أصول الفقه - ج ٢

آية الله الشيخ محمد علي الأراكي

أصول الفقه - ج ٢

المؤلف:

آية الله الشيخ محمد علي الأراكي


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسه در راه حق
الطبعة: ٠
الصفحات: ٧٥٢
  الجزء ١   الجزء ٢
  نسخة غير مصححة

ضمّ ما لا ربط له أصلا بما يكون له ربط.

ولكن يظهر منه قدس‌سره ارتفاع الإشكال بواسطة تعميم الأثر المرفوع إلى جميع الآثار ، وليت شعري هل بينه وبين القول المتقدّم الذي حكم بشططيّته فرق؟ وهل فرق بين أن يكون المرفوع خصوص المؤاخذة ، ويقال على هذا الفرض : إنّ المرفوع عن الامم السالفة خمسة من هذه الامور ، فصار المرفوع في هذه الامّة تسعة ، تلك الخمسة مع ضمّ أربعة اخرى ، وبين أن يكون المرفوع جميع الآثار من المؤاخذة وغيرها ويقال على هذا الفرض : إنّ المرفوع في حقّ الامم السالفة في هذه العناوين الخمسة أعني : ما لا يعلمون والخطاء والنسيان وما لا يطيقون وما اضطرّوا إليه كان خصوص المؤاخذة وحدها ، فصار في هذه الامّة جميع الآثار من المؤاخذة وغيرها ، فإنّ كلّا من الكلامين يكون من قبيل ضمّ الأجنبى إلى ما له الدخل ، وهو يمكن سوقه وتأديته بنحوين :

أحدهما صحيح والآخر غير صحيح.

فالصحيح أن يلاحظ المنّة في خصوص المتمّم أعني تتميم الخمسة بالتسعة أو الأثر الواحد بكلّ الآثار ، كأن يقال : إنّه وإن كان المقتضي للرفع لم يكن إلّا في خمسة أو في أثر واحد ، ولكن نحن جعلنا المرفوع تمام هذه التسعة أو جميع الآثار منّة ، وهذا الوجه يكون صحيحا.

والثاني : أن يكون النظر إلى الجميع بحيث كان كلّ واحد محطّا للنظر على وجه الاستقلال ، وهذا الوجه يكون قبيحا.

فالوجه الأوّل صحيح في كلا المقامين ، والثاني غير صحيح في كليهما ، فلا فرق بينهما أصلا ، ولا يخفي أنّ ظاهر الرواية هو المنّة بلحاظ كلّ واحد من العناوين ومن الآثار ، فلا جرم يكون القول بثبوت المنّة بلحاظ الجميع في كلا المقامين شططا من الكلام.

وحينئذ فالصحيح في الجواب هو الوجه الآخر الذي جعله قدس‌سره حاسما للإشكال وهو أنّ في رفع المؤاخذة بنفسه امتنانا ، أمّا في «ما لا يعلمون» فلأنّه كان

٦١

للشارع أن يوجب على المكلّفين الاحتياط فيها حتى يرتفع قبح المؤاخذة عليها ، فإنّ قبحه من جهة عدم البيان ، وإيجاب الاحتياط بيان ، فحيث ما أوجب صحّ أن يقال : أنّه رفع المؤاخذة منّة ، غاية الامر أنّ هذا يكون من باب الدفع لا الرفع ، وقد تقدّم أنّ الرفع أعمّ من الدفع.

فإن قلت : ينافي هذا منك ومن الشيخ العلامة مع ما سبق منك ويأتي منه قدس‌سره من إمكان الاحتياط الطريقي وأنّه لا محالة يكون نفسيّا ، فتكون العقوبة على مخالفته لا على مخالفة التكليف المجهول ، وظاهر الحديث كون المرفوع مؤاخذة نفس ما لا يعلمون.

قلت : يمكن الجمع بين المقامين بما يشهد به بعض كلماته قدس‌سره في المقام وهو أن يقال: إنّ احتمال التكليف الذي يعلم كونه على تقدير الثبوت اهتماميّا منجّز عند العقل كالعلم ، فيجب الاحتياط بحكم العقل وإرشاده ، فمقصوده قدس‌سره أنّه أمكن للشارع أن يوجّه تكليف «لا تشرب» مثلا على نحو يظهر كمال جديّته فيه واهتمامه به ، فيصير هذا سببا لاحتياط المكلّف بإرشاد عقله في موارد الشكّ ، لا بمعنى أنّ الحكم الواقعي يسري إلى حالة الشك حتّى يقال : إنّه محال ، بل بمعنى أنّه متى لاحظ نفس الحاكم مرتبة الشكّ فيه بلحاظ ثانوي لا يتمشّي منه الرخصة ، فإيجاب التحفّظ والاحتياط المذكور في كلامه ليس هو الإيجاب الشرعي ، بل الإرشادي العقلي ، فمعنى كون المنشأ بيد الشرع أنّ كيفيّة توجيه التكليف بيده.

وأمّا في الخطاء والنسيان ، فلأنّ بعض أفرادهما لا يكون استنادهما إلى اختيار من المكلّف في مقدّماتها ، وهذه لا إشكال في قبح العقاب عليها عقلا ، وبعض أفرادهما ممّا يكون استنادها إلى قدرة المكلّف واختياره في المقدّمات ، مثل تقصيره في التحفّظ لذكره السابق لينتفع به في مقام الحاجة في اللاحق ، وهذا لا يقبح العقاب عليه بعد إيجاب التحفّظ على المكلّف ويصحّ الامتنان على دفع المؤاخذة عليه بعدم إيجاب التحفّظ ، وإذن فيتعيّن بحكم العقل تخصيص الخطاء و

٦٢

النسيان في الحديث بخصوص القسم الثاني.

وأمّا في «ما لا يطيقون» فلأنّه ليس المراد به ما كان خارجا عن الطاقة عقلا مثل الطيران في الهواء ، بل المقصود هي الموارد التي يصدق هذا العنوان عرفا مع عدم صدقه عقلا ، مثل رفع اليد عن جميع المال الخطير والأهل والولد ، فانّه يقال عرفا : إنّه شيء لا يطاق ، وهذا ليس العقاب عليه قبيحا.

وأمّا في «ما اضطرّوا إليه» فلمثل ما تقدّم في سابقه ، فليس المراد الاضطرار العقلي مثل حركة يد المرتعش وسقوط من القي من الشاهق ، بل المراد هو ما يسمّى اضطرارا عرفا ، ولا نشكّ في أنّ من ارتكب عملا لخوف من هدّده بإبراز السيف وإيعاد القتل يعدّ في العرف مضطرّا إلى هذا العمل مع عدم ارتفاع الاختيار من يده بالمرّة : إذ أمكنه اختيار القتل والترك ، وكذلك من أقدم على أكل الميتة او بيع الدار لخوف تلف نفسه ومن يعيله يعدّ مضطرّا إليهما مع إمكان اختياره الموت ، ومن المعلوم عدم قبح العقاب في هذه الموارد ، هذا.

ثمّ اعلم أنّ بعضهم تمسّك لاختصاص الرفع بالمؤاخذة بأنّه يلزم تخصيص الكثير عند إرادة جميع الآثار ، لأنّ الآثار المرتّبة على الخطاء والنسيان الغير المرفوعة وكذا على أخواتهما كثيرة ، بل أكثر من المرفوعة.

وأجاب عنه شيخنا المرتضى بأنّه ناش عن عدم تحصيل معنى الرواية ، ثمّ قال : المراد رفع الآثار التي لم يلحظ في موضوعها عنوان الخطاء والنسيان وسائر الأخوات قيدا ، ولا ما اخذ فيه أضداد هذه الامور ، بل ما ثبت لنفس الذات المعرّاة عن هذه وأضدادها على نحو اللابشرط ، أمّا عدم إرادة ما اخذ في موضوعه أضداد هذه الامور فواضح ، وأمّا عدم إرادة ما اخذ في موضوعه أحد هذه الامور ، فقال شيخنا المرتضى قدس‌سره : لأنّه لا يعقل رفع هذه الآثار ، وما زاد على هذا شيئا.

وقال المحقّق الخراسانى في بيانه : إنّ كون هذه الامور موضوعات للرفع كما هو مفاد الحديث ينافي مع كونها موضوعات نفس الآثار ، لأنّ موضوع الأثر

٦٣

يقتضي وضعه ، فلا يمكن أن يكون مقتضى وضع الشيء مقتضيا لرفعه ، هذا ما أفاده.

وأفاد شيخنا الاستاد دام ظلّه : إنّ هذا إنّما يصحّ لو كان الرفع بالنسبة إلى جميع العباد ، وأمّا اذا لوحظ بالنسبة إلى خصوص هذه الامّة فمن الممكن تعلّق الرفع بآثار نفس هذه العناوين الثابتة لها مع قطع النظر عن أمّة دون أمّة ، لا بمعنى أن يكون مقتضى الوضع مطلقها ، ومقتضى الرفع مقيّدها بالإضافة إلى هذه الأمّة ، بل بمعنى أنّ مقتضى الرفع نفس الإضافة نظير الكراهة في الصلاة في الحمام ، وحينئذ فليس ذلك أمرا غير معقول.

نعم إذا اسند الرفع إلى هذه العناوين فالظاهر رفع آثار المعنونات بها لا آثار نفسها ، ولكن يمكن في خصوص المقام بملاحظة وقوع الحسد وأخويه في رديفها ، والمرفوع فيها آثار نفسها لا شيء آخر أن يقال : إنّ الملحوظ هو الجامع بين آثار هذه العناوين والمعنونات ، أمّا إرادة آثار العناوين فبقرينة عطف المذكورات ، وأمّا آثار المعنونات فبشهادة صحيحة البزنطى ، ولا يستلزم الجمع بين اللحاظين ، أعني لحاظي الإطلاق والتقييد ، فإنّ آثار هذه العناوين مرتّبة على الفعل المقيّد وآثار الذات على المطلق ؛ إذ يمكن تجريد النظر عن كلتا الخصوصيتين ، بأن يقال : الأثر المتعقّب للرقبة المؤمنة مثلا سواء كان لأجل الرقبة أم لأجل الذات ووصف الإيمان يكون كذا مثلا وإن كان يلزم ذلك في دليل وضع هذين الأثرين ، وأمّا هنا فالحكم هو الرفع وهو مرتّب على المقيّد بلحاظ القيد لا المطلق ، وأمّا الوضع المستكشف منه فلم يتعرّض القضيّة إلّا للإشارة إليها بعد الفراغ عن الثبوت من دون تعيين لمحلّ الثبوت وأنه المطلق أو المقيّد ، فيقال : الآثار التي يترتب عقيب الشيء المستكره عليه مثلا مرفوعة ، سواء كانت آثارا للذات أم لها مع القيد.

ثمّ ليعلم أنّ المراد الآثار المناسبة للمنّة ، فالآثار الغير المناسبة لها ليست مرفوعة عن هذه العناوين ، مثلا أكل الميتة عند الاضطرار يناسب المنّة رفع أثره وهو الحرمة ، وكذلك الجزء المنسيّ في الصلاة مثلا يناسب المنّة رفع أثره وهو

٦٤

عدم إجزاء الصلاة ، وأمّا بيع المضطرّ لداره مثلا فلا منّة في رفع أثره وإبطاله ، فلهذا لا تدلّ الرواية على البطلان فيه ، بخلاف بيع المكره ، فإنّ إبطاله موافق للمنّة.

وعلى كلّ حال فبناء على إرادة عموم الآثار لو نسي جزءا من أجزاء الصلاة فلم يأت به مثل ما لو نسي قراءة الحمد فتذكّر بعد الفراغ فالمنسيّ هو نفس الحمد وأثره الجزئيّة ، والمفروض شمول الحديث للآثار الوضعيّة أيضا ، فيكون بمقتضى عموم الحديث جزئيّة الحمد عند نسيان الحمد مرفوعة ، بمعنى أنّ الصلاة المطلوب من شخص ناسي الحمد مثلا واقعا ليس من أجزائها الحمد ، كما يكون المطلوب من شخص المتذكّر الصلاة المركّبة من الحمد وسائر الأجزاء ، فيلزم التنويع بحسب الواقع في الصلاة المطلوبة بحسب اختلاف الأشخاص ذكرا ونسيانا ، كما يكون التنويع بين نوعي الحاضر والمسافر ، فلا جرم يبتني هذا على إمكان مخصوصيّة الناسي بالخطاب وعدمه على ما يأتي إن شاء الله تعالى تفصيله في آخر البراءة.

وملخّصه أنّ شيخنا المرتضى ذهب إلى عدم إمكان جعل الخطاب مخصوصا بهذا العنوان ، فإنّ فائدة الخطاب هو تحريك المخاطب ، والتحريك إنّما يكون بعد التفات المخاطب إلى تحقّق العنوان في نفسه ، مثلا خطاب «قصّر الصلاة» المعلّق على عنوان المسافر إنّما يصير محرّكا إذا التفت المكلّف إلى طروّ عنوان المسافر على نفسه ، وهذا المعنى لا يتحقّق في هذا العنوان ، فإنّ المكلّف بعد طروّ هذا العنوان عليه لو التفت إلى طروّه على نفسه لزال العنوان عنه ولا يمكن بقاؤه بعد الالتفات ، مثلا ناسي الحمد لو التفت إلى كونه ناسي الحمد خرج عن حالة النسيان إلى التذكّر.

نعم ربّما يكون الإنسان ناسيا للحكم ويلتفت إلى أنّه ناس لحكم ، ولكن ذلك إنّما يتحقّق في ما إذا تحقّق العلم بالإجمال وحصل النسيان في تفصيله بأن يكون عالما إجمالا بوجود حكم في حقّه ، ولكن نسي تفصيله ، وأمّا نسيان أصل الحكم فلا يمكن بقاءه مع الالتفات إليه.

٦٥

فلهذا يلغو تخصيص الخطاب بهذا العنوان ، ولهذا جعل شيخنا الأصل في جزئيّة الأجزاء ومانعيّة الموانع وشرطيّة الشروط هو ثبوتها في حقّ جميع المكلّفين من غير فرق بين المتذكّر والناسى ، فحكم في مسألة الخلل الواقع في الصلاة الملتفت إليه بعدها بأنّ الأصل فيه لزوم الإعادة والقضاء.

وذهب الميرزا الشيرازي قدس‌سره إلى إمكان تخصيص الناسى بالخطاب ، وتقريره أنّه يمكن بوجهين ، أحدهما غير واقع في الشرع ، والآخر ممكن الوقوع ، فالأوّل : أن لا يجعل الخطاب معلّقا على نفس هذا العنوان ليلزم ارتفاعه بالالتفات إليه ، بل يجعل معلّقا على عنوان آخر ملازم معه حتّى لا يلزم من الالتفات إليه ارتفاع ذلك العنوان ، مثل أن يكون عنوان بلغميّ المزاج ملازما وجودا وعدما مع عنوان الناسي ، فيقال : يجب على البلغمي كذا مثلا ، ولكن هذا لم يقع في الشرع.

والثاني : أن يجعل معلّقا على نفس عنوان الناسي ، ولكن يقال : يكفي في فائدة هذا الخطاب أنّه إذا التفت المكلّف إلى هذا العنوان قبل العمل فهو لا يعلم بعدم طروّه عليه في أثنائه ، ولا بطروّه ، بل يحتمل الأمرين ، فلهذا يأتي بالعمل بداعي الأمر الواقعي ويقصد أنّه إن كان من المتذكّر في الأثناء فداعيه الأمر المتوجّه إلى المتذكّر وإن كان من الناسي في الأثناء فداعيه الأمر المتوجّه إلى الناسي ، ثمّ لو حصل منه النسيان في الأثناء اتّفاقا فيلزم حينئذ إجزاء عمله وسقوط الإعادة والقضاء عنه ، لأنّ المفروض أنّه أتى بالعمل الذي كان واجبا عليه بقصد أمره بدون خلل فيه.

وبالجملة ثبوت الفائدة لهذا الخطاب بالنسبة إلى الملتفت قبل العمل يكفي في الخروج عن اللغويّة.

وحينئذ فعلى القول الأوّل لا بدّ في الصورة المزبورة أعني نسيان موضوع الجزء مثل الحمد ، من القول بأنّ المرفوع ليس هذا الأثر أعني الجزئيّة ، للزوم مخصوصيّة الناسي بالخطاب ، والمفروض عدم إمكانه ، فلا بدّ من القول بأنّ الجزئيّة باقية وأنّ المرفوع هو المؤاخذة المترتّبة على عدم إتيانه مع عدم الإعادة والقضاء.

٦٦

وعلى القول الثاني فالمرفوع نفس الجزئيّة ، ويلزم التنويع في الخطاب وعدم الجزئيّة واقعا في خصوص ناسي الحمد ، ويؤيّد ذلك الروايات الدالّة على إجزاء الصلاة مع نسيان بعض الأجزاء ، مثل قوله عليه‌السلام : لا تعاد الصلاة إلّا من خمسة ، الطهور والوقت والقبلة والركوع والسجود ، فإنّها على هذا حكم على وفق القاعدة بخلاف مبنى الشيخ ، فانّه يحمل هذه الأخبار على الحكم التعبّدي الوارد على خلاف القاعدة ، وأنّ عدم لزوم الإعادة من باب العفو والإسقاط عن المكلّف ما كان واجبا عليه.

فإن قلت : غاية ما يدلّ عليه الحديث نفي فعليّة الجزئيّة عن الجزء المنسى ، إذ هو المناسب للامتنان دون اقتضائها ، وحينئذ فيصدق الفوت فيجب القضاء ، لقوله : «من فاتته فريضة فليقضها».

قلت : بل يدلّ الحديث على رفع الاقتضاء أيضا ومناسبته للمنّة بعد ترتّب سقوط القضاء عليه واضح.

هذا كلّه في نسيان موضوع الجزء أو المانع ، مثل ما لو صلّى في جزء غير مأكول اللحم ناسيا كونه جزء غير مأكول اللحم.

وأمّا النسيان والجهل في أصل الجزئيّة والمانعية الذي هو حكم كلّى مثل نسيان أنّ الحمد جزء للصلاة ، أو أنّ وبر غير المأكول مانع ، أو الجهل بهما ، فيتعيّن القول فيه بعدم رفع نفس الجزئيّة والمانعيّة ، لا لعدم معقوليّة تخصيص الخطاب بالناسي ، بل لأجل لزوم تقييد وجود الجزئيّة والمانعيّة بقاء بالعلم بهما ، وأنّه بدون العلم لا جزئيّة ولا مانعيّة ، وهذا وإن لم يستلزم الدور لإمكان كون العلم بالحدوث موجبا للبقاء ، والشكّ في الحدوث مزيلا للبقاء ، لكنّك عرفت سابقا أنّه خلاف ظاهر تعليق الرفع على ما لا يعلمون ، حيث إنّه ظاهر في بقاء هذا الوصف في ظرف الحكم ، مضافا إلى كون ما ذكر تصويبا مجمعا على بطلانه.

وهذا بخلاف كون العلم داخلا في موضوع محمول كما في صورة الجهل بموضوع المانع، حيث إنّ ارتفاع المانعيّة واقعا عن الوبر الغير المعلوم كونه من غير

٦٧

المأكول يوجب تخصيص أدلّة مانعيّة أجزاء الغير المأكول بالأجزاء المعلومة كونها من غير المأكول ، فإنّه غير مستلزم لشيء من المحذورين.

وبالجملة ، ففي صورة نسيان الجزئيّة والمانعيّة وجهلهما لا بدّ من كون المرفوع آثارهما لا نفسهما ، فيكون الجزئيّة والمانعيّة ثابتتين في حقّ الناسي والشاك ، ولكن أثرهما وهو العقوبة على الترك ما دام شاكّا مرفوعة ، فإذا ارتفع الشكّ وجب الإعادة والقضاء بقضيّة الجزئيّة والشرطيّة.

وممّا يحتجّ به للاصوليين صحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج في من تزوّج امرأة في عدّتها؟ «قال : أمّا إذا كان بجهالة فليزوّجها بعد ما ينقضي عدّتها ، فقد يعذر الناس في الجهالة بما هو أعظم من ذلك ، قلت : بأيّ الجهالتين أعذر ، بجهالته أنّ ذلك محرّم عليه أم بجهالته أنّها في العدّة؟ قال : إحدى الجهالتين أهون من الاخرى ، الجهالة بأنّ الله حرّم عليه ذلك ، وذلك لأنّه لا يقدر معها على الاحتياط ، قلت : فهو في الاخرى معذور؟ قال : نعم ، إذا انقضت عدّتها فهو معذور في أن يتزوجها» حيث إنّه حكم فيه بالعذر في الشبهة الحكميّة وهو الجهل بحرمة التزويج في العدّة ، والموضوعيّة وهو الجهل بكون المرأة في العدّة مع العلم بأصل الحكم ، بل جعل العذر في الحكميّة أقوى منه في الموضوعيّة ، هذا.

ولكن هنا إشكالان من جهة فقه الحديث وفهمه :

أحدهما أنّ الحكم بالبراءة والعذر في الشبهة الحكميّة في مفروض الرواية محلّ إشكال حتّى عند الاصولي ، فإنّه يخصّص ذلك بالشكّ بعد الفحص ، والحكم المذكور أعنى حرمة تزويج ذات العدّة ، لكونه من الواضحات بين المسلمين لا يتحقّق بحسب الغالب فيه الشكّ بعد الفحص ، لعدم بقاء الشكّ بعده وزواله ، فالشكّ فيه غالبا لا يكون إلّا قبل الفحص ، وإنّما ذكرنا ذلك لئلا يقال : يمكن تقييد إطلاق الحكم بالعذر في الحكميّة بما بعد الفحص ، فإنّه تقييد بفرد نادر وإلّا أمكن التقييد ، كما يتقيّد الحكم بالعذر في طرف الموضوعيّة بصورة عدم سبق الشكّ بالعلم بكونها في العدّة ، حيث إنّه مع ذلك لا مجرى للبراءة ، بل للاستصحاب.

٦٨

بل يمكن أن يقال مع عدم سبق العلم بالعدّة أيضا ـ حيث إنّ العدّة ليست إلّا أمرا حادثا ـ إنّ المرجع استصحاب عدمها الأزلي ، فيكون وجه المعذوريّة حينئذ هو الاستصحاب ، كما أنّها في صورة قول المرأة بناء على حجيّة قولها أو أمارة شرعيّة اخرى مستندة إلى قيام تلك الأمارة ، والرواية بإطلاقها لجميع هذه الصور حكمت باستناد المعذوريّة إلى الجهالة ، إلّا أن يقال : إنّ الفروض المذكورة خارجة عن عنوان الجهالة ، لأنّه عالم بالعدّة في بعضها بالأصل وفي بعضها بالأمارة ، فتحمل الرواية على صورة الغفلة عن الاستصحاب ، فإنّ وجود الحكم الاستصحابيّ بواقعه لا يصير عذرا.

والإشكال الثاني : أنّ الجهل إن كان المراد به في الموضعين هو الغفلة فكلا الجهلين مشتركان في عدم إمكان الاحتياط وإن كان المراد به في كليهما هو الشكّ والتردّد فهما مشتركان في إمكان الاحتياط ، وإن كان المراد به في كليهما هو الأعمّ من الغفلة والتردّد فكلاهما أيضا مشتركان في عدم الإمكان مع الغفلة والإمكان مع التردّد ، وأمّا كون المراد في خصوص الجهل بالحكم هو الغفلة وفي الجهل بالموضوع هو التردّد فهو خلاف الظاهر ؛ لأنّ الظاهر اتّحاد المراد بلفظ الجهالة في الموضعين.

وقد يقال (١) في دفع هذا الإشكال بأنّ اللفظ مستعمل في المقامين في معنى واحد وهو الجامع بين الغفلة والتردّد أعني عدم العلم ، ولكن مصداق هذا المعنى الواحد في الجهل الحكمي منحصر في الغالب في الغفلة ، لما مرّ من أنّ الحكم واضح بين المسلمين ، والجهل بمثل هذا لا يحصل إلّا على نحو الغفلة ، وإلّا فمع الالتفات لا يحصل الجهل ، بل يصير معلوما ، مثل وجوب الصلاة في هذه الشريعة ،

__________________

(١) نقل الاستاد دام بقاه عن حجّة الإسلام صدر الاصفهانى طاب ثراه أنّ هذا الوجه من الميرزا الشيرازى ، وأنّه بعد التأمّل يعلم أنّه حقّ معنى الرواية وأطرى في توصيفه ونقله آقا رضا الهمدانى في حاشيته على الرسائل أيضا. منهقدس‌سره الشريف.

٦٩

فإنّه يمكن الجهل به على وجه الغفلة ، وأمّا على وجه الالتفات والتردّد فغير ممكن ، فإنّه لكثرة وضوحه بين المسلمين لا ينفكّ الالتفات إليه غالبا عن العلم به ، نعم قد يجامع مع العلم بالخلاف ، ولكنّه فرد نادر.

وهذا بخلاف الجهل الموضوعي ، فالغالب فيه كون الجهل فيه على وجه التردّد بمعنى أنّ من كان ملتفتا وعالما بأصل حكم حرمة تزويج ذات العدّة فهو عند إرادة تزويج امرأة مخصوصة قلّما يتّفق أن يغفل عن حيث كونها في العدّة وعدمه ، بل غالبا يكون ملتفتا ، فجهله يكون بنحو التردّد ، وإذن فالحكم في كلّ من الموضعين منزّل على الفرد الغالب ، فلهذا علّل أهونيّة الجهل في الحكم من الجهل في الموضوع وأقوائيّة العذر في الأوّل من الثاني بعدم إمكان الاحتياط في الأوّل وإمكانه في الثاني.

ولكن يرد على هذا أنّ من كان ملتفتا وعالما بحرمة تزويج ذات العدّة فيريد تزويج امرأة يكون هو متردّدا في كونها في العدّة وعدمه ، فلا ينفكّ غالبا عن التفتيش عن حال الزوجة لإمكان رفع هذا التردد بسهولة ، فإنّه وإن كان التزويج مع هذا الترديد مباحا تكليفيّا ، ولكنّ الأثر العمدة في التزويج وهو حصول العلاقة وعدم حصول البينونة الأبديّة محلّ للاهتمام والتفتيش عن جهاته وأسبابه ، وبعبارة اخرى : كما أنّ التكليف محلّ الاهتمام ، كذلك الوضع ، ولا يمكن الاكتفاء فيه بالشكّ وإن كان يمكن في التكليف ، ففرض عدم الاعتناء أو عدم العثور بما يرفع الشكّ ولو ظاهرا فرض نادر.

إلّا أن يقال : إنّ مرجع ما ذكر إلى أنّ الغالب رفع الجهل بالعدّة بالتفتيش ، فلم يحمل لفظ الجهل على فرده النادر ، بل هو نفسه نادر.

وبعبارة اخرى : فرق بين التنصيص بالفرد النادر وبين التخصيص أو التقييد به ، والمستبشع هو الثاني ، وما نحن فيه من الأوّل.

فإن قلت : يمكن أن يعتمد على قول الزوجة بانقضاء عدتها ، فإنّهن مصدّقات بالنسبة إلى مثل ذلك ، ثمّ تبيّن كون إخبارها كذبا ووقوع التزويج في العدّة.

٧٠

قلت : إن كان هذا الكذب عن تعمّد من الزوجة فالتزويج وإن لم يكن محرّما على الزوج ، ولكن يكون حراما على المرأة ، وقوله عليه‌السلام في الرواية : «فليزوّجها بعد انقضاء عدّتها» يظهر منه رفع المانع من كلا الجانبين لا من طرف الرجل فقط ، وإن كان كذبها في الإخبار عن اشتباه منها ، فالحكم بجواز التزويج وإن كان صحيحا لكن كان ينبغي حينئذ عدم سوقه بوجه الإطلاق ، بل تخصيصه بصورة الاشتباه ، والمفروض خلاف ذلك وصدوره مطلقا ، وتقييد إطلاقه بصورة الاشتباه أيضا تقييد بارد ، هذا.

مضافا إلى ما مرّ من أنّ المعذوريّة حينئذ ليست للجهل ، بل لأجل الحجّة الشرعيّة ، ومفروض الرواية كون العذر مستندا إلى الجهل.

ويمكن توجيه الرواية على وجه آخر يسلم من الإشكالين وهو أن يكون المراد بالجهالة في الموضعين هو الغفلة كما هو الظاهر من هذه اللفظة ، بخلاف لفظ الجهل ، فقولك : فعل فلان كذا بجهالة ، يعنى لا عن شعور والتفات ، ثمّ يقال : إنّ نظر السائل إلى الجهل بجهتين من الحكم ، لا إلى الجهل بالحكم والموضوع ، يعنى أحدهما سؤال عن الغفلة عن التكليف سواء نشأت عن غفلة الموضوع أم الحكم ، والآخر عن الغفلة من الوضع الناشئة من غفلة الموضوع ، لا أنّ كليهما سؤال عن جهل التكليف باعتبار قسميه من الحكمي والموضوعي ، فإنّ لتزويج ذات العدّة أثرين ، أحدهما التحريم التكليفي المستتبع للعقاب وهو لنفس عمل التزويج ، والآخر أثر وضعي موضوعه المرأة وهو حرمتها الأبديّة على المزوّج وخروجها عن قابليّة الدخول في حبالة نكاحه.

فغرض السائل أنّ الشخص الغافل كان غافلا بأنّ عمله وهو التزويج محرّم عليه تكليفا إمّا من باب الغفلة الحكميّة أو الموضوعيّة ، وغافلا بأنّ المرأة في العدّة ـ يعنى بنحو الغفلة الموضوعيّة ـ باعتبار أثره الوضعي وهو الحرمة الأبديّة الوضعيّة ، فهو بأي من هاتين الجهالتين أعذر.

وتوضيح جواب الإمام أنّ الجهالة بالحكم التكليفي أهون ، وعذرها أقوى ،

٧١

فإنّ الاحتياط فيها غير ممكن ؛ لأنّ العمل قد مضى وفات ، ولا يمكن تدارك حرمته بعد وقوعه ، فهو أولى بأن يرفع أثرها وهو العقاب ، وأمّا الجهالة بأنّها في العدّة يعنى بالحرمة الأبديّة فهي ممكن فيها الاحتياط بأن يتجنّب عن تزويج الزوجة بعد ذلك ـ يعنى عند الالتفات والخروج عن الغفلة ـ فهو أقرب بأن لا يكون عذرا ويحكم بالحرمة الأبديّة بعد ذلك ، ولكنّه مع ذلك معذور فيه أيضا ، فله أن يتزوّجها بعد انقضاء عدّتها.

والشاهد على كون المراد بجهالة أنّها في العدّة هو الجهل باعتبار الأثر الوضعي دون التكليفي قول الإمام جوابا لقول الراوي : «فهو في الاخرى معذور؟ : نعم إذا انقضت عدّتها فهو معذور في أن يتزوّجها» فإنّ الظاهر من الجواب أنّه كان غرض السائل متعلّقا بالحرمة الأبديّة ، يعنى أنّه في جهالته بأنّها في العدّة وحرام عليه أبدا معذور ، فلا يثبت في حقّه الحرمة الأبديّة ، فيجوز له التزويج بعد الانقضاء أو لا؟.

وقد يستدلّ على البراءة في الشبهة الحكميّة بالحديث الشريف : «كلّ شىء فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتّى تعرف الحرام منه بعينه».

تقريب الاستدلال أنّ معنى قوله «فيه حلال وحرام» أنّه كان فيه احتمال الحليّة واحتمال الحرمة ، وكان صالحا لأن يكون حلالا وأن يكون حراما ومردّدا بينهما ، فكلّ شىء كان هكذا كان محكوما بالحليّة بمقتضى قوله : فهو لك حلال ، وهذا شامل للشبهة في الحكم الكلّي وللشبهة في الحكم الناشئة من قبل الموضوع ، فلحم الحمير الذي يكون فيه احتمال الحرمة والحليّة ويكون شبهة حكميّة داخل في هذا الحكم ، واللحم الخاص الذي نشكّ أنّه حلال أو حرام للشكّ في كونه من المذكّى أو الميتة الذي يكون شبهة موضوعيّة أيضا داخل فيه ، هذا.

وقد استشكل شيخنا المرتضى قدس‌سره على هذا التقريب بأنّ الترديد خلاف ظاهر الرواية، وإنّما ظاهرها التقسيم ، بمعنى أنّ الظاهر من قوله : «فيه حلال وحرام» أن يكون القسم الحلال والقسم الحرام فيه موجودين فعلا ، بحيث صحّ تقسيمه إلى الحلال والحرام ، لا أن يكون القسمان غير موجودين فيه فعلا ،

٧٢

ولكن صحّ أن يقال : هو إمّا حلال وإمّا حرام ، فإنّ هذا خلاف ظاهر «فيه حلال وحرام» وإذن فإمّا يراد به التقسيم الخارجي وإمّا التقسيم الذهني.

فإن كان المراد هو التقسيم الخارجي بأن يكون في الخارج منقسما إلى القسمين فيكون مورد الرواية هو المجموع من حيث المجموع الذى كان فيه الحلال والحرام مختلطين ، مثل أموال الإنسان إذا مزج بمال غيره واختلط الحلال بالحرام ، فإنّه شيء يكون القسم الحلال والقسم الحرام موجودين فيه في الخارج فعلا ، وعلى هذا يكون مدلول الرواية حكما بالحليّة في الشبهة المحصورة المقرونة بالعلم الإجمالي في الموضوعات ، غاية الأمر خرج مقدار القطع بالمخالفة عقلا.

وإن كان المراد هو التقسيم الذهني كان مورد الرواية هو الجنس والكلّي الذي اندرج تحته بحسب الذهن قسم حلال وقسم حرام فعلا وإن لم يصحّ تقسيمه إليهما بحسب الخارج، فجنس اللحم يصحّ تقسيمه في الذهن إلى القسم الحلال الفعلي وهو المذكّى ، والقسم الفعلي الحرام وهو الميتة ، فهذا الجنس الذي اندرج تحته القسمان في الذهن يكون في الخارج حلالا حتى يعرف كونه من الميتة ، فاللحم المشتبه كونه حلالا أو حراما للشكّ في اندراجه تحت المذكّى أو الميتة يكون حلالا حتّى يعرف كونه من الميتة.

وبالجملة ، فعلى هذا يكون مورد الرواية هو الشكّ في الاندراج تحت أحد القسمين الثابتين للكلّي في الذهن معيّنا ، فيكون مدلولها حكما بالحليّة في الشبهة الموضوعيّة ، وإذن فتكون الشبهة الحكميّة التي هي محلّ الكلام خارجا عن موضوع الرواية على كلا التقديرين ؛ إذ على الأوّل منهما يكون مخصوصا بالشبهة المقرونة بالعلم من الشبهة الموضوعيّة ، وعلى الثاني منهما يكون مخصوصا بالشبهة الموضوعيّة الابتدائيّة ، هذا

وقد يقال لتصحيح تعميم موضوع الحديث للشبهة الحكميّة بأنّا نختار الشقّ الثانى وهو أن يكون المراد هو التقسيم الذهنى ، ولكن نقول : الجنس الذى تحقّق

٧٣

له بحسب الذهن قسمان فعلا ، أحدهما حلال والآخر حرام إذا فرض انّ له قسما ثالثا كان هو مشكوك الحكم ، فلا إشكال في كون هذا الجنس محكوما بالحليّة إذا تحقّق في هذا القسم الثالث بمقتضى عموم الحديث.

مثلا جنس اللحم يكون له قسم حلال وهو لحم الغنم ، وقسم حرام وهو لحم الخنزير، وله أيضا قسم ثالث وهو لحم الحمار ، فهذا الجنس إذا تحقّق في لحم الحمار أيضا يكون محكوما بالحليّة ؛ لأنه جنس يكون فيه فعلا بحسب الذهن قسم حلال وقسم حرام ، فيندرج تحت قوله : «فهو لك حلال» ولا شكّ أنّ الشبهة في لحم الحمار حكميّة ، فإذا عمّ الحديث هذه الشبهة الحكميّة أعني ما كان قسما ثالثا للقسم الحلال والقسم الحرام تمّ المدّعى في غير هذا المورد مثل شرب التتن بعدم القول بالفصل.

وقد استشكل شيخنا المرتضى قدس سرّه على هذا التقرير إشكالين :

الأوّل : أن التقييد في الحديث بقوله : «فيه حلال وحرام» يكون فيه الشبهة الحكميّة لغوا ، لأن عدم لغويّة القيد إمّا لكونه دخيلا في الموضوع أو في الحكم ، وهذا القيد ليس له دخل في الشبهة الحكميّة لا في الموضوع ولا في الحكم ، فإنّ الموضوع هو الكلّي المشكوك الحكم ، والحكم هو الحليّة الظاهريّة ، أمّا عدم دخله في الموضوع فلأنّ الشبهة في حكم لحم الحمار مثلا ليست ناشئة عن وجود لحم الغنم الحلال ولحم الخنزير الحرام ، وإنّما منشأها عدم وجود النصّ لا على حرمة لحم الحمار ولا على حلية ، فلو كان كلا من لحمي الغنم والخنزير حلالا أو كلا منهما حراما كان هذا الشكّ أيضا ثابتا ، وأمّا عدم الدخل في الحكم فلأنّ حليّة لحم الحمار ظاهرا لا يرتبط بحليّة لحم الغنم وحرمة لحم الخنزير فإن ، الأوّل موضوع وراء ذينك الموضوعين ، فلا يرتبط حكمه بحكمهما ، ولا دخل لحكمهما في حدوث حكمه أصلا وهذا بخلاف الشبهة الموضوعيّة ، فإنّ التقييد المذكور لا يكون فيها لغوا ، لكونه دخيلا في الموضوع ، فإنّ الشكّ في حرمة اللحم الخاص وحليته إنّما هو ناش عن كون مطلق اللحم ذا قسمين ، قسم حلال وهو المذكّى وقسم

٧٤

حرام وهو الميتة وعدم العلم في اندراج هذا الخاصّ في أحد القسمين.

والاشكال الثاني : أنّه قد جعل في الحديث غاية الحلّ عرفان الحرام ، فيلزم في الشبهة الحكميّة على التقرير المذكور أن يكون عرفان الحرام في قسم موجبا لرفع الحليّة عن قسم آخر، فيكون لحم الحمار حلالا حتى تعرف الحرمة في لحم الخنزير.

والحقّ اندفاع كلا الإشكالين ، أمّا الأوّل فلأنّ التقييد المذكور لا يكون لغوا ، لكونه دخيلا في الموضوع ، وذلك لأنّ الشبهة في لحم الحمار مثلا وإن كانت كما ذكر ناشئة عن عدم النصّ ، لكن لا ينافي هذا أن يكون منشأها وجود القسمين الحلال والحرام ، فإنّه لو كان النصّ على حليّة كلّ لحم موجودا لما يكن شكّ في حليّة لحم الحمار ، ولو كان النصّ على حرمة كلّ لحم موجودا لم يكن شكّ في حرمة لحم ، ولكن لمّا لم يكن شىء من هذين النّصين وإنّما صار بعض اللحوم حراما وبعضها حلالا فهذا أوجب الشكّ في حكم لحم الحمار.

فهذا نظير ما يقال في العرف : لو كان كلّ أفراد الإنسان أمينا لما شككت في أمانة هذا الشخص ، ولو كان كلّ أفراده خائنا ما شككت في خيانة هذا الشخص ، ولكن لمّا كان أفراده مختلفة فبعضها أمين وبعضها خائن فلا جرم شككت في أمانة هذا الشخص وخيانته وهذا مطلب صحيح عرفي.

فإن قلت : وجود الحلال والحرام قد يكون في الحكميّة منشئا وقد لا يكون.

قلت : في الموضوعيّة أيضا كذلك ، فليس الشكّ فيها دائما مستندا إلى وجود القسمين ؛ إذ كثيرا ما يتّفق الشكّ لتردّد الشيء بين أمرين وقعا بخصوصيتهما موضوع الحكم، لا أنّ الجامع صار بهذه الخصوصيّة محكوما بالحلّ وبالاخرى بالحرمة ، مثلا الموضوع المردّد بين الخبز الحلال والبطّيخ الحرام من هذا القبيل ، فإنّه لم يجعل الجامع بين الخبز والبطّيخ موضوعا للحلّ بخصوصيّة الخبزيّة ، وللحرمة بخصوصيّة البطيخيّة ، لا نقول : ليس بينهما جامع عقلا ، بل نقول : إنّ العرف يحكم أنّ الخبز موضوع محكوم بالحلّ والبطّيخ موضوع آخر محكوم بالحرمة ، فهذا القسم من الشبهات الموضوعيّة غير مشمول للحديث ، فكما يكتفي

٧٥

بالمنشئيّة الأحيانية في الموضوعيّة فليكتف بها في الشبهة الحكميّة.

وحينئذ فيمكن أن يقال : إنّ هذا قرينة على عدم إرادة التقسيم الذهني ، والحمل على الترديد أيضا بعيد ، فيتعيّن في التقسيم الخارجي والحمل على موارد الشبهة المحصورة الموضوعيّة.

وأمّا الإشكال الثاني فهو بناء على حمل الرواية على التقسيم الذهني مشترك الورود بين الشبهة الحكميّة والموضوعيّة ، فما كان دفعه في الثانية كان دفعا له في الاولى ، والحال أنّه يظهر من شيخنا قدس‌سره سلامة الشبهة الموضوعيّة عن هذا الإشكال ، أمّا وروده في الشبهة الموضوعيّة فلأنّا نقول : هذا الجنس أعني اللحم الذي له قسم حلال وقسم حرام في الذهن أحدهما المذكّى والآخر الميتة يكون بجميع أفراده حلالا حتّى يعرف في فرد واحد منه أنّه من لحم الميتة ؛ إذ حينئذ فقد صدق أنّه قد عرف الحرام من هذا الجنس بعينه ، فتكون الحليّة مرتفعة عن سائر الأفراد المشتبهة ، فيلزم أن يكون جميع الأفراد حلالا إلى أن يعرف الحرمة في واحد منها.

فإن قلت : إنّ عرفان الحرمة في فرد واحد ليس إلّا غاية للحلّ في هذا الفرد الذي عرفت حرمته دون الفرد الآخر الذي لم يعرف حرمته.

قلنا بمثل ذلك في الشبهة الحكميّة أيضا ، فنقول : إنّ عرفان الحرمة في لحم الخنزير ليس إلّا غاية للحلّ بالنسبة إلى هذا القسم المعروف حرمته ، دون لحم الحمار الذي لم يعرف حرمته ، وبالجملة ، إن كان المراد بعرفان الحرمة الذي جعل في الحديث غاية للحلّ حقيقة عرفان جنس الحرام حتّى يكون صادقا على فرد واحد كان الإشكال مشترك الورود على كلتا الشبهتين ، وإن كان المراد أنّ عرفان الحرمة في كلّ شيء ليس إلّا غاية للحلّ بالنسبة إلى هذا الشيء دون غيره كان الإشكال غير وارد في كلتا الشبهتين ، ولكن حيث إنّ الظاهر هو إرادة عرفان جنس الحرام الصادق على فرد واحد كان الإشكال واردا على كلتيهما ، فلا بدّ في دفعه عن كلتيهما.

فنقول : إنّ عرفان الحرام غاية للقضيّة الاستغراقيّة بوصف كونها استغراقيّة ،

٧٦

فمعنى الحديث أنّ الجنس الذي هو اللحم المنقسم في الذهن إلى القسم المذكّى والقسم الميتة يكون بجميع أفراده حلالا ، فكلّ فرد منه سواء كان ميتة واقعا أم مذكّى واقعا فهو حلال ، وكذلك جنس اللحم الذي له قسمان أحدهما لحم الغنم والآخر لحم الخنزير ، وله قسم ثالث وهو لحم الحمار ، فهو بجميع أقسامه يكون حلالا سواء كان من القسم الحلال واقعا ، أم من القسم الحرام حتّى يعرف الحرمة في فرد واحد على الأوّل ، أو في قسم واحد على الثاني ، فحينئذ يكون هذا الحكم العام الاستغراقي الاستيعابي وهو حليّة كلّ فرد أو كلّ قسم مرتفعا ، وهذا لا إشكال فيه ؛ إذ لا إشكال في أنّه بعد معرفة الحرمة في الفرد الواحد أو القسم الواحد لم يبق هذا الحكم العام بعمومه.

وإذن فبناء على حمل الرواية على التقسيم الذهنى ، فدلالتها على البراءة في الشبهة الحكميّة تامّة ، غاية الأمر يكون موردها خصوص الشبهة الحكميّة التي كان له قسم حلال وقسم حرام ، ولم يكن القسم الحرام بعد معروفا ، فيتمّ في غير هذا وهو ما لم يكن له قسم حلال وقسم حرام وما كان له ذلك بعد عرفان الحرام بعدم القول بالفصل.

ولكنّ الشأن في إثبات ظهور الرواية في التقسيم الذهني دون الخارجي وهو غير معلوم ، بل الظاهر منها لا يبعد أن يكون هو التقسيم الخارجي بقرينة ذكر لفظة «بعينه» فإنّه مناسب للشبهة المحصورة ، حيث إنّ الحرام فيه لا يعرف بعينه ، مع أنّه ربّما يقال : إنّ العرف لا يدخل في ذهنه من لفظ الشيء الطبائع الكليّة ، بل الأشياء الموجودة في الخارج ، وكيف كان فإشكال الرواية إنّما هو إجمالها وعدم الظهور لها.

ثمّ على تقدير الحمل على التقسيم الخارجي يحمل على الترخيص في ارتكاب بعض أطراف الشبهة المحصورة لا في ارتكاب تمامها ، فإنّه مخالفة قطعيّة غير قابلة للترخيص ، وأمّا ارتكاب بعضها فلا مانع منه عقلا بعد ورود الترخيص شرعا ، وليس على خلافه أيضا إجماع ، وإنّما مدرك عدم افتائهم عدم الفهم من الحديث التقسيم الخارجي ، فإذا فرض القطع بظهوره فيه فلا مانع من القول به ، هذا.

٧٧

وقد يستدلّ بمرسلة الصدوق : «كلّ شيء مطلق حتّى يرد فيه نهي» والاستدلال به مبنيّ على أن يكون المراد بقوله «يرد» «يعلم» ، فيكون المعني : كلّ شيء لم يعلم فيه النهي فهو مطلق ، فيكون عنوان مشكوك الحرمة داخلا في موضوع الحديث.

لا يقال : إنّ عنوان مشكوك الحرمة أيضا شيء لم يعلم النهي فيه ، فيكون لأدلّة الاحتياط ورود على هذا الحديث.

لأنّا نقول : الضمير في قوله : «فيه» راجع إلى نفس الشيء ، فالمعنى أنّ كلّ شيء لم يعلم ورود النهي فيه بعنوانه الأوّلي فهو بعنوانه الثانوي الذي هو كونه مشكوك الحكم يكون مطلقا ، فيكون موضوع الحديث هو الشيء بعنوان كونه مشكوك النهي ، كما في أدلّة الاحتياط ، فيكون بين هذا وتلك الأدلّة التعارض على فرض تماميّتها سندا ودلالة.

وأمّا لو كان المراد بالورود هو الورود الواقعي بأن يكون المراد أنّ الأشياء قبل ورود النهي عنها شرعا يكون على الإباحة ، فالاستدلال حينئذ غير وجيه ، وذلك لأنّ الشبهة الحكميّة لم يعلم أنّه ممّا ورد فيه النهي أو لم يرد ، فيكون التمسك فيها بالحديث تمسّكا بالعام في الشبهة المصداقيّة.

إلّا أن يقال : إنّه يمكن تنقيح هذا الموضوع في الشبهة الحكميّة بالاستصحاب ، فإنّ موضوع شرب التتن مثلا لم يكن النهي عنه على فرض وجوده إلّا حادثا ولم يكن ثابتا في الأزل ، فعدم ورود النهي فيه في الأزل ثابت على كلّ حال ، فيستصحب هذا العدم فيقال: إنّ شرب التتن ممّا لم يرد فيه نهي بمقتضى الاستصحاب ، وبعد ذلك يحكم باندراجه تحت قوله : «مطلق» ، ولكن بعد جريان هذا الاستصحاب فهو يكفينا لإثبات المرام ولا حاجة معه إلى التمسّك بالحديث. (١)

__________________

(١) يمكن تصحيح التمسّك مع ذلك بأن يقال : المراد بقوله : «يرد» هو البروز والظهور على النحو ـ

٧٨

نعم يكون هذا الاستصحاب نافعا للتمسّك بالحديث على قول من لا يرى استصحاب العدم الأزلي جاريا مثل شيخنا المرتضى ، فإنّه قائل بأنّ مورد الاستصحاب لا بدّ أن يكون شيئا قابلا للجعل بالاستصحاب ، فلو كان ممّا لا يقبل الجعل فلا يجري فيه الاستصحاب إلّا بواسطة ما يقبله ، فالعدم الأزلي لا يصير مجرى للاستصحاب إلّا أن يكون موضوعا لأثر شرعي ، لأنّ العدم ليس قابلا للجعل ، وإنّما هو مسبّب عن عدم الجعل ، فعلى هذا يستصحب عدم ورود النهي الثابت في الأزل فيرتّب عليه أثره الشرعي الذي رتّب عليه بمقتضى هذا الحديث وهو الإباحة والإطلاق.

وأمّا على ما نختاره كما يأتى في محلّه إن شاء الله تعالى من جريان الاستصحابات العدميّة فلا يكون هذا الاستصحاب نافعا بحال الحديث ، لكونه مغنيا عن التمسّك به ، وبالجملة ، فعلى المختار لا يكون التمسّك بالحديث بناء على المعنى المذكور صحيحا ، لأنّه مع قطع النظر عن الاستصحاب يكون من باب التمسّك بالعام في الشبهة المصداقيّة ، ومع ملاحظة جريانه فلا حاجة إلى التمسّك بالحديث.

هذا تمام الكلام في الأدلّة اللفظيّة التي اقيم على البراءة ، وقد عرفت أنّ أقواها

__________________

ـ المتعارف ، لا من مثل النقل من صدر إمام إلى صدر إمام آخر ، فيكون المعنى أنّ النهى المجعول الواقعى الغير الوارد على نحو ورود سائر الأحكام لا يضرّ مخالفته ، فقيد عدم الورود يحرز بالاستصحاب.

نعم هذا لا ينفع في بعض الموارد وهو ما إذا ورد نهى وإباحة ولم يعلم المتقدّم من المتأخّر ، ولا يمكن التّمسك بعدم القول بالفصل بمعنى أنّه بعد ما ثبت في بعض موارد الجهل بورود النهى الحكم بالحليّة والإطلاق يثبت في سائرها بعدم الفصل ، وجه عدم الإمكان أنّه إنّما يمكن لو كان المثبت للحلّية في البعض دليلا ، لا ما إذا كان أصلا كما هو المفروض ؛ إذ ليس في البين إلّا مجرّد ملازمة بين الحليّة في الموردين ، ولا يثبت الملازم بالأصل إلّا إذا كانت الملازمة سارية إلى مرتبة الظاهر ، فإنّ الملازم حينئذ يثبت بالأصل أيضا ، كما يدّعى في الماء المتمّم والمتمّم. منه قدس‌سره الشريف.

٧٩

سندا ودلالة هو حديث الرفع ، وأمّا سائر ما ذكروه ممّا لم نتعرّض له فلا جدوى تحتها ، فلهذا طوينا عن ذكرها كشحا.

وقد يتمسّك للبراءة باستصحاب عدم ثبوت التكليف في الأزل نظير التمسّك في بحث تأسيس الأصل عند الشكّ في الحجيّة وعدمها لكون الأصل عدم الحجيّة باستصحاب عدم ثبوت الحجيّة في الأزل ، وحاصل تقريره أنّ التكليف والحجيّة يحتاجان إلى الجعل ، والجعل أمر حادث بمعنى أنّه لم يكن موجودا في الأزل وقبل خلقه المخلوقات ، فقبل الجعل كان التكليف والحجيّة منعدمين بالعدم الأزلى ، فيمكن تأسيس الأصل عند الشك في حجيّة شىء وعدمها على عدم الحجيّة بمقتضى استصحاب عدمها الأزلى ، وكذا في الشبهة الحكميّة والشكّ في التكليف يمكن إثبات البراءة وعدم التكليف باستصحاب عدمه الأزلى.

ولكن استشكل على هذا الاستصحاب شيخنا المرتضى قدس‌سره ، وحاصل ما يوجد من كلماته قدس‌سره على استصحاب عدم التكليف في بحث البراءة وعلى استصحاب عدم الحجيّة في بحث تأسيس الأصل للشكّ في الحجيّة وعدمها إشكالان :

الأوّل : لغويّة هذا الاستصحاب ، بمعنى أنّه يكفي الشكّ في هذين الموضوعين أعنى التكليف والحجيّة في الحكم بعدم ترتيب آثارهما ، فإنّ العقل مستقلّ بقبح العقاب مع الشكّ في التكليف ، وكذا مع الشكّ في الحجيّة ، فيكون التوسّل في إثبات عدم آثارهما بذيل استصحاب عدمها وإحراز عدمهما به أوّلا ثمّ الحكم بعدم الآثار من قبيل الأكل من القفا.

والثانى : أنّه يعتبر في الاستصحاب أن يكون مورده منتهيا إلى الجعل ، فلا بدّ أن يكون إمّا موضوعا له أثر مجعول ، وإمّا حكما كان نفسه المجعول ، وهذا العدم الأزلى ليس نفسه مجعولا ، فإنّ العدم غير قابل لا للجعل ولا للانجعال ، بل لا يصحّ الحكم عليه بالأزليّة والشيئيّة والموضوعيّة ، وكذلك ليس له أيضا أثر مجعول ، فإنّ أثر عدم التكليف وعدم الحجيّة إنّما هو عدم المؤاخذة والعقوبة وهو عقليّ غير قابل لجعل الشارع.

٨٠