

ولهذا قيل : ما جعل الله المشمشة مشمشة بل خلقها ، نعم من الممكن أن يكون نفس الجعل تمام السبب لأمر أو جزئه ، كما أنّ جعل الوجوب محرّك عقلي تكويني ،

٥١٩

فغير المعقول جعل السببيّة ، لا جعل كان هو السبب ، وهذا كلّه واضح لا ينسب إلى عالم التفوّه بخلافه.

فالذي ينبغي البحث فيه هنا أن يقال : إنّ من المسلّم في ما بينهم قبول التكليف للجعل ، ومن أفراده الوجوب ، والوجوب في مقابل الامكان ، والامتناع عبارة عن ضروريّة الوجود للماهيّة وانسداد العدم فيه وعدم تطرّقه إليه ، وفي الوجوبات بالغير عبارة عن وجوب وجود الإحراق مثلا بعد وجود علّته التامّة ، فالإيجاب بمعنى إعطاء ضروريّة الوجود من شأن العلّة التامّة العقليّة ، فقالوا : مرادنا بأنّ الوجوب شرعي ومجعول للشارع أنّ للمولى في مقام الأمر حالتين.

الاولى : الإرادة المظهرة ، وهذه بمجرّدها لا يكفي في الإيجاب ، إذ ربّما يريد الإنسان بالإرادة الأكيدة التي يدعو الله بغاية التضرّع لإنجاحها صدور فعل من الغير ، لكن بإرادة منه من دون استناد إلى إرادته حتّى بنحو الداعي إلى الداعي ، بحيث يكون المراد مقيّدا بذلك ، ومن المعلوم عدم تحقّق الإيجاب حينئذ مع تحقّق الارادة التي هى غاية مراتب الشوق.

والثانية : بعث العبد وتحريك عضلاته وإيجاد الداعي في نفسه وتحميل الفعل عليه ، وفي هذه المرتبة المتحقّق في نظر الآمر هو الالتزام بالتصاق الوجود وارتباطه بحيث لا يتطرّق إليه العدم بماهيّة الفعل ، فهو في قوله : «أوجد كذا» قد ربط الوجود بكذا ، وهذا هو الإيجاب الشرعي الذي هو تتميم العلّة للوجود من قبله وسدّ باب العدم في نظره. وبعبارة بعض الأكابر : إيجاد بالعناية.

فقد اكتفوا في باب جعل الوجوب مع أنّه من شأن العلّة التامّة العقليّة بهذا المعنى الذي سمّوه بالوجوب الشرعي الذي هو وجوب الوجود بنظره ومن قبله ، ولم يرقّبوا منه تحقّق الوجوب العقلي حتى يصير من المحالات.

والمدّعى في المقام أنّه ما الفرق في هذه الجهة عند هؤلاء بين جعل الوجوب و

٥٢٠